By / 19 يوليو، 2020

تطوير طبيعي أم قلق من مصر.. لماذا تعيد إثيوبيا بناء قواتها البحرية؟

كثيرا ما يُطلِق السياسيون وعودا لا يستطيعون وربما لا ينوون الوفاء بها من الأساس، وتُعَدُّ هذه الحقيقة إحدى البديهيات القليلة التي يعرفها الجميع عن عالم السياسة المتقلِّب والغامض، لكن الأمر كان مختلفا بشكل خاص مع ذلك الوعد الذي قطعه رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” في يونيو/حزيران عام 2018،  بعد مرور أقل من شهرين على توليه منصبه بشكل رسمي، عبر كلمة متلفزة بثّها التلفزيون الحكومي على الهواء مباشرة على مرأى ومسمع أكثر من مئة مليون إثيوبي، بخلاف ملايين آخرين تناقلوا التعهُّد المثير للجدل لرئيس الوزراء الجديد.

خلال كلمته المشار إليها، حرص(1) “آبي أحمد” على تأكيد رغبته في انتهاج سياسة سلمية تجاه دول الجوار تقوم بشكل رئيس على التعايش السلمي والتكامل الاقتصادي، مُوجِّها دعوات تصالحية غير مسبوقة لخصوم بلاده التاريخيين، خاصة في إريتريا المجاورة، لكنه لم ينسَ في الوقت نفسه التلويح بالعصا العسكرية، مُتحدِّثا بفخر عن نجاح بلاده في بناء أحد أقوى الجيوش الأفريقية على مستوى القوات البرية والجوية، ومُتعهِّدا بالبدء في إعادة بناء القدرات البحرية للجيش الإثيوبي خلال المستقبل القريب.

كان ذلك التعهُّد ببناء سلاح بحرية إثيوبي جديد مثيرا وغريبا بشكل خاص، ولم يرجع ذلك فقط لحقيقة أن بناء قدرات بحرية من الألف للياء يتطلَّب استثمارات مالية ضخمة لن تستطيع حكومته الوفاء بها في الوقت الراهن، أو حتى لكون بناء سلاح بحري قوي يتطلَّب سنوات طويلة من التدريب الفني وصناعة الكفاءات بالاستعانة بقوة عسكرية دولية مرموقة كشرط لازم؛ لكنّ وجهَيْ الإثارة والغرابة الحقيقيين يمكن إرجاعهما لحقيقة أبسط من ذلك كثيرا يُدركها “آبي أحمد” والإثيوبيون وكل مَن ينظر لخريطة الدولة الأفريقية للحظة واحدة: فإثيوبيا اليوم دولة حبيسة لا تمتلك أي سواحل بحرية كي يستغلها أو يدافع عنها سلاح البحرية المنتظر، على الإطلاق.

للوهلة الأولى، كان من الممكن النظر لتعهُّد رئيس الوزراء على أنه محاولة مبكرة لتوطيد سلطته من خلال دغدغة أحلام ومشاعر ناخبيه واستعادة ذكريات الماضي القريب حين كانت إثيوبيا تمتلك سواحل طويلة على البحر الأحمر قبل انفصال إريتريا عنها عام 1993، لكن أحداث الأشهر التالية لتعهُّده أثبتت أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، وأن نظام أديس أبابا شرع بالفعل في محاولة حثيثة لاستعادة الوصول للبحر، ولاستعادة أسطول الدولة البحري الذي تم حلّه رسميا عام 1996 بعد ثلاثة أعوام من الانفصال الإريتري.

لم تنتظر أديس أبابا طويلا بعد تعهُّدات “آبي”، وفي غضون أشهر قليلة شرعت في العمل بالفعل، وفي مارس/آذار من العام الماضي 2019 خلال زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأديس أبابا، وهي زيارة عُدَّت(2) أول زيارة لرئيس فرنسي لإثيوبيا منذ السبعينيات، وقَّع البلدان اتفاقية تعاون دفاعي تعهَّدت فيها باريس بتطوير سلاح البحرية الإثيوبي المُنتظَر وتدريب البحّارة الإثيوبيين في فرنسا، ولكن السؤال المحوري حول المكان الذي ستتمركز فيه القطع البحرية المنتظرة لدولة حبيسة بلا سواحل ظل بلا جواب حتى ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين أعلنت صحيفة “كابيتال” الإثيوبية منذ أقل من شهرين عن اتفاق مبدئي لإنشاء قاعدة بحرية إثيوبية في دولة جيبوتي المجاورة.

تم التوصُّل للاتفاق وفقا للصحيفة الإثيوبية خلال زيارة قام بها “آبي أحمد” لجيبوتي خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث التقى برئيس البلاد “إسماعيل عمر غيلة” وناقش معه التفاصيل المتعلِّقة بالقاعدة، لتُصبح إثيوبيا بذلك آخر الملتحقين بالبلد الصغير الأكثر ازدحاما بالقواعد العسكرية الأجنبية على وجه الأرض، في ظل امتلاك كلٍّ من فرنسا والولايات المتحدة والصين واليابان وإيطاليا لقواعد عسكرية قائمة بالفعل فيها، فضلا عن وجود خطط لتأسيس قاعدة سعودية أيضا بجانب الإثيوبية.

عيَّنت أديس أبابا العميد “كيندو جيزو” لقيادة عملية تأسيس القوات البحرية، على أن يتمركز مقر قيادة القوات في مدينة “بحر دار”، عاصمة إقليم “أمهرا” في الشمال الإثيوبي والمُطِلّة على بحيرة “تانا” أكبر المسطحات المائية الإثيوبية، وأُعلِن عن افتتاح البحرية الإثيوبية مكتبا مؤقتا مستقلا عن وزارة الدفاع في منشأة شركة المعادن والهندسة “ميتك” الواقعة في ميناء المكسيك في العاصمة أديس أبابا.

لكن الإعلان عن إنشاء قاعدة بحرية إثيوبية في جيبوتي من غير المُرجَّح أن يُنهي الجدل حول سر رغبة الدولة الحبيسة في امتلاك سلاح بحرية قوي، وإذا ما كانت القاعدة المُنتظَرة في جيبوتي ستكون كافية لتلبية طموحات البلاد البحرية، وكيف يمكن أن تؤثر تلك الطموحات على ديناميات القوى في المنطقة وعلاقات أديس أبابا مع القوى العالمية والإقليمية صاحبة المصالح في فضاء القرن الأفريقي، بدءا من الولايات المتحدة وفرنسا والصين، ومرورا بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وانتهاء بمصر التي تمتلك مخاوفها الخاصة تجاه التوسُّع البحري الإثيوبي في ظلِّ التنافس التاريخي بين البلدين الذي يشتد اليوم بفعل الصراع المحتدم حول مياه النيل.

البحرية الإثيوبية

على مدار الجزء الأكبر من تاريخها ظلَّت إثيوبيا دولة حبيسة بلا سواحل باستثناء فترات تاريخية محدودة عندما منحها البرتغاليون مطلع القرن السادس عشر السيطرة على ميناء “مصوع” الإريتري بهدف قطع التجارة القادمة لمصر من الهند، ولكن مع نهاية الحرب العالمية الأولى رأت بريطانيا أن من مصلحتها تقديم إثيوبيا كقوة نافذة على البحر، لذا حاولت عام 1935 إبان الحرب الإيطالية الحبشية الثانية عقد معاهدة مع إيطاليا الفاشية تُقِرُّ بموجبها لندن بسيطرة روما على معظم أراضي الحبشة -بخلاف الموقف الرسمي لعصبة الأمم آنذاك- وتمنحها طريقا للبحر الأحمر عبر ميناء “عصب” عُرف باسم “ممر الجمال”، مقابل دعم “موسوليني” لجهود بريطانيا وفرنسا في مواجهة نفوذ هتلر في أوروبا، لكن المعاهدة باءت بالفشل وسرعان ما سقطت رسميا بعد أن سُرِّبت تفاصيلها السرية للصحافة البريطانية.

بحلول عام 1950، وبعد فترة قصيرة من نهاية الحرب العالمية الثانية، استطاع البريطانيون أخيرا منح إثيوبيا اتصالا مباشرا بسواحل البحر الأحمر حين اعترفت الأمم المتحدة بسيطرة إثيوبيا على إريتريا، وفي عام 1955 أُسِّست البحرية الإمبراطورية الإثيوبية التي تمركزت في قاعدة “هيلا سيلاسي” البحرية في ميناء مصوع، وبحلول أوائل الستينيات كانت العديد من المصانع والورش ومراكز التدريب البحرية قد أُقيمت في “مصوع” مانحة إثيوبيا قدرات بحرية كاملة للمرة الأولى في تاريخها.

ومع قدوم عام 1958 جرى الاعتراف بسلاح البحرية كخدمة مستقلة داخل الجيش وكأحد الأفرع الثلاثة للقوات المسلحة الإثيوبية بجانب الجيش الإثيوبي (القوات البرية) والقوات الجوية، وجرى تصميم وبناء البحرية الإثيوبية كقوة ساحلية هدفها القيام بدوريات على البحر الأحمر، ولكن ضباط البحرية الإثيوبيين سرعان ما أثبتوا أنهم من بين الأكثر كفاءة وقُدرة على التنظيم في المنطقة بفضل التدريب الذي حصلوا عليه في قواعد البحرية الملكية البريطانية في إريتريا حتى قبل توحيدها مع إثيوبيا، وبفضل(3) خبراء البحرية البريطانية المتقاعدين الذين عملوا مشرفين ومدربين للبحّارة الإثيوبيين، وساعدوا في تأسيس أول كلية بحرية في البلاد في أسمرة عام 1956 مع برنامج دراسي يمتد لـ 52 شهرا، بخلاف مدرسة الضباط البحريين التي أُنشئت في مصوع عام 1958 ومدرسة تدريب الكوماندوز البحريين في المدينة نفسها التي دُشِّنت مطلع الستينيات، وغيرها من مراكز التدريب البحرية في عصب وأسمرة ومصوع.

لاحقا، قام الإمبراطور “هيلا سيلاسي” الأول بالاستعانة بضباط البحرية الملكية النرويجية للمساعدة في تنظيم البحرية الإثيوبية الجديدة وتولِّي مهام التدريب بجانب الضباط البريطانيين المتقاعدين، بالتوازي مع قيامه بإرسال بعض ضباط البحرية الإثيوبية لتلقّي التعليم البحري في الأكاديمية البحرية الإيطالية في “ليفورنو” والأكاديمية البحرية الأميركية في أنابوليس بولاية ميريلاند الأميركية، وتُشير التقديرات إلى أن قوام سلاح البحرية الإثيوبي بلغ في ذروته قرابة 11500 فرد، معظمهم من المجندين الذين كانوا يقضون عادة سبع سنوات من الخدمة كمتطوّعين.اعلان

بالتزامن مع ذلك بدأت البحرية الإثيوبية في رحلة لجمع القطع الحربية من رعاتها الغربيين، ونجحت خلال فترة قصيرة في جمع مزيج من زوارق الدورية وقوارب الطوربيدات والقوارب الغاطسة الصغيرة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبحلول عام 1963 نجحت البحرية الإثيوبية في ضمِّ أكبر وحداتها على الإطلاق وهي سفينة الخدمات الأميركية “يو إس إس أوركا” القادرة على حمل الطائرات البرمائية، والتي استخدمتها إثيوبيا كسفينة تدريب وظلَّت أكبر سفينة شغلتها البحرية الإثيوبية طوال 31 عاما من الخدمة.

في الوقت نفسه، شرع سلاح البحرية الإثيوبية في تأسيس قواعد عسكرية بلغ عددها أربع قواعد، وفي حين استضافت مصوع مقر سلاح البحرية ومنشآت التدريب الرئيسة، فإن مقرات المحطة الجوية لسلاح البحرية والأكاديمية البحرية استُضيفت في أسمرة، بينما حوى ميناء عصب محطة بحرية ورصيفا لإصلاح السفن وبعض منشآت التدريب، واستضافت جزر دهلك في البحر الأحمر مركز الاتصالات الرئيس إضافة إلى محطة بحرية.

غير أن هيكل البحرية الإثيوبية ونظام عملها وقوّتها شهد تغيّرات كبيرة في أعقاب قيام الجيش بالإطاحة بالإمبراطور “سيلاسي” في انقلاب عسكري عام 1974 وتنصيب حكومة الدرج العسكرية التي قادها الشيوعيون (1974-1977) ولاحقا خلال حكم “منغستو هايلي مريام” (1977-1991)، حيث شهدت هذه الفترة عملية إعادة توجيه كبرى للسياسة الإثيوبية ناحية الاتحاد السوفيتي ولم تكن البحرية بعيدة عن ذلك، حيث أُعيد توجيه مسارات تدريب الضباط من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا إلى الأكاديمية البحرية السوفيتية في لينينغراد والأكاديمية البحرية في باكو بأذربيجان، وفي مقابل ذلك دعم السوفييت أديس أبابا خلال حرب أوغادين في الصومال عام 1978، ما دفع الصوماليين لطرد السوفييت من قواعدهم في ميناء بربرة الصومالي، لتفتح أديس أبابا أبوابها على مصراعيها أمام موسكو التي أنشأت قواعد بحرية في عصب وجزر دهلك، وأقامت قاعدة جوية للطيران السوفيتي في مطار أسمرة، فضلا عن تولِّي أفراد البحرية السوفيتية معظم المناصب القيادية في الأكاديمية البحرية الإثيوبية وعملهم مستشارين لسلاح البحر الإثيوبي.

كان هذا التحوُّل يعني بالضرورة انتقال البحرية الإثيوبية لتُصبح قوة مُجهَّزة على النمط السوفيتي، ورغم أن أديس أبابا واصلت الاحتفاظ بالسفن الأميركية والغربية وعلى رأسها “يو إس إس أوركا”، فإن الولايات المتحدة توقّفت عن بيع الأسلحة إلى إثيوبيا رسميا عام 1977، لتبدأ قوارب الدوريات وقوارب الصواريخ السوفيتية في التسلُّل إلى الأسطول الإثيوبي، وبحلول عام 1991 كانت البحرية الإثيوبية تمتلك فرقاطتين وثمانية قوارب صواريخ وستة زوارق دورية وسفينتين برمائيتين وسفينتين للدعم معظمها من أصل سوفيتي.

ورغم ذلك فإن من الواضح أن قوة البحرية الإثيوبية انحسرت بشكل واضح إبان الحقبة الاشتراكية مقارنة بزمان الإمبراطورية، مع توجيه معظم موارد الجيش للقوات البرية والجوية خلال حرب أوغادين وتقليص عدد أفراد سلاح البحرية الذي استقرّ قوامه عند 3500 فرد فقط، وقد حدث ذلك بالتزامن مع اشتعال تمرُّد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ضد الحكم الشيوعي في أديس أبابا، ولمّا كانت علاقة إثيوبيا مع إريتريا تدور بشكل رئيس حول الوصول إلى البحر، هندس المتمرِّدون الإريتريون -الذين خاضوا حربا طويلة امتدت لثلاثة عقود لنيل الاستقلال- خطة فعّالة للغاية للحرب البحرية غير النظامية ضد البحرية الإثيوبية لقطع الوصول البحري لأديس أبابا، خطة وظَّف فيها المتمرِّدون الزوارق المدنية البدائية فائقة السرعة وزوّدوها بمدافع مضادة للطائرات استولوا عليها أثناء قتالهم ضد الجيش الإثيوبي واستخدموها لعملية الاعتراض ودعم الغارات المحدودة على الشاطئ.

بحلول فبراير/شباط 1990 كانت الجبهة الوطنية لتحرير إريتريا قد نجحت في السيطرة على ميناء مصوع، قبل أن تُسيطر في وقت لاحق على ميناء عصب، مما أدّى إلى عزل الجيش الإثيوبي وفرض استقلال إريتريا بحكم الواقع عام 1991، تاركا إثيوبيا مجددا بلا سواحل، ورغم ذلك جاهدت أديس أبابا للحفاظ على سلاح البحرية الخاص بها قيد العمل بعدما قامت بنقل معظم القطع إلى موانئ اليمن، لكن صنعاء طردت السفن الإثيوبية عام 1993، لتضطر أديس أبابا للتخلُّص من بعض سفنها ونقل بعضها الآخر لجيبوتي.

بذلت إثيوبيا حينها جهودا حثيثة للحفاظ على أسطولها والحصول على وجود بحري دائم في جيبوتي، أو حتى في عصب، حيث طلبت من إريتريا المستقلة استئجار رصيف في ميناء عصب لتشغيل السفن، أو إنشاء سلاح بحر مشترك بين البلدين وتقسيم إدارة السفن، لكن إريتريا رفضت الطلب وأعربت عن رغبتها في تأسيس سلاح بحر خاص بها، وبحلول عام 1996 كانت جيبوتي قد أُرهقت هي الأخرى من استضافة السفن الإثيوبية في موانئها خاصة بعد ما تخلَّفت أديس أبابا عن سداد مستحقات تلك الموانئ، ما دفع جيبوتي للاستيلاء على السفن الإثيوبية وطرحها للبيع في مزاد علني حيث بِيعَ بعضها لإريتريا بالفعل، لتجد أديس أبابا نفسها مضطرة أخيرا للإعلان عن حل سلاح قيادة البحرية الخاص بها ونقل قوارب الدورية المتبقية إلى بحيرة تانا، كاتبة بذلك شهادة وفاة سلاح البحر الإثيوبي بعد أربعة عقود فقط من تأسيسه.

إثيوبيا الحبيسة

مع حصول إريتريا على استقلالها رسميا عام 1992 وحلِّ الأسطول البحري الإثيوبي بعد ذلك بأربعة أعوام فقدت أديس أبابا وصولها للبحر بشكل نهائي، وازدادت الأمور سوءا مع نشوب الحرب الأهلية بين إثيوبيا وإريتريا عام 1998، لتُصبح موانئ عصب ومصوع مغلقة تماما أمام الشحن الإثيوبي، وهو ما جعل البلاد مضطرة للاعتماد بشكل كامل على جارتها الصغيرة جيبوتي من أجل التجارة، حيث تمر 95% من صادرات وواردات إثيوبيا عبر ميناء البلاد، وهو اعتماد جاء بثمن باهظ على ما يبدو، وقد أشارت مجلة إيكونوميست إلى أن تكلفة شحن حاوية واحدة من جيبوتي لأديس أبابا تُعادل تكلفة شحن الحاوية نفسها من الصين إلى جيبوتي.

أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحا وتأثيرا بفضل(5) النمو السكاني الكبير -يتجاوز عدد سكان إثيوبيا اليوم 105 مليون نسمة- والنمو السريع لاقتصادها، والحاجة المتنامية إلى طرق شحن مأمونة وغير مكلفة، ونتيجة لذلك حرصت أديس أبابا على الحفاظ على أسطول محدود من السفن التجارية يبلغ قوامه اليوم 11 سفينة تقوم برحلات دورية إلى شبه القارة الهندية والشرق الأوسط والبحر الأسود، ويُدار هذا الأسطول بواسطة شركة الملاحة الإثيوبية المملوكة للدولة (ESLSE)، ورغم أن هذا الأسطول يظلُّ محدودا مقارنة بأساطيل شركات الشحن الكبرى، فإن البلاد حافظت عليه لدواعي الفخر الوطني وكتذكير دائم بطموحها لاستعادة الوصول للبحر.

لكن تجليات طموحات إثيوبيا البحرية لم تقف عند حدود السفن التجارية، حيث أنشأت البلاد أوائل العقد الماضي مدرسة للبحّارة في مدينة بحر دار على بحيرة تانا حيث تقع منابع النيل الأزرق، ووضعت خططا طموحة لتدريب أكثر من 5000 من البحّارة ومهندسي السفن على مدار أكثر من عقد بهدف تشغيلهم بالأجر لصالح الأساطيل البحرية في سريلانكا والفلبين، وفي حين أن الحكومة اعتقدت أن بإمكان هؤلاء البحّارة إرسال قرابة 250 مليون دولار من العُملة الصعبة لبلادهم، فإن الخبرات التي كان باستطاعتهم تحصليها لا تُقدَّر بثمن بالنسبة لبلد غير ساحلي.

في الوقت نفسه ركّزت أديس أبابا جهودها على خطة أكثر واقعية اعتمدت على زيادة الربط مع ميناء جيبوتي الذي يُعَدُّ منفذها الرئيس للعالم من خلال خط سكة حديدي بتكلفة ثلاثة مليارات دولار بدأ إنشاؤه عام 2011 بتمويل صيني ويبلغ طوله 759 كيلومترا، جنبا إلى جنب مع إنشاء سلسلة من الموانئ الجافة داخل الأراضي الإثيوبية لتخفيض تكلفة التخزين والجمارك، لكن أديس أبابا لم تشعر(6) أبدا بالارتياح تجاه اعتمادها المطلق على جيبوتي خاصة مع سياسة الرئيس إسماعيل عمر غيلة المثيرة للجدل للاستفادة من موقع بلاده الإستراتيجي لتأجير القواعد العسكرية للدول الأجنبية، وهو ما تسبَّب في تنامي مخاوف النظام الإثيوبي من أن جيبوتي قد لا يكون لها رأي في تقرير مصيرها مستقبلا.

لذا سعى المسؤولون الإثيوبيون لسنوات طويلة لإيجاد منفذ آخر لممارسة الأعمال بخلاف جيبوتي، وقد وجدوا الفرصة سانحة بالتزامن مع موجة التدفُّق المُكثَّفة للقوى الشرق أوسطية بحثا عن النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، تدفُّق تعزَّز بشكل خاص منذ الحرب التي شنّتها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في اليمن منذ الربع الأول من عام 2015 والتي جاءت مصحوبة مع تنافس خليجي-تركي محموم على دمج القرن الأفريقي في نسيج الشرق الأوسط الجديد وإعادة ترسيم الجغرافية السياسية الإستراتيجية للمنطقة.

ورغم أن السياسية الخارجية لأديس أبابا تجاه العرب ظلَّت مُتحفِّظة(7) تاريخيا مخافة أن تُطوَّق البلاد من قِبل القوى العربية المنافسة وفي مقدمتها مصر، فإن الديناميات المتغيّرة التي خلقها التنافس المحموم بين دول الشرق الأوسط حول القرن الأفريقي منحت إثيوبيا فرصة لا تُقدَّر بثمن للمناورة، حيث سعت للاستفادة من انخراط مختلف دول الخليج العربي في المنطقة للالتفاف على عزلتها البحرية وتقليل اعتمادها على ميناء جيبوتي، وقد فعلت ذلك في المقام الأول من خلال محاولة إثارة اهتمام شركائها العرب المحتملين بتجديد وتطوير موانئ أخرى في المنطقة، مثل ميناء بورتسودان في السودان، وميناء مومباسا في كينيا.

لكن النجاح الأكبر(8) لأديس أبابا في هذا الصدد وقع في ميناء بربرة في أرض الصومال، وهي دولة مُستقلِّة عن الصومال بحكم الواقع منذ عام 1991 لكنها لا تحظى باعتراف دولي، حيث نجحت إثيوبيا في إثارة شهية الأمراء الأثرياء في دبي وأبوظبي للاستثمار في الميناء المُهمَّش الذي اكتسب أهمية إستراتيجية مفاجئة بالنسبة للإمارات، ليس فقط بسبب تداعيات حرب اليمن، ولكن أيضا بسبب ضمانات إثيوبيا بتوجيه جزء من تجارتها والمساهمة في التمويل لرفع مستوى الميناء.

في النهاية حصلت إثيوبيا على النتيجة التي تتوق إليها، ففي مايو/أيار 2016 وقَّعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية لتشغيل وتطوير ميناء بربرة لمدة 30 عاما، ولاحقا ضمنت إثيوبيا وجودها في الميناء من خلال صفقة خاصة مع موانئ دبي في مارس/آذار 2018 مُنِحَت بموجبها حصة بلغت 19% فيه، لتضع إثيوبيا بذلك اللبنة الأولى في طريقها الطويل لاستعادة الوصول للبحر، بخلاف تحقيق العديد من الأهداف الإستراتيجية الأخرى، وعلى رأسها ربط المنطقة الشرقية الصومالية عِرقيا في المقام الأول مع أديس أبابا عبر استثمار 80 مليون دولار في طريق بطول 500 ميل يربط بين الميناء وبين مدينة “توجوشال” الحدودية الإثيوبية، وتوفير منفذ إضافي للتجارة وتصدير المنتجات الزراعية وجذب المزيد من الاستثمارات الخليجية في هذه القطاعات.

بخلاف ذلك خدمت اتفاقية ميناء بربرة حزمة من الأهداف الإقليمية بعيدة المدى لأديس أبابا، وعلى رأسها الحفاظ على عُزلة إريتريا وإضعافها على المدى الطويل ربما بهدف ضمِّها مجددا في نهاية المطاف أو تحويلها إلى دولة تابعة على أقل تقدير، وتكريس الوضع الراهن للصومال المجزأ بعد الحرب الأهلية عبر كسر السقف الزجاجي للاعتراف الدولي بهذه الأقاليم من خلال دمجها في شراكات تجارية دولية، فضلا عن منح أديس أبابا ذريعة للتدخُّل في شؤون هذه الأقاليم باستخدام مزيج من الضغوط المالية والسياسية.

عقيدة “آبي أحمد”

في ظل هذه الأجواء الجيوسياسية المُتقلِّبة شهدت إثيوبيا انتقالا سياسيا مفاجئا في أبريل/نيسان 2018 إثر صعود رئيس الوزراء الشاب “آبي أحمد” المنتمي إلى قومية الأورومو حاملا أجندة سياسية طموحة يقع في القلب منها استعادة الوصول البحري لبلاده، لكن على النقيض من أسلافه رأى “آبي” أنه لن يكون بإمكان إثيوبيا تحقيق هذا الهدف طالما ظلَّت متورِّطة في صراعات سياسية وحدودية مع معظم جيرانها بما يشمل الصومال وإريتريا، فضلا عن الحرب الأهلية في جنوب السودان المجاور التي ألقت بظلالها الثقيلة على أديس أبابا في صورة جحافل ضخمة من المهاجرين.

من وجهة نظر(9) “آبي” فإن هذه الصراعات المُلتهِبة مع الجيران التهمت موارد البلاد المالية والعسكرية ومنعتها من القيام بدور قيادي في بيئتها الإقليمية، لذا سعت الحكومة الجديدة لاستعادة زمام المبادرة الإقليمية عبر إنهاء مشاكلها مع جيرانها وتصفية هذه الصراعات التاريخية، وكانت البداية في يونيو/حزيران 2018 حين أعلنت إثيوبيا أنها ستمتثل أخيرا لاتفاق الجزائر الموقَّع عام 2000 لإنهاء الحرب طويلة الأمد مع إريتريا دون أي شروط سابقة، وهو اتفاق امتنعت “أديس أبابا” على مدار قرابة عقدين عن تنفيذ مقرّراته بما في ذلك تسليم بلدة “بادمي” الحدودية لإريتريا، ومنذ ذلك الإعلان تبادل البلدان الزيارات الدبلوماسية، قبل أن يوقِّعا اتفاقا لإنهاء الحرب برعاية خليجية تم بموجبه تبادل السفراء لأول مرة منذ انفصال إريتريا في التسعينيات.

وعلى الجبهة الصومالية التي لا تقِل تعقيدا، بالنظر إلى اندلاع القتال بين البلدين خمس مرات على الأقل منذ أوائل القرن العشرين، انتهجت أديس أبابا سياسات أكثر ودية تجاه جارتها ترتكز على التكامل الاقتصادي وتعزيز التعاون الأمني، حيث عزَّزت القوات الإثيوبية حضورها في مهمات مكافحة الإرهاب في الصومال، وبالإضافة إلى ذلك أعلنت إثيوبيا في يونيو/حزيران للعام الماضي أنها ستبدأ أول اختباراتها لإنتاج النفط الخام في منطقة أوغادين على الحدود مع الصومال، مع خطط لبناء خط أنآبيب لتصدير الهيدروكربونات من المنطقة، وهو مشروع من شأنه أن يساعد في بناء الأمن على طول الحدود الإثيوبية الصومالية.

أما في جنوب السودان فقد لعبت أديس أبابا دورا حاسما في التوصُّل لاتفاق لوقف إطلاق النار في حرب أهلية بدأت منذ عام 2013 وأسهمت في تدفُّق اللاجئين والمصآبين عبر الحدود، قبل أن تتدخَّل إثيوبيا في العام الماضي 2019 لتسهيل التوسُّط لاتفاق سياسي لتقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين في السودان أعقاب الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل/نيسان من العام نفسه.

من وجهة نظر العديد من المراقبين كانت سياسات أديس أبابا التصالحية غير المسبوقة هي الطريق الجديد الذي اختارت البلاد السير فيه لتحقيق هدفها القديم المتمثِّل في تأكيد هيمنتها الإقليمية عبر استعادة الوصول للبحر، لذلك فإن جهود أديس أبابا السياسية جاءت مصحوبة دوما بمحاولات لاكتساب الوصول البحري لموانئ جيرانها، وبخلاف اتفاقية ميناء بربرة السابق الإشارة إليها، سعى “آبي أحمد” خلال الأسآبيع الأولى لتولّيه السلطة للحصول على وصول مُقنَّن إلى ميناء ديوراليه في جيبوتي بعدما دخل في مفاوضات مع الدولة المجاورة لتطوير الميناء وتشغيله بشكل مشترك، وشملت المفاوضات إمكانية حصول أديس أبابا على حصة في الميناء مقابل حصول جيبوتي على أسهم في الشركات الإثيوبية المملوكة للدولة ضمن خطة الخصخصة الجزئية لأديس أبابا.

وفي إطار سعيها الدؤوب والمُستَحدث لالتهام الموانئ ولت أديس أبابا وجهها شطر كينيا، وفي مايو/أيار 2018 توصَّل البلدان لاتفاق حصلت بموجبه إثيوبيا على حصة من الأراضي في جزيرة “لامو” كجزء من مشروع لامو بورت (ميناء لامو) جنوب السودان-إثيوبيا للنقل، المعروف اختصارا باسم “لابسيت”، وهو مشروع نقل وبنية تحتية بتكلفة 24 مليار دولار وُقِّعَ عليه عام 2012، ولكن أُجِّلَ بسبب تأخير التمويل ومشكلات الأمن في كلا البلدين، ولاحقا جاء اتفاق السلام مع إريتريا التي تتطلّع أديس أبابا بموجبه للحصول على موطئ قدم في موانئ عصب ومصوع، وأخيرا جاءت وساطة إثيوبيا النشطة في الملف السوداني التي لا يمكن فصلها عن طموحات البلاد في الحصول على حصة في موانئ البلاد، وعلى الأخص ميناء بورت سودان.

على السطح، كان من الممكن النظر لكل هذه التحرُّكات على أنها مدفوعة بالرغبة في تنمية الاقتصاد أكثر من طموحات الهيمنة الإقليمية لولا أنها جاءت متزامنة مع ذلك التعهُّد المثير للجدل لـ “آبي أحمد” لبناء سلاح بحرية جديد لبلاده، ورغم أن البحرية الإثيوبية المُنتظَرة يمكن أن تساعد في حماية السفن التجارية الإثيوبية في ظل بيئة بحرية مُتقلِّبة، فإن المخاوف الأمنية والإستراتيجية ودوافع الجغرافيا السياسية تظلُّ هي الحافز الأكبر وراء المشروع الطموح الذي دخل حيّز التنفيذ بالفعل مع القاعدة الإثيوبية التي اتُّفِقَ عليها مؤخرا مع جيبوتي، والمُرشَّح أن يتوسّع عبر إنشاء قواعد أخرى في الموانئ التي تسعى إثيوبيا لاختراقها في إريتريا وكينيا وأرض الصومال والسودان.

الصراع الكبير

هناك العديد من الضرورات الإستراتيجية التي تُفسِّر سعي أديس أبابا الحثيث لاستعادة وصولها البحري وامتلاك سلاح بحرية جديد. بداية تُدرك إثيوبيا أن جميع جيرانها في منطقة القرن الأفريقي يمتلكون سواحل كبيرة لكنهم يفتقرون للقدرة على استغلالها، في حين تفتقر أديس أبابا للسواحل لكنها تمتلك قدرات وموارد ليست متاحة لجيرانها، ويمنح هذا الوضع إثيوبيا العديد من المزايا(10)، فمع امتلاكها للموارد اللازمة لتخصيصها لبناء سلاح بحرية فإن بإمكانها أن تضمن لنفسها رأيا مهما على الطاولة في صياغة الأهداف البحرية الإقليمية، ومع لعب بحريتها المُنتظَرة دورا في حماية حركة الشحن للدول المجاورة فإن بإمكانها تأكيد سيطرتها الإقليمية وتقديم نفسها باعتبارها ضامنا للاستقرار بالنسبة لشركائها.

ومع وجود البحرية الإثيوبية في أكثر من دولة -كما هو مُخطَّط له- فسيكون بإمكانها توفير الغطاء العسكري لمشروعها الطموح للتكامل الإقليمي، فضلا عن تعزيز أوراق اعتمادها كونها شريكا رئيسا للولايات المتحدة في المنطقة، وشرطيا أميركيا محتملا فيها، وهو ما سيمنحها مساحة كبيرة لإبراز نفوذها ومحاصرة طموح القوى المُنافِسة لها مثل أوغندا وكينيا، علاوة على امتلاك قدرة على الحفاظ على أمنها القومي من خلال إسقاط قوّتها خارج حدودها، وتقديم نفسها طرفا في المعادلة الإقليمية الخاصة بالأمن البحري في القرن الأفريقي والشرق الأوسط عبر المشاركة بقوّاتها في تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

لكن الطموحات البحرية لإثيوبيا لا يمكن أن تُفصَل بحال عن الصراع الكبير التي تنخرط فيه البلاد مع مصر والسودان حول حصص مياه النيل، وهو صراع تكثَّف بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بسبب خطط لإثيوبيا لإنشاء سد “النهضة العظيم” كما يُسمى، وهو سد عملاق بتكلفة 6 مليارات دولار يهدف لتحويل إثيوبيا لمركز إقليمي للطاقة الكهربائية، ولكنه سيُؤثِّر بشكل ملحوظ على حصة مصر التاريخية في مياه النيل، ويبدو أن المشروع الإثيوبي قد دفع القاهرة هي الأخرى للإلقاء بثقلها في القرن الأفريقي سياسيا، وربما عسكريا، ففي أبريل/نيسان عام 2017 -قبل عام تقريبا من تولِّي “آبي أحمد” السلطة- زعمت تقارير صحفية صادرة عن جهات إريترية أن الحكومة المصرية دخلت في مفاوضات مع أسمرة لبناء قاعدة عسكرية مصرية في البلاد، فيما زعمت مصادر إثيوبية أن الحكومة الإريترية منحت مصر الضوء الأخضر لبناء القاعدة في مقاطعة نورا، ثاني أكبر جزر أرخبيل دهلك، على مساحة تُقدَّر بـ 105 كيلومتر مربع، على أن تستضيف القاعدة التي ستُصبح الأولى لمصر خارج حدودها بين 20 إلى 30 ألف جندي مصري من بينهم نحو 3000 من أفراد البحرية المصرية.

بالتزامن مع ذلك أشارت مصادر صحفية صومالية إلى دخول مصر في مفاوضات مع جمهوريتَيْ الصومال وجيبوتي لبناء قاعدة عسكرية مصرية، ورغم أن أيًّا من هذه الجهود المزعومة لم يُكتب لها النجاح خلال العامين الماضيين، فمن المُرجَّح أن أديس أبابا كانت -ولا تزال- تشعر بالقلق من أي نشاط عسكري لمصر في فنائها الخلفي، خاصة مع احتمالية أن تستخدم القاهرة أي وجود لها في القرن الأفريقي لحماية حقوقها المائية عبر استهداف سد النهضة.

كانت هذه المخاوف تجاه تحرُّكات مصر في القرن الأفريقي حاضرة دوما في أذهان المسؤولين الإثيوبيين، ومن المُرجَّح أنها كانت مُجسَّدة أيضا في تلويح “آبي أحمد” باستعداد بلاده لحشد ملايين الإثيوبيين لحماية سد النهضة على حدِّ وصفه، ومن ورائه تحرُّك أديس أبابا السريع لتأمين قاعدة على مدخل البحر الأحمر في جيبوتي، وهو تحرُّك أثار رد فعل فوريا من القاهرة لاحتوائه، ففي 4 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، وبعد يومين فقط من تداول أنباء القاعدة الإثيوبية، قام الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية عبد الفتاح السيسي بالاتصال هاتفيا بنظيره الجيبوتي إسماعيل عمر غيله من أجل ما سُمِّيَ رسميا بـ “مناقشة قضايا الأمن في أفريقيا”، قبل أن تقوم القاهرة بإيفاد طائرة نقل عسكرية مُحمَّلة بالمساعدات الإنسانية لجيبوتي خلال الأسبوع نفسه لمساعدة البلاد في مواجهة آثار الفيضانات التي شهدتها مؤخرا.

وعلى الرغم من عدم صدور أي بيان رسمي من الحكومة المصرية للتعقيب على تحرُّك إثيوبيا لإنشاء قاعدة عسكرية على مدخل البحر الأحمر، فمن المُرجَّح أن مصر تُراقب بقلق التحرُّكات الإثيوبية ليس فقط للدواعي المُتعلِّقة بملف سد النهضة ومياه النيل، ولكن أيضا لأن القاهرة لن تكون سعيدة بامتلاك قوة منافسة لها تاريخيا لقاعدة عسكرية تتحكّم في البوابة الجنوبية لقناة السويس، رغم أن القاهرة لا تزال ترى التحرُّك الإثيوبي على أنه مجرد مناورة سياسية من الجانب الإثيوبي هدفها إرسال رسالة لها حول مدى قدرة إثيوبيا على مواجهة العاصمة المصرية واستعدادها لها، لكن القاهرة لا ترى تلك الرسالة دليلا على رغبة فعلية في خوض مواجهة مباشرة قريبة ضدها.

تُدرِك مصر الحقائق التي تُدرِكها إثيوبيا على الأرجح، وعلى رأسها أن بناء قاعدة بحرية فعّالة هو أمر يحتاج إلى استثمارات كبرى ووقت طويل للقيام به، وأنه لن يحدث بين يوم وليلة، وإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق على جهود إنشاء قاعدة عسكرية واحدة، فإنها تنطبق أكثر على خطة أديس أبابا الطموحة لإنشاء سلاح بحرية كامل مع عدّة قواعد عسكرية خارج الحدود، ففي نهاية المطاف من المُرجَّح أن يكون المُضيّ قُدما في هذه الخطة عملية طويلة ومكلفة خاصة إذا كانت إثيوبيا جادة في بناء أسطول يتمتّع بقدرات بحرية متطورة وليس مجرد حشد حفنة من زوارق الدورية.

بعبارة أخرى، هناك الكثير من الصعوبات التي تنتظر جهود إثيوبيا لإعادة تأسيس قوّاتها البحرية، فرغم أنها كانت تُدير قوات بحرية متطورة نسبيا مطلع التسعينيات، ورغم امتلاكها لأعداد لا بأس بها من البحّارة المدربين العاملين في دول شرق آسيا، فمن المؤكد أنها ستحتاج إلى قضاء بعض الوقت لتدريب الضباط والفنيين وإنشاء الهياكل الإدارية والعسكرية وجلب الخبراء المستشارين وافتتاح مدارس وأكاديميات التدريب، فضلا عن الكمِّ الضخم من الأموال والترتيبات السياسية المطلوبة لشراء السفن والقوارب وصيانتها وحيازة الأسلحة المناسبة وبناء وتشغيل القواعد العسكرية والمنشآت.

بخلاف ذلك، من المُرجَّح أن التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا ستضع المزيد من القيود على خططها البحرية الجديدة، فمع تصاعد الاضطرابات داخل الأقاليم المختلفة ستجد أديس أبابا نفسها مضطرة لتوجيه المزيد من الموارد والقوى العاملة العسكرية لحفظ النظام الداخلي خاصة خلال الفترة السابقة للانتخابات المقرَّر إجراؤها في مايو/أيار المقبل والفترة التي تعقبها مباشرة، ومن المُتوقَّع أن تضغط هذه التطورات على مشروعات البلاد الأكثر طموحا مثل تطوير البحرية.

ويبقى السؤال الأكبر الذي سيتعيّن على إثيوبيا الجواب عنه هو الوصول لأفضل طريقة للتفاوض بشأن أحلامها البحرية مع جيرانها وعلى وجه الخصوص كلٌّ من جيبوتي والصومال وإريتريا، فرغم أن أديس أبابا توصّلت لاتفاق مبدئي لإنشاء قاعدة في جيبوتي بالفعل، فإن الدولة الصغيرة تستضيف بالفعل عددا كبيرا من القواعد العسكرية الأجنبية، وهي لا تُمانع في استضافة المزيد منها فيما يبدو، بما في ذلك احتمالية استضافة قاعدة مصرية إذا لزم الأمر، فضلا عن احتمالية خضوعها لضغوط من بعض القوى الكبرى لتحجيم نشاط إثيوبيا، ما قد يخلق معضلة إستراتيجية طويلة الأمد لأديس أبابا.

بالمثل، لا يبدو طريق إثيوبيا لفرض وجود عسكري في الصومال مفروشا بالورود، فرغم تحسُّن العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة فإن وجود إثيوبيا في بربرة دون إذن الحكومة المركزية في الصومال من المُرجَّح أن يعكس مسار هذا التحسُّن النسبي في العلاقات، وحتى لو أذنت الحكومة الصومالية لأديس أبابا بإقامة قاعدة عسكرية على أراضيها فستواجه هذه القاعدة صعوبات لوجستية كبيرة في ظلِّ قلّة طرق النقل المُعبَّدة في الصومال والخطر الذي تُمثِّله حركة الشباب الصومالية.

على الجبهة الإريترية لا يقِل الأمر تعقيدا بالنسبة للإثيوبيين، فبالرغم من اتفاق السلام الهش الذي توصَّل إليه البلدان مؤخرا فمن غير المُرجَّح أن تكون أسمرة راغبة في منح خصمها طويل الأمد وجودا عسكريا على أراضيها، ويمكن لأي ضغوط في هذا الاتجاه أن تُهدِّد اتفاق السلام الهش بين البلدين، ونتيجة لذلك ربما يكون مسار العمل المُرجَّح إثيوبيًّا هو متابعة المفاوضات على هذه الجبهات جميعا وتجنُّب وضع بيضها كله في سلة واحدة حتى تستطيع مباشرة خططها البحرية الطموحة حتى لو انهارت علاقاتها مع إحدى الدول المرشَّحة.

إذن من الواضح أن أديس أبابا تُدرك أن طموحاتها البحرية تتجاوز قدراتها اليوم كقوة إقليمية ناشئة تجد أن عليها أن تتحدّى عوائق الجغرافيا وتجارب التاريخ وتعقيدات الجيوسياسية، وأن الأمر قد يستغرق سنوات وربما عقودا لتحقيق هدف شديد الضخامة كإنشاء قوة بحرية كاملة، إن كان لهذا الهدف أن يتحقَّق بالأساس، لكنّ الإثيوبيين يدركون أن مجرد التلويح بذلك الأمر والسعي إليه هو أمر منسجم مع تطلُّعات البلاد لتأكيد سُلطتها الإقليمية في منطقة تُعاني من تزاحم في المنافسة وفراغ في القيادة، فراغ يبدو أن أديس أبابا و”آبي أحمد” يتطلّعان لملئه اليوم كما فعلت إثيوبيا سابقا قبل عقود، حتى ولو بالاكتفاء بالتخطيط بعيد المدى والتصريحات الدبلوماسية المثيرة، حتى حين.

المصدر: ميدان


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *