By / 4 يوليو، 2020

تدهور مشروع ابن سلمان لتوطين الصناعات الدفاعية بالسعودية

 مع بزوغ نجم محمد بن سلمان كلاعب رئيس في المشهد السعودي عقب تولي والده لمنصب الملك، أطلق ابن سلمان في أبريل 2016 برنامجا طموحا لتطوير وتنويع اقتصاد المملكة تحت اسم  “رؤية 2030″، ومن ضمن محاور تلك الرؤية تأسيس صناعات عسكرية محلية.

وفي مايو 2017 أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يرأسه محمد بن سلمان عن  تأسيس شركة صناعات عسكرية وطنية تحمل اسم (الشركة السعودية للصناعات العسكرية، SAMI) بهدف توطين 50% من إجمالي الإنفاق الحكومي العسكري في المملكة بحلول2030 في ظل انفاق السعودية 22٪ فقط من ميزانيتها داخل حدودها.

 كذلك تضمنت الأهداف المعلنة لشركة (SAMI) العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي للسعودية في مجال الصناعات العسكرية، والوصول بالشركة إلى أن تكون ضمن أفضل 25 شركة متخصصة في الصناعات العسكرية في العالم بحلول عام 2030م.

هذا المشروع الطموح يتماشى من كون السعودية من أكثر دول العالم في الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي، فبينما تخصص أكبر 15 دولة من حيث الإنفاق العسكري عدا السعودية قرابة 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على نفقاتها العسكرية، نجد أن السعودية أنفقت 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 بينما أنفقت 13 % في عام 2015. كما احتلت السعودية في عام 2018 المركز الثالث عالميا في قائمة الإنفاق العسكري، بمبلغ 67.6 مليار دولار حسب تقديرات معهد ستوكهولم للسلام الدولي (سيبيري). وقد استوردت السعودية خلال الفترة من (2014-2018) 68% من وارداتها من الأسلحة من أميركا، و16% من بريطانيا، و4.3% من فرنسا.

الحد من تصدير الأسلحة للسعودية وتدهور مشروع التوطين

تعرضت السعودية خلال السنوات الأخيرة لضغوط من طرف دول أجنبية تتمثل في وقف رخص تصدير الأسلحة إلى الرياض. ففي نوفمبر 2018 أصدرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قرارا بحظر منح تراخيص تصدير أسلحة ألمانية للسعودية على خلفية حادث اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. ثم في  28 مارس 2019، قررت الحكومة الألمانية تمديد الحظر بحجة إعادة تقييم المشاركة العسكرية السعودية في حرب اليمن. وهو القرار الذي لا ينطبق على الشركات الفرعية التابعة لشركات السلاح الألمانية خارج ألمانيا. 

وسبق في عام 2016 أن صدرت توصية من لجنة تابعة لمجلس العموم البريطاني بتعليق مبيعات الأسلحة البريطانية التي يمكن استخدامها في اليمن إلى السعودية لحين إجراء تحقيق مستقل من طرف الأمم المتحدة بخصوص استهداف المدنيي. وفي عام 2019 أصدرت الحكومة البريطانية قرارا بحظر بيع أسلحة جديدة إلى السعودية دون أن يشمل ذلك تسليم صفقات الأسلحة التي سبق التعاقد عليها.

قرارات الحظر الاوروبية من المفترض ان تدفع السعودية إلى المزيد من العناية بمشروع توطين الصناعات الدفاعية، ولكن استجدت تطورات تشير غلى خلاف ذلك. ففي مستهل إنشاء شركة (SAMI)، استعانت الرياض بعدد من كبار خبراء صناعات الأسلحة عالميا، فتولي رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة راينميتال إيه جي العالمية الألمانية، أندرياس شوير، منصب المدير التنفيذي للشركة، كما شغل في عام 2018 الرجل الثاني في شركة راينميتال العالمية للدفاع والأمن بالسعودية البريطاني ميك تيموني منصبا استشاريا في شركة (SAMI) في مجال شراء الأسلحة والذخائر. كما انتقل المدير السابق للشؤون القانونية والتدقيق بشركة راينميتال العالمية، الخبير القانوني الألماني مايكل دنكيل إلى شركة (SAMI) مطلع عام 2019 ليعمل خبيرا قانونيا بها.

أما مجلس إدارة شركة (SAMI) فقد ضم بجوار شوير كلا من مايكل كوسنتينو رئيس شركة إيرباص للدفاع والفضاء، والسنغافوري فيليب يو رئيس مجلس إدارة شركة سبرينغ بسنغافورة، فضلا عن رئيس مجلس الإدارة أحمد بن عقيل الخطيب‏.

وفور تدشينها بدأت الشركة السعودية للصناعات العسكرية في عقد عدد من الشراكات مع بعض الشركات الغربية الكبرى، فوقعت في إبريل 2018 اتفاقا مع  شركة نافانتيا الإسبانية للصناعات البحرية من أجل تأسيس مشروع مشترك يدير ويوطن الأعمال المتعلقة بأنظمة القتال على السفن. كما وقعت أيضا الشركة السعودية اتفاقا مع شركة بوينج لتأسيس مشروع مشترك يهدف إلى توطين أكثر من 55% من عمليات الصيانة والإصلاح للطائرات الحربية في السعودية، ونقل تقنية دمج الأسلحة على تلك الطائرات، وتوطين سلسلة الإمداد لقطع الغيار داخل المملكة.

اشتراط نقل التكنولوجيا العسكرية إلى السعودية مقابل الموافقة على العقود الدفاعية، أثار انزعاج شركات الأسلحة الأميركية التي رأت أن شوير يمثل عقبة أمام توسعها في السوق السعودية. واستثمرت الشركات الأمريكية حادثة مقتل خاشقجي وضعف موقف الجيش السعودي أمام الحوثيين وإيران للضغط على ابن سلمان لتمرير صفقات دفاعية دون الالتزام بشرط توطين التكنولوجيا العسكرية، وهو ما تبلور في نوفمبر 2018 بعقد صفقة  بقيمة 15 مليار دولار لتزويد الرياض بنظام للقذائف المضادة للصواريخ الباليستية طراز “ثاد”  تنتجه شركة لوكهيد مارتن الأمريكية.

وفي إبريل 2020 أقيل أندرياس شوير من منصبه كرئيس تنفيذي للشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) بالتزامن مع انهيار أسعار النفط والتداعيات الاقتصادية الناجمة عن أزمة كورونا، في حين حل محله السعودي وليد أبو خالد المقرب من شركات السلاح الأمريكية، والذي سبق له العمل كرئيس تنفيذي لفرع شركة “نورثروب غرومان” الأمريكية في السعودية ثم مديرا لها في الشرق الأوسط. 

ويمكن عزو أسباب تعثر مشروع توطين الصناعات الدفاعية بالسعودية إلى احتياجه إلى كوادر بشرية مؤهلة وتأسيس بنية علمية وتحتية متطورة، وهي عملية تراكمية يصعب تحقيقها خلال سنوات معدودة. فضلا عن مواجهة الرياض لضغوط من شركات الأسلحة العالمية التي لا ترغب في فقد حصتها بالسوق السعودي في إجبارها على نقل تكنولوجياتها الصناعية، وصعوبة منافسة الصناعات الدفاعية السعودية في الأسواق الإقليمية في ظل ارتهان العديد من عقود التسليح بأبعاد سياسية أكثر من ارتباطها باحتياجات عسكرية حقيقية. وأخيرا، السياسات الاعتباطية لولي العهد السعودي، والتي لا تضمن استمراره في تنفيذ مشروع ضخم يحتاج لرؤية متماسكة وموارد كبيرة وإرادة سياسية مستقلة تكفل عدم التوقف في منتصف الطريق.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *