By / 10 مايو، 2021

د. محمد يسري إبراهيم يكتب: أمتنا تواجه استعماراً ضارب بأطنابه السياسية والعسكرية قبل الفكرية


مقال اعد بموقع الحقيقه بوست 

وحدة الأمة وخصائصها

المسلمون- بعربهم وعجمهم، وعلى اختلاف أعراقهم وألوانهم- أمة واحدة، قاعدتها الأخوة الإسلامية، ولها هوية تنبع من إيمانها وعقيدتها، وشخصية تتميز بحضارتها وثقافتها، والأمة المسلمة خير أمة أخرجت للناس، وهي الأمة الوسط، والمعصومة من الاجتماع على ضلالة، وهي الأمة المنصورة المرحومة، الشاهدة على الخلائق يوم القيامة، أمة السماحة والرحمة، والعفو والسعة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].

علاقة الأمة بغيرها من الأمم

الأمم غير المسلمة يجمعها اسم أمة الدعوة، وتشترك الأمة المسلمة وهي أمة الإجابة مع غيرها في مهمة عمارة الأرض وبناء الحضارة، وعليه فإن علاقتها بغيرها من الأمم تقوم على التعارف والمعروف، وتفهُّم التنوع والاختلاف، والتشاور والتعاون على إحقاق الحق، ونشر الخير والسِّلم، ونصر المظلوم، والتناهي عن الإثم والعدوان، وإقامة العدل والبر والإحسان.

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ﴾ [الحجرات: 13].

أمة الإجابة وأهل القبلة وأحكامهم

والمسلمون هم أمة الإجابة، وأهل القبلة: وهم كل من شهد لله تعالى بالتوحيد، وللنبي ﷺ بالرسالة، وصلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وإن عصى أو أخطأ أو ابتدع بدعًا لا تخرجه من الملة.

وفرق أهل القبلة تتفاوت قربًا وبعدًا من السنة؛ ولكلٍّ أحكام.

وأصحاب السبل المنحرفة عن جادة السنة قد يُسَمَّوْن بأهل البدع والأهواء؛ فيُدعون إلى الحق والمعروف، ويُنهون عن الباطل والمنكر بالحكمة والموعظة الحسنة أولًا، وقد يؤخذون بالتألف والمداراة، أو بالهجر والمجافاة؛ بناء على ما يُتوخى من تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.

فيوالون بحسب ما عندهم من إيمان وطاعة؛ فتعصم دماؤهم، وترعى حرماتهم، ويؤمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ إذ هم من أهل الإيمان في الدنيا، وإن كانوا من أهل الوعيد في الآخرة، وأمرهم فيها إلى الله تعالى.

ويستعان بهم في الدفع عن الإسلام وأهله وحال الجهاد حيث كانوا مأمونين ومؤتمنين، ولا يستعان بكافرٍ عليهم.

وحال السعة والاختيار تختلف عن حال الضيق والاضطرار.

وكل خير وفضل وجد في طوائف أهل القبلة فمثله وزيادة في أهل السنة.

قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

 

أفضل الأمة أهل السنة والجماعة

أفضل الأمة: أهل السنة والجماعة، وهم جمهور الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان في كل زمان ومكان، وهذا يشمل كل من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ملتزمًا بالإسلام جملة، ومحكِّمًا لشريعته استسلامًا وانقيادًا، وبرئ من كل مذهب بدعيٍّ، ومنهج غير مرضيٍّ.

أخلاق علمائهم وكبارهم ربانية، ومسالكهم وسطية، وتربيتهم إيمانية، ولا يخرجون في عقيدتهم عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ╚، وعامتهم تبع لعلمائهم.

قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

أحكام الولاء بين المسلمين

والمسلمون كما هم أمة واحدة تتكافأ دماؤهم، فهم يد على من عاداهم، يجمعهم ولاء واحد على التوحيد، وكل دعوة إلى عقد الولاء والبراء على غير الإسلام والسنة فهي دعوة خبيثة.

فلا ولاء على حزبيَّات جاهلية، ولا قوميات عنصرية، ولا تعصب لمصلحة طائفية!

ومن أمانة نصح الأمة السَّعْيُ في وحدتها، واجتماعِ كلمتها، وتحقيقِ أُلْفتها، والنهي عن فُرْقتها.

فالاجتماعُ على ما اتفق أهل السنة عليه، والتعاذر والتغافر فيما اختلفوا فيه؛ المسائل العقدية والفقهية في ذلك سواء.

والروابط النَّسَبية والإنسانية والوطنية والإقليمية مَرْعِيةٌ في حدودها التي لا تُحلّ حرامًا، ولا تُحرم حلالًا، ولا تتقدم على رابطة الأخوة الإسلامية!

قال الله تعالى: ﴿ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22].

أفضل الأمة أهل السنة والجماعة

وهذه الأمة الواحدة اليوم تواجهها أخطار وتحديات داخلية وخارجية تهدِّد وحدتها على حد سواء!

فمن تلك الداخلية:

خلاف وانقسام حول الهوية والمرجعية أدى إلى تنكيس أعلام الشريعة، وَتَفَتُّتٍ للقوة الإسلامية على خارطة الحدود السياسية.

وتسلُّط للفساد والتبعية، وانتشار للغلو وانحرافات بدعية، وتوجهات تغريبية، وإهدار لحقوق الإنسان وكرامته من أنظمة استبدادية، وحرب داخلية على الفكرة الإسلامية، وتمكين للمشروع الصفوي بعدد من الأقطار العربية.

 

ومن تلك الخارجية:

استعمار ضارب بأطنابه السياسية والعسكرية قبل الفكرية، وحضور للقوة الخشنة قبل القوة الناعمة في ربوع العالم العربي والإسلامي، وتبعية اقتصادية وارتهان للمؤسسات المالية الدولية، وانتقاص للأرض المباركة بفلسطين، وتدمير لسوريا، واستضعاف للأقليات المسلمة في الصين وبورما وكشمير، وغيرها كثير!

وقد مضت سنة الله تعالى بقتال الكافرين للمسلمين، وقتالهم لهم في كل حين، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217].

ثبات الأمة  في مواجهة التحديات وسبيل الخروج من الأزمات

برغم التحديات والأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية اليوم فإنها لا تتخلى عن واجباتها، ولا تتنصل من مسئولياتها تجاه البشرية بأسرها، فهي صاحبة الرسالة الخاتمة، وحاملة مشعل الهداية، وهي بانية الحضارة، تقدم للعالمين رسالة رب العالمين سالمةً من كل تحريف، خالصةً من كل تزييف!

تجعل من التوحيد رسالتها، ومن البلاغ وظيفتها، ومن الوحي ومقاصده قبلتها، ومن الولاء للمؤمنين لحمتها، ومن الرحمة والتسامح مع المخالفين طريقتها، ترعى التوازن بين الحقوق والواجبات، والغيبيات والماديات، والواقعية والمثالية، تحفظ خصائص الإنسان، وترعى متطلباته في كل زمان ومكان.

وسبيلها في الخروج من أزمتها وتحقيق ريادتها هو الالتزام بواجب العبودية اتباعًا، والقيام بواجب عمارة الأرض إبداعًا، دعوةً إلى التجديد والاجتهاد في الدين من أهله وفي محلِّه، واستمساكًا بالأصول والقواعد، والكليات والثوابت، وانتفاعًا بكل جديد مفيد، وجمعًا بين مصادر المعرفة الدينية والدنيوية، وتحصيلًا لصحة النقل وصراحة العقل، وتوافقًا بين الظاهر والباطن، ووعيًا بسنن الله في الخلق والكون، وثباتًا في الأهداف، وتنوعًا في الوسائل والأساليب؛ ليتحقق الكمال قوةً ووضوحًا في المضمون، وجمالًا وقبولًا في الطرح.

إنها رسالة ربانية، تعتز بتلك الهوية، دون انكفاء على الذات أو تقوقع، وتعتني بالانفتاح والتسامح دون تفريطٍ أو تميُّع.

ومن هنا يكون تفاعل الأمة حضاريًّا، وتأثيرها عالميًّا، ومنهجها مقنعًا، ومسلكها وسطًا، وشهادتها على الأمم عدلًا!

قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143].


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *