By / 14 مارس، 2020

تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد المصري

د. أحمد ذكر الله
أكاديمي مصري، أستاذ الاقتصاد، كلية التجارة، جامعة الأزهر، خبير واستشارى التدريب ودراسات الجدوى

بعد الانتشار الكاسح لفيروس كورونا خلال شهري فبراير ومارس 2020، وتداعياته على الاقتصادات العالمية، برز التساؤل عن طبيعة الآثار التي يمكن أن يتسبب فيها انتشار هذا المرض في مصر، خاصة مع تزايد اكتشاف الحالات المصابة، وعدم الجاهزية المعروفة لقطاع الصحة المصري المهمَل مادياً وبشرياً خلال الفترة الماضية، وأيضاً في ظل الطبيعة الريعية للاقتصاد المصري التي يشكل كل مورد فيها أهمية قصوى للدولة واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

وستحاول هذه الورقة استقراء التأثيرات المحتملة لانتشار فيروس كورونا على الاقتصاد المصري، وذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: الآثار المحتملة على البورصة المصرية:

عَمّق ظهور الفيروس الأداء المتراجع للبورصة المصرية والذي بدأ منذ النصف الثاني من عام 2018 ومروراً بكامل عام 2019 وحتى الآن، ويمكن القول إن فترة تحسن أداء البورصة التي أعقبت تعويم الجنيه ترجع فقط إلى تنافسية سعر السهم المصري مُقَوّماً بالجنيه بعد انخفاض قيمته بما قارب 100%.

انتهي الأسبوع الأول من مارس 2020 على خسائر كبيرة، حيث هبطت البورصة بمقدار 5% وخسرت 22.5 مليار جنيه، وفي يوم الاثنين 9/3 سجل المؤشر الرئيسي EGX30 أكبر خسارة يومية منذ 2012، بعد أن أغلق متراجعاً بنسبة 7.3% (بعد أن هبط خلال الجلسة حتى 8.2%)، وبذلك بلغ معدل التراجع بالمؤشر منذ بداية العام وحتى أمس 21.3%.

وكانت هذه الخسائر امتداداً للأجواء القاسية التي شهدتها البورصة المصرية خلال شهر فبراير الماضي، حيث أنهت تعاملات الشهر بهبوط جماعي لكل مؤشراتها، وهبوط بأكثر من 5% لرأسمالها السوقي.

بالطبع كانت خسائر البورصة المصرية ضمن سياق خسائر أسواق المال العالمية والإقليمية والتي تسبب الذعر من انتشار الفيروس في خسائرها، لا سيما بعد التراجع الحاد في أسعار النفط في الأسبوعين الأخيرين، ولكن من الممكن القول إن خسائر البورصة المصرية رغم كونها في هذه السياق إلاّ أن لها خصوصية في ظل استعداد الحكومة لخصخصة ما تبقى من شركات القطاع العام عبر طرحها في البورصة، واعتمادها على متوسط سعر السهم في الشهر الأخير كآلية تسعير، الأمر الذي قد يفرض المزيد من التأجيل على الطرح خلال الفترة القادمة.

تأجيل الطروحات الحكومية، يعني إخلالاً من الحكومة بأحد بنود اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، الذي يساندها بقوة في عملية الاقتراض الخارجي الضرورية لإعادة تدوير الديون، كما يعني فقدانها لأحد موارد تغطية عجز الموازنة العامة.

كما أن تراجع قيمة البورصة المصرية كسياق عالمي قد يؤدي إلى سحب جزء من الاستثمارات الأجنبية والعربية والتي دخلت إلى السوق المصري خلال فترة ما بعد التعويم، لا سيما في ظل آليات تحويل أموال المستثمرين المعتمدة من البنك المركزي، وهو ما سيشكل ضغطاً على الجنيه خلال الفترة القادمة.

من المتوقع أن تستمر حالة التراجع في أسعار البترول، وتشير بعض التقارير الدولية إلى احتمالية انخفاضه إلى حدود ما دون 30 دولار للبرميل، كنتيجة لحالة التباطؤ في النشاط العالمي، ويرجح ذلك النزاع السعودي الروسي المحتدم مؤخراً والذي دفع بعض الخبراء إلى توقع استمرار الانخفاض حتى حدود 20 دولار للبرميل. وإجمالاً، هذا الانخفاض سيكون له تداعياته السلبية على معدلات النمو إلى تتوقعها المنظمات الاقتصادية الدولية، هذا الانخفاض سيشكل كارثة اقتصادية واجتماعية لكل دول الخليج – قدرت بعض الدراسات خسائر أوبك عند انخفاض السعر إلى 30 دولار بحوالي 500 مليون دولار يومياً تتحمل منها دول الخليج ما يقارب 300 مليون دولار) ومن بينها الدول الداعمة للنظام المصري، والتي ستتبخر احتياطاتها في غضون عامين أو ثلاثة وفقا لبعض التقديرات، وستنتقل هذه الكارثة إلى الاقتصاد المصري الريعي ليس فقط عن طريق البورصة وإنما كذلك عن طريق تحويلات العاملين في الخارج.

ثانيا: تحويلات العاملين المصريين بالخارج:

احتلت مصر المرتبة الخامسة عالمياً في قيمة الأموال المحولة من مواطنيها، خلال عام 2019، حيث حول العاملون ما يزيد عن 26 مليار دولار، وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفاعاً قياسياً بنسبة 109.5% منذ تحرير سعر الصرف وحتى نهاية 2019؛ حيث بلغ إجمالي تحويلات المصريين بالخارج عام 2016 حوالي 12.6 مليار دولار مقابل 26.4 مليار دولار بنهاية عام 2019، ارتفاعا عن 24.7، 25.25 مليار دولار خلال العامين 2017 و2018 على الترتيب.

وبذلك فان قيمة تحويلات العاملين في الخارج تشكل ما يعادل 8.8% من نسبة الناتج المحلي الإجمالي[1]، ويعتمد النظام المالي المصري، عليها كواحد من المصادر الرئيسية لتوفير العملة الأجنبية في البلاد، وبما يؤدي إلى تقليل الضغوط على الجنيه، ووفرة العملة الأجنبية في القطاع المصرفي، وبالتالي المساهمة في تمويل الواردات، فضلاً عن أنها تعمل على تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات.

ومن الجدير بالذكر أن أعداد المصريين المقيمين بالخارج تقدر بنحو 14 مليون مواطن. تستحوذ المنطقة العربية على 65% منها، وخلال الثلاث أعوام الأخيرة حدث تراجع كبير في الطلب على العمالة المصرية، ولعل السبب الرئيس لذلك يكمن في أزمة انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014 والتي من المتوقع أن تتفاقم خلال الفترة القادمة.

ستواجه العمالة المصرية في الخارج أزمة كبرى خلال العام أو العامين القادمين على فرض شديد التفاؤل، وربما يعود على أفضل التقديرات نصفها فقط إلى مصر مما يعني ليس فقط افتقاد مصر لنصف تحويلات عامليها في الخارج بل سيتوجب عليها خلق فرص عمل تستوعب هؤلاء العائدين، وأعتقد أن هذا سيشكل ضغطاً إضافياً على سوق العمالة المصري ذي الأجور المنخفضة علاوة إلى عشوائيته وابتعاده عن المسار الرسمي.

هذا بالإضافة إلى العاملين العالقين حالياً في مصر والذين لم يستطيعوا العودة إلى دول أعمالهم بعد فرضها حظرا على سفر المصريين إليها، سواء بعد الحصول على نتائج إيجابية لتحليل الخلو من الفيروس، او حظر السفر من مصر بصورة كلية. ورغم أن الكويت أعلنت إمكانية تجديد إقامة العمل إلكترونياً، إلا أن الدول الأخرى لم تتخذ خطوات إيجابية في ذلك، وبفرض تفعيلها فلا يوجد ضمان لإبقاء القطاع الخاص أو حتى الحكومي على العمال بعد تأخرهم عن العودة لأعمالهم، ومجمل هذا الوضع قد يشير إلى أن نسبة من العمالة المصرية من المستهدف تسريحها في إطار خطط إحلال العمالة الوطنية محلهم.

عموما تراجع تحويلات العاملين في الخارج سيشكل ضغطاً كبيراً على إيرادات الدولة من العملة الأجنبية، وبالتالي على قيمة الجنيه خلال الفترة المقبلة، وربما يتضافر ذلك مع عوامل أخرى، إلى تآكل الاحتياطي الأجنبي المتراكم خلال فترة ما بعد التعويم، والذي من المتوقع أن يذهب إلى سداد القروض الخارجية في حال استمر الذعر العالمي من الفيروس والتأثير المنطقي والمتوقع على سوق الديون الدولية، وقد يدفع ذلك الإدارة المصرية إلى تبني قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

ثالثا: الإيرادات السياحية المصرية:

توقعت منظمة السياحة العالمية أن يتخطى عدد السياح الوافدين لمصر العام الحالي 15 حوالي مليون سائح، مقارنة بنحو 13 مليون سائح خلال العام 2019 بزيادة تبلغ نسبتها نحو 15.38% [2].

وكان البنك المركزي المصري قد أظهر تحقيق قطاع السياحة قفزة كبيرة في الإيرادات خلال العام المالي الماضي 2018 -2019 بنسبة بلغت 28 %، حيث بلغت إيرادات السياحة 12.57 مليار دولار مقارنة بـ 9.8 مليار دولار في العام المالي السابق 2017 /2018، بينما كان الرقم القياسي السابق 11.6 مليار دولار في العام المالي 2009 – 2010.

وبذلك فالسياحة هي ثالث مصدر للدخل القومي بمصر، بعد تحويلات المصريين بالخارج التي احتلت المركز الأول بـ 26.4 مليار دولار والصادرات غير البترولية التي جاءت في المركز الثاني بـ 17.1 مليار دولار، ويليهم الصادرات البترولية بـ8.8 مليار دولار وعائدات قناة السويس بـ 5.7 مليار دولار في العام الماضي.

وتشير الإجراءات التي اتخذتها الدول التي تفشى فيها الفيروس بصورة كبيرة أو تلك التي تحاول منع هذا التفشي إلى أن الانعزال وإغلاق الأبواب، وأن التشديد في الدخول والخروج سيكون السمة الرئيسة خلال الفترة القادمة، لا سيما مع الدول ذات السوابق التاريخية في إخفاء الإحصاءات الرسمية.

عموماً، تأثُر السياحة الواردة إلى مصر سيكون ضمن إطار تأثر السياحة العالمية، الناتجة عن قرارات الدول بمنع السفر أو الدخول إليها، إضافة إلى مبادرات الأفراد أنفسهم في الامتناع عن التنقل على الأقل خلال العام الحالي، وهو ما يعني فقدان مصر لنسبة من هذا الدخل الذي تعول عليه كثيراً في مواجهة التزاماتها.

ومؤخراً صرح حسام الشاعر رئيس غرفة السياحة في مصر أن الحجوزات انخفضت بنسبة 70 % -80 % مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي)[3](.

ويرتبط بقطاع السياحة وتأثير انتشار فيروس كورونا عليه، قطاعين رئيسيين هما قطاع النقل الجوي، وشركات الحج والعمرة، ويمكن تناول التأثير المحتمل عليهما كما يلي:

1- شركات النقل الجوي:

صرح وزير الطيران المدني بأن مديونية شركة مصر للطيران بلغت 20 مليار جنيه من عام 2011 وحتى عام 2015، ومن الجدير بالذكر أن الشركة بعد تحقيقها خسارة بالعام المالي 2002/2003 بنحو 246 مليون جنيه، تحولت للربح طوال السنوات المالية السبع التالية، لتبلغ أرباحها 533 مليون جنيه بالعام المالي 2009/2010، ثم تبدل حالها لتتحول للخسارة المستمرة حتى الآن. وبهذا تكون مصر للطيران قد أتمت العام المالي التاسع على التوالي لخسائرها.

وتعزو قيادات الشركة الخسائر إلى تراجع السياحة، خاصة أن ما بين 83% و91% من السياح الواصلين لمصر يصلون بالجو، وكذلك زيادة المصروفات بسبب ارتفاع تكلفة الوقود، والعمالة التي تصل لحوالي 33 ألف موظف، وارتفاع مصروفات الصيانة مع تقادم الطائرات.

لكن تلك المبررات لم تجد قبولاً لدى المتخصصين، ويرجعون الخسائر لسوء الإدارة، وفرض الدولة عليها تسيير رحلات سياسية لدول وعواصم لا تفي بنفقات التشغيل، ويدللون على رأيهم بأن السياحة قد تحسنت في العام المالي 2012/2013، ليصل عدد السياح خلاله إلى 12.2 مليون سائح، ومع ذلك انخفضت الخسائر خلاله إلى 1.7 مليار جنيه فقط.

وفي نوفمبر 2018، كشف رئيس شركة “مصر للطيران” القابضة، أحمد عادل، أن وقف خط الطيران المباشر مع العاصمة القطرية الدوحة منذ عام ونصف العام أثّر بالسلب على مكاسب الشركة، مشيراً إلى أن الأحداث التي تمر بها المنطقة، خاصة في ليبيا وسورية تسببت في ارتفاع حجم خسائر الشركة المصرية، لأنه كان هناك خطوطاً رابحة لهذه الدول، وأدى وقفها إلى خسائر كبيرة للشركة [4].

وقدر مسؤول بشركة مصر للطيران خسائر تعليق الرحلات إلى الصين بمليوني دولار أسبوعياً، وقال إن شركة مصر للطيران تسير نحو 15 رحلة أسبوعياً إلى 4 مقاصد فى الصين بمناطق مختلفة جراء نمو الحركة التجارية والسياحية مع مصر مؤخرا [5].

عموماً وفي ظل التوقع بتأثر قطاع السياحة سلبيا، ومعه احتمالية منع العمرة أو تقليل الأعداد، مع احتمالية تقليص أعداد العاملين المصريين في الخارج، فيمكن القول إن قطاع النقل الجوي في مصر تنتظره أيام صعبة.

2- شركات العمرة والحج:

لطالما اعتبرت السلطة المصرية الإنفاق على الحج والعمرة تسرباً في العملة الأجنبية، خاصة مع تجاوز عدد المعتمرين المصريين المليون والربع في عام 2016، كما بلغ عدد شركات السياحة المسجلة فى الغرفة التجارية نحو 2500 شركة، لا يعمل منها فى السياحة المستجلبة سوى نحو 300 شركة والباقي 2200 شركة كلها تعمل فى الحج والعمرة، ولهذا اتخذت الدولة بالتعاون مع الجانب السعودي مجموعة من القرارات أدت إلى انخفاض أعداد المعتمرين.

وقد انخفض أعداد المعتمرين المصريين من مليون و٣٠٠ ألف عام ١٤٣٧ هجريا إلى ٣٧٦ ألف معتمر عام ١٤٣٩ هجريا، إلا ان العدد سرعان ما بلغ 538,940 معتمراً في العام 1440هـ وذلك طبقاً لإحصاءات مؤشر العمرة الأسبوعي الذي تصدره وزارة الحج والعمرة السعودية.

عموماً، تري الإدارة المصرية خفض أعداد المعتمرين حفاظاً على العملة الأجنبية، ومن المحتمل انخفاض تلك الأعداد إلى حد كبير خلال العام الحالي وربما القادم لا سيما بعد الإجراءات تجاه العمالة المصرية والمصريين بصفة عامة من بعض دول الخليج. إذاً، يمكن القول إن خفض أعداد المعتمرين وربما خفض أعداد الحجاج أو إلغاء الموسم سيؤدي إلى فائدة من وجهة النظر الرسمية المصرية، ولكني أراها من وجهة النظر الكلية متعادلة مع الخسائر المتوقعة لشركة الطيران الوطنية إذا ما تحقق الإلغاء أو التخفيض.

رابعا: إيرادات قناة السويس:

حققت قناة السويس إيرادات بلغت 5.9 مليار دولار، خلال العام المالي 2018/2019، بنسبة زيادة 5.4 %على أساس سنوي، وهي الأعلى في تاريخ القناة التي تعد أحد أهم مصادر “العملة الصعبة” للحكومة المصرية.

وتشير التوقعات إلى التشاؤم بشان الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي بسبب انتشار الفيروس وتأثيره السلبي على النمو العالمي- ليست محل بحث الورقة-، ويمكن فقط الإشارة من هذه التوقعات إلى تصريح الأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) بان صادرات الصين انكمشت بنسبة 2% على أساس سنوي في فبراير/شباط الماضي فقط، وهو ما كلف دولاً أخرى وصناعاتها حوالي 50 مليار دولار في شهر فبراير الماضي، بل إن رقم 50 مليار وطبقاً لمدىرة قسم التجارة الدولية في “أونكتاد” باميلا كوك هاميلتون هو رقم أولي وقد يكون “تقديراً متحفظاً”[6].

ووفقا لأونكتاد فإن الدول أو المناطق التي تعاني أعلى خسائر في التصدير بسبب تداعيات الفيروس هي الاتحاد الأوروبي، الذي من المتوقع أن تبلغ خسائره حوالي 15.6 مليار دولار، والولايات المتحدة بخسائر (5.8 مليارات دولار) واليابان (5.2 مليارات دولار) وكوريا الجنوبية (3.8 مليارات دولار) وتايوان (2.7 مليار دولار) وفيتنام (2.3 مليار دولار) [7].

هذا يعني ببساطة تراجع حركة التجارة العالمية خلال الفترة القادمة، وأيا ما كانت نسبة التراجع والتي لا يمكن تحديدها على وجه الدقة لأنها تتوقف على القدرة على السيطرة على انتشار الفيروس، فان القول بتراجع إيرادات القناة يبدو منطقيا ليس فقط بسبب التراجع التجاري وإنما كذلك بسبب الانخفاضات المتسارعة في أسعار النفط، الناتجة عن التشاؤم بشأن معدل نمو الإنتاج العالمي وهو ما يعني لا محالة تخفيض الإنتاج العالمي ومن ثم حركة النقل البحري.

خامساً: الصادرات المصرية:

حقّقت الصادرات المصرية غير البترولية حوالي 17.1 مليار دولار في عام 2019، بينما حققت الصادرات البترولية بـ 8.8 مليار دولار في نفس العام، ويمكن القول إن الصادرات السلعية المصرية على الرغم من عدم تزايدها زيادات ملحوظة خلال الفترة الماضية إلا أنها تتمتع بتنوع كبير في المنتجات، مع انخفاض عائد كل منتج منفرداً مقارنة بحجم الإنتاج والتصدير العالميين، وبالتالي فان الانخفاض المتوقع للصادرات السلعية المصرية لن يكون كبيراً.

أما عن الصادرات البترولية فمن المتوقع أن تواجه مشكلة كبرى نتيجة انخفاض الأسعار العالمية، والمشكلة قد تتخطي فقط أزمة تراجع العوائد، إلى هروب المستثمرين العاملين في مجالات التعدين والاستكشاف، لاسيما في ظل احتمالية هبوط الأسعار عن التكاليف الفعلية للاستخراج، وينسحب الأمر كذلك على صادرات الغاز المصرية المستجدة مؤخرا والبالغة 1.2 مليار دولار في عام 2019.

وهو الأمر الذي يعني أن خسارة مصر مزدوجة بالنسبة للقطاع البترولي، أولها ستاتي من تراجع الأسعار الذي ربما يستمر لعامين قادمين، وثانيها من تضاؤل الاستثمار الأجنبي في مجال البحث والاستخراج والذي يشكل معظم الاستثمار الأجنبي الوارد إلى مصر في السنوات الأخيرة.

أعتقد أن المشكلة التي يجب أن تُثار حالياً هي مدى استجابة الأسعار المحلية للطاقة (بنزين-غاز-كهرباء) للانخفاض العالمي في أسعار النفط، كما أعتقد أن السلطة المصرية في ورطة حقيقية أمام المستهلك المصري والمستثمرين المصريين والأجانب العاملين على الأراضي المصرية، والذين سمح لهم قانون الطاقة الأخير باستيراد الغاز من الخارج.

جوهر الورطة هي التعاقد مع إسرائيل المحدد السعر سلفاً بما يزيد عن 5 دولارات للمليون قدم مكعب من الوحدات الحرارية والتي لن تستطيع مصر أن تتملص منه، ولا من مدفوعاتها السنوية المترتبة عليه والبالغة 2 مليار دولار تقريباً، والخيار أمام السلطة إما أن تبيع بخسارة أو تبيع للداخل بأسعار مرتفعة. وعلى كل الأحوال فقد جاء كورونا كمخلص ولو مؤقت للنظام من المحاسبة الآنية – وستصبح كورنا الشماعة التي يعلق عليها النظام عدم ظهور بوادر للتحسن في حياة المواطن أو الخدمات المقدمة له – بعد الفشل الذريع في تحويل مصر كمركز إقليمي للطاقة، وتورطها في الاتفاقية مع إسرائيل.

سادسا: قيمة الجنيه المصري:

توجد مجموعة أخرى من العوامل التي قد تتأثر بانتشار الفيروس بخلاف العوامل المذكورة سابقاً، ولكن لتشابكها الشديد مع بعضها وتأثيرها في قيمة الجنيه المصري، قصدت تجميعها تحت العنوان السابق للفقرة الحالية.

تأتي أهمية الجنيه من تأثير قوته الشرائية على مستوى معيشة المواطنين من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى محاولة السلطة المصرية تسويق التحسينات الأخيرة في قيمته على انها نجاح لسياساتها رغم أنها لم تحسن شيئاً في مستوى معيشة المواطن.

ويتحدد سعر صرف الجنيه بالإيرادات الدولارية إلى مصر والتي تتسم بالريعية في نسبة كبيرة منها، والتي ذكرنا آنفاً تأثرها سلباً بشدة بسبب تفشي الفيروس، ويتبقى بعض العوامل التي تحتاج إلى بعض التفصيل ومنها:

1- الاستثمارات الأجنبية المالية والمباشرة:

اعتمدت مصر خلال الفترة الماضية على الاستثمارات في أدوات الدين المحلية كمصدر رئيس من مصادر النقد الأجنبي، ولتمويل عجز الموازنة، وللحفاظ على سعر صرف الجنيه، وقد بلغت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية 22 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2019، وهو الأمر الذي ساعد على حفاظ الإدارة النقدية على ما راكمته من احتياطيات نتجت عن قروض في الفترة التي أعقبت التعويم.

ومع استمرار تفشي الفيروس، من المتوقع اتجاه جزء من الاستثمارات غير المباشرة إلى الاستثمار في الدولار الأمريكي والين الياباني والفرنك السويسري، باعتبارها ملاذات آمنة، وبالفعل شهدت مصر تدفقات خارجة من استثمارات الأجانب في المحافظ المالية بقيمة تتراوح بين 2 إلى 2.5 مليار دولار على مدار الأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع الماضية [8]، في ظل بحث المستثمرين عن ملاذات استثمارية آمنة في ظل تقلبات الأسواق، ومن المتوقع أن تستخدم السلطة النقدية احتياطاتها للحد من الانخفاضات الكبرى في قيمة الجنيه، ولكن استمرار الأزمة وبالتالي المسحوبات من الأذون يعني تبخر الاحتياطي وعدم قدرته على إيقاف نزيف قيمة الجنيه وهو الأمر المرجح بشدة خلال الفترة القادمة.

والمشكلة الكبرى التي قد تتعرض لها مصر ستكون عند استمرار انخفاض أسعار الأسهم في أسواق العالم، لأن تلك الانخفاضات ستدفع المستثمرين، من أصحاب الأموال الساخنة، الذين يحتفظون بأذون وسندات الخزانة بالجنيه المصري، إلى تسييل محافظهم الرابحة، مما يعني توجههم لشراء الدولار الذي باعوه عند دخولهم، واعتبره البنك المركزي المصري مبرراً لخفض سعر الدولار مقابل الجنيه خلال العام الماضي بصورة مبالغ فيها، رغم الطبيعة غير المستقرة لتلك الاستثمارات، مما يعني المزيد من الضغط على سعر الصرف.

تجدر الإشارة هنا إلى أن مصر بذلك قد دفعت ثمن هذه الأموال مرتين، إحداهما بدفع سعر الفائدة والأخرى بخفض سعر الدولار – غير المبرر اقتصادياً – حالياً بما يعني تحقيق أرباح مزدوجة للمستثمرين.

وبصورة كلية، يأتي بروز أزمة في المصادر الدولارية السابق الإشارة إليها، وما تنتظره مصر من عامين شديدي الوطأة من حيث استحقاقات القروض الخارجية، إضافة إلى أثمان الغاز المستحقة لإسرائيل، فمن المرجح أن نشهد تناقصاً حاداً في الاحتياطي النقدي – ربما يصل إلى تآكل نصفه – إلا إذا استمر نجاح الحكومة في الاقتراض من الأسواق الدولية، فيما يعرف بإعادة تدوير ديونها.

إذاً فالنتيجة إما أن نشهد تزايداً بنسبة غير طبيعية في القروض الخارجية، أو تناقصاً بصورة حادة في الاحتياطي النقدي، وكلاهما يعني ارتفاع في قيمة الدولار والمزيد من الأعباء على المواطن المصري؛ وربما يكون الارتفاع محتمَلاً لبقية العام الحالي، ولكن إذا استمر تفشي الفيروس، فمن المرجح أن يزداد الوضع تعقيداً.

أما عن الاستثمارات المباشرة، فكما سبق القول، من المتوقع أن ينخفض الإقبال على الاستكشاف والاستخراج المكوِّن الرئيس للاستثمار الأجنبي في مصر، والذي استحوذ خلال الفترة 2014-2018 على حصة ما بين 53% بحدها الأدنى عام 2015/2016 71.7% بحدها الأقصى عام 2013/ 2014[9]. بالإضافة إلى ما تعانيه رؤوس الأموال العالمية من خسائر مدوية خلال الفترة الماضية، وبالتالي، لا أعتقد أن الاستثمار المباشر يمكن ان يعوض نسبة تذكر من الاستثمارات غير المباشرة، بما يعني أن تأثير خروج الاستثمارات المالية لا يوجد ما يعوضه، إضافة إلى التوقعات بانخفاض منطقي في الاستثمارات المباشرة ذاتها.

2- الاقتراض الخارجي:

اعتمدت السلطة المصرية على القروض الخارجية خلال الفترة الماضية لتدعيم الاحتياطي النقدي وتمويل عجز الموازنة العامة، وقد زادت القروض الخارجية من 39 مليار دولار تقريباً بنهاية عام 2013 إلى 110 مليار دولار تقريباً بنهاية 2019.

ويفرض الظرف العالمي الراهن والظرف المحلي للاقتصاد المصري التساؤل حول مدى أهمية القروض الخارجية خلال الفترة القادمة، ومدى قدرة الحكومة على الاقتراض؟

من المتوقع أن تصبح القروض الخارجية هي الملاذ الأخير للسلطة المصرية في مواجهة الأزمات الناجمة عن تفشي الفيروس، ويدعم ذلك اضطرار الحكومة إلى الاقتراض لأغراض إعادة التدوير القروض، والحفاظ على قيمة الجنيه، ومواجهة عجز الميزان التجاري في ظل تضخم الواردات والفشل في الزيادة المرجوة للصادرات.

كما يمكن الحديث عن خسائر كبيرة لكبرى المصارف العالمية بسبب تراجع أسعار أسهمها، وكذلك تباطؤ نمو الشركات المدينة وعلامات الاستفهام حول قدرتها على الوفاء بديونها، إضافة إلى الحديث عن الخسائر الكبرى للبورصات العالمية، وخسائر حلفاء النظام من جراء انخفاض أسعار النفط، كل هذه الأمور ربما تشير إلى أن الاقتراض مصر الخارجي ربما يزداد صعوبة خلال الفترة القادمة، وليس شرطاً أن تكون الصعوبة في حجم الأموال المتاحة للاقتراض فقط، بل ربما يمتد الأمر إلى شروط الاقتراض، وهذا ما أرجحه.

3- الخدمات الحكومية الممولة من الموازنة العامة:

لا شك أن التراجع المتوقع لبعض الإيرادات التي يمكن نعتها بالريعية مثل الإيرادات السياحية وإيرادات قناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج سيكون ذا أثر سلبي على عجز الموازنة العامة للدولة، وهو جوهر اتفاقية صندوق النقد الدولي مع السلطة المصرية، بالإضافة إلى التأثير السلبي على قدرة الحكومة على الإنفاق على الخدمات العامة المقدمة للمواطنين لاسيما الصحة والتعليم.

ومؤخراً صرح وزير المالية بأن وزارته قد تراجع مستهدفات الموازنة إذا استمرت الأزمة، ويبلغ مستهدف الحكومة للنمو الاقتصادي في العام المالي الحالي نحو 6%، و6.4% في العام المالي المقبل 2021/2020، في حين من المتوقع أن يتواصل الفائض الأولي بالموازنة عند 2% في العام المالي المقبل. وستعيد الوزارة أيضاً تقييم مستهدفها لخفض الدين العام في موازنة العام المالي المقبل إلى 79% من الناتج المحلي في ظل الوضع الراهن [10].

آلية التسعير التلقائي للمواد البترولية والتي تجتمع لجنتها كل ثلاثة أشهر ستحرم المواطنين والصناع من انخفاض أسعار البترول، ويتبقى أثر ذلك الانخفاض إيجاباً على عجز الموازنة العامة، حيث يوفر كل دولار انخفض في سعر البترول أربعة مليارات جنيه للموازنة (سعر البترول في الموازنة 76 دولار للبرميل)، ومن المرجح أن يمتص ارتفاع أسعار الفائدة المتوقع على الاقتراض هذا الأثر الإيجابي.

4- نقص السلع المستوردة:

أشار الكثير من الخبراء إلى أن التأثيرات السلبية لانتشار الفيروس على الإنتاج الصيني ستمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن تأثير الصين أصبح قويا للحد الذي لا تستطيع العديد من الصناعات الاستغناء عنها [11].

ومحلياً، فمن المتوقع أن يعاني المصنعون من اضطراب حركة التجارة وسلاسل التوريد، وربما يجدون صعوبة في توفير بعض مكونات الإنتاج وقطع الغيار وصعوبة في إيجاد البديل، في حين قد يواجه الموردون صعوبات في التوريد.

وقد بدأت مؤشرات ذلك بالظهور فعلياً في السوق المصرية مع بدء تناقص بعض السلع الواردة من الصين، خاصة الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية، وهو ما يثير توقعات بارتفاع قريب لأسعارها، حيث إن العديد من خطوط إنتاج الأجهزة الكهربائية والأدوات الصحية تعتمد على واردات من الصين.

وتشير صحيفة البورصة المصرية إلى بدء عدة مصانع في تخفيض الإنتاج وقيام عدة موزعين بتخزين الأجهزة تحسباً لارتفاع سعرها مع تناقص الواردات الصينية، وكذلك في البحث عن أسواق بديلة للصين، كما تشير إلى ارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية بحوالي 3-5%، والأدوات الصحية والسباكة، بنسب تتراوح بين 10-20% منذ بدء انتشار الفيروس، حيث تستورد مصر 80% من أدواتها الصحية من الصين [12].

الخلاصة:

لا تزال موجة انتشار الفيروس وتداعياته الاقتصادية في مقدمتها، ومن الصعوبة الكبيرة التوقع الرقمي لمدى الانتشار وسرعته، وبالتالي للتداعيات السلبية له على الاقتصاد المصري، ولكن الطبيعة الريعية لهذا الاقتصاد هي التي تجعله أكثر وأسرع وأعمق استجابة للمؤثرات الخارجية.
أظهر تفشي الفيروس العيوب الهيكلية للاقتصاد المصري، واعتماده بصورة رئيسية على مجموعة من المصادر الريعية، كما أظهر فشل السلطة في التحول نحو الإنتاجية والتنافسية، كما كشفت الأزمة طبيعة المصادر الريعية وانكشافها أمام التقلبات الاقتصادية الدولية، وعدم إمكانية الاعتماد عليها في التصدي والمواجهة حال الأزمات.
اعتماد السلطة المصرية على الأموال الساخنة والاقتراض الخارجي، والفشل في جذب الاستثمارات الأجنبية رسّخ من الريعية في الاقتصاد المصري، كما أن الانخفاض المتوقع لأسعار البترول بالإضافة إلى التورط في استيراد الغاز من الكيان الصهيوني، حرم المستهلك والمستثمر المحلي من الاستفادة من انخفاضات الأسعار.
ومن المتوقع أن يطلب مستثمرو أذون الخزانة فوائد أعلى، وإلا ستبحث أموالهم الساخنة عن ملاذات، وستُحَوّل الأموال إلى دولار للخروج، وستنضب تدريجياً حال استمرار الأزمة مصادر الاقتراض الخارجي الذي ستلجأ إليه السلطة كحائط أخير لمواجهة تلك التداعيات الاقتصادية السلبية.
فشلت الحكومة في دعم نمو القطاع الخاص، والذي تراجع باضطراد خلال الثلاث سنوات الأخيرة، كما فشلت في تحسين مستويات المعيشة ورفع مستوى الاستهلاك وهو العقبة الرئيسة أمام القطاع الخاص، ومن المرجح أن تتفاقم أزمة القطاع الخاص مع توسع الامبراطورية الاقتصادية للجيش، بفضل المزايا التنافسية غير العادلة، وستضغط أزمات الإمداد والتوريد التي بدأت بالفعل كنتيجة لتراجع الإنتاج الصيني على القطاع الخاص في ظل محاباة متوقعة للأجهزة السيادية المنافسة.
القراءة الأولية للتداعيات الاقتصادية لانتشار الفيروس في مصر والعالم، تشير إلى حتمية ارتفاع سعر الفائدة، ومن المتوقع ألا تنجح عمليات طرح السندات محلياً ودولياً بنفس نسبة نجاحها في الماضي، وربما تفشل جزئياً، وهو ما يعني أن عملية تدوير الديون المحلية والخارجية ستواجه مأزقاً كبيراً، ومن المتوقع انه بنهاية العام الحالي ربما تقفز الديون المحلية إلى 5 تريليون جنيه، وتتخطى الديون الخارجية حاجز 150 مليار دولار، ومن المرجح ان تلجأ مصر مرة أخرى لصندوق النقد الدولي للاقتراض.

الهامش

  • [1] لمزيد من التفاصيل حول أهم الإيرادات المصرية، د. أحمد ذكرالله: الاقتصاد المصري بعد 2013: السياسات والتحديات، المعهد المصري للدراسات، تاريخ النشر 2 أغسطس 2019
  • [2] العربية نت، توقعات بأن يتخطى عدد السياح الوافدين الـ15 مليون سائح
  • ([3] موقع بلومبرج: Egypt’s Economy Faces a Double Whammy : Economics
  • [4] رئيس “مصر للطيران”: توقف خط الدوحة أثر سلباً على أرباحنا
  • [5] 2 مليون دولار خسائر “مصر للطيران” لوقف رحلاتها إلى الصين أسبوعياً
  • [6] نقص المكونات الصينية يتسبب في هبوط بقيمة 50 مليار دولار في الصادرات العالمية في فبراير
  • [7] أونكتاد: نقص المكونات الصينية يتسبب في هبوط بقيمة 50 مليار دولار في الصادرات العالمية في فبراير
  • [8] نشرة انتربرايز: 10/3/2020
  • [9] مصر.. نتائج سلبية للاستثمارات الأجنبية
  • [10] نشرة انتربرايز 10/3/2020
  • [11] الرابط
  • [12] تراجع مخزون «الأجهزة الكهربائية» و«الأدوات الصحية» بسبب «كورونا»

المصدر: المعهد المصري للدراسات السياسية


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *