By / 22 أكتوبر، 2019

تخدير الحماس رفع عتبة اللامبالاة

الكاتب: منتصر قيسي

حرص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على تعزيز شعور العلياء في قلوب أمته وبناء روح الثقة والمبادرة، فها هو وجرحه ينزف في أُحد وحوله الشهداء والجرحى، يدفع عن المجاهدين اليأس ويدفن مشاعر الضعف في ساعتها، وفي حادثة أخرى بلغت فيها القلوب الحناجر، يوم الخندق يبشر بفتح البلاد والإمبراطوريات، تلك هي سمات التعامل مع مواقف الشدائد وذلك هو التطبيق العملي لقول الله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، والحزن ليس فقط ذلك الذي يقر في النفس إنما ذلك الذي يعلو الوجوه وتبديه الأقوال المرتجفة والندب الصريح.

خلال السنوات الماضية عايشنا أساليب متنوعة يسعى أصحابها بكل الخبث المتوفر على وجه الأرض لتطويق حماس الناشئة المتطلعة للقيم الإنسانية العليا وفي مقدمتها العدل والحرية، ورأينا بعد سنة الربيع في ٢٠١١ بشكل خاص، على أيدي منظري الليبرالية بمشاربها واليسار بعديد أصنافه، وسمعنا على ألسنة المشيخة الإسلامية الحكومية بمعظم تياراتها، وغيرهم من عبيد السلطات وخدم السلطان، محاولات سقيمة تهدف لإعادة الشباب الثائر إلى أقفاص العبودية، وكانت هذه المحاولات في معظمها منظمة مدروسة موجهة مدفوعة بسابق العمد والتصميم، وممولة من الأنظمة والحكومات الفاجرة.

في العديد من الدول والمنظمات، يعد هذا النوع من الخطاب جرما بحق القضية يستوجب العقوبة التي قد تصل إلى الإعدام، لطالما سمعنا عن اتهامات تحت مسميات إضعاف الشعور القومي، بث الوهن في روح الأمة، إهانة التضحيات وهلمّ جرّا.
ومع مرور الوقت شكّل الشباب المسلم سداً معنويًا تعجز كل دعوات الخضوع والاستسلام عن خرقه، وتشكلت قناعة عند الأنظمة وأبواقها بأن هذا الشباب الذي امتلك جهازا مناعيا بهذه القدرات لن تنفع معه سوى الإبادة، فصار مألوفا أن ترى كاتبا يدعو لحرق الثائرين بصفة مخربين، أو إعلاميا يدعو لإبادتهم بتهمة الخيانة، وإلى هنا تبدو الأمور مع ثقلها مباشرة وطبيعية، لولا أن طارئا جديدا قفز من داخل صفوف الثورات وبدأ يفتك بالمعنويات من الداخل.

فبعد انكسارات منيت بها الشعوب، وتبدلات في موازين القوى وتحولات في مسار المعركة، بت ترى وتسمع اعتياديا من حملة المنهج الثوري، ودعاة الحرية والكرامة أصنافا من العويل والنواح على شاكلة “هذه الأمة تحتضر”، “المسلمون ميتون”، “شعوب نائمة نائمة” وما شابه هذه العبارات، وغالبا ما تأتي هذه الكلمات مرفقة بصورة أو مرئية من مآسي المسلمين في الصين أو الهند أو سوريا. لقد طالعت خلال تصفحي لمواقع التواصل بشكل خاص العديد من هذه النماذج، ولم أكن أستغرب، إنما استفزني لسطر هذه الكلمات أن بت أرى شخصيات مرموقة ولها أتباع تنزلق إلى هذه المسالك، وآخرهم متخصص في علم الحديث.

ومع أنني على يقين أن هذه الكلمات لا يُخرجها إلا حرقة القلب، إلا أن ذلك لا يبررها ولا يعطيها صك الصحة، بل هي ردة فعل سلبية تُشعر بانهيار معنويات المنادي بها وتُعلم بانكساره النفسي.

والإشكالية في هذا الخطاب تتمثل في أمرين، الأول أن هذه الادعاءات باطلة بذاتها، فالأمة وإن كانت تعيش هذه الحالة المؤسفة والقهقرى العاصفة، فإنه ومن غير ريب أن سببًا من أسباب هذه الحالة تفشي حس الجهاد في صفوف شبابها والصحوة العارمة التي حطمت أوثانا فكرية جثمت طويلا على صدورنا، ولو داهنت الأمة، بل لو قبلت بعروض النظام العالمي ورضخت لتطلعاته التي انخفضت حتى صارت أشبه بالعرض القرشي القديم، نعبد إلهكم عاما وتعبدون إلهنا عاما، لما تغول الأعداء ولا احتدت المعركة.

والأمر الثاني وهو الخطر الذي لا يجب أن يخفى، أن هذه الادعاءات خاصة مع تكرارها الممنهج تلقي على القلوب الحسرة والتعاسة، وتحطم مشاعر الحماس وتنمي العجز في النفوس، إذ إنها ترفع عتبة اللا مبالاة لدى عموم المهتمين بأمر المسلمين، فيصيب الشباب تبلد في رد الفعل، خاصة أولئك الذين يحملون هموم أمتهم على عواتقهم المتعبة.

وتراكم الشعور بالضعف وتعزيز الشلل بهذه العبارات والادعاءات يؤدي بالكثيرين إلى حالتين متطرفتين، فإما أن يتقوقع الشباب المؤمن على أنفسهم -منتظرين خروج المهدي أو غير منتظرين- خارجين من معادلات الصراع، أو ينسلخوا عن مبادئهم خارجين من دائرة الانتفاع بهم.

الوصف والسمعة في الحروب على قدر كبير من الأهمية، فيتوجب إذن ألا نتبنى خطابا متهافتا يزيدنا إرهاقا وتعبا، يقول الكاتب روبرت جرين في كتابه قواعد السطوة: القاعدة الخامسة: السمعة عماد السطوة فدافع عنها باستماتة، سقوط السمعة يعرضك للهجوم والضربات من كل جانب.

وبعد هذا التطواف في الموضوع فإني أناشد المتربصين حتى ساعة الإذن بالفرج، الحريصين على رؤية النصر يعم بلاد المسلمين، المتأهبين لسد الثغرات المتفتقة، المنتظرين أن ترفرف رايات التوحيد والعدل في سماء الأرض، بشروا ولا تنفروا، ركزوا على الإيجابيات في أحاديثكم العامة وناقشوا السلبيات في الأحاديث الخاصة، انشروا أخبار الصمود والبطولات التي ما زالت تقدمها الأمة، بعض الأمم تخترع أبطالا أفلا نبحث نحن عن أبطالنا الحقيقيين، لا تكتفوا بالحديث الجاف عن بطولات الصحابة الكرام بل تحدثوا عن بطولات المجاهدين اليوم واصنعوا من أسماء بعضهم أيقونات ومنارات، كونوا بحجم المهمة التي أوكلتم بها منذ بدء الخليقة، وبحجم التحدي المفروض عليكم، ولا تسمحوا لليأس بالتسرب إلى أعماقكم من أي باب كان، لا تسمحوا لمن يريد حقنكم بالمخدر أن يفعل، ولا تسمحوا لمن يريد العبث بشعوركم أن يفعل، فهذه الأمة حية وعنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أو آخره”.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *