By / 9 أغسطس، 2019

ذكرى اندلاع ثورة البراق

بداية الحكاية :

أعلن المستوطنون اليهود في فلسطين أنّ لهم حق في الوصول إلى حائط البراق، وجلب الكراسي والستائر وأدوات الإنارة والعبادة لممارسة طقوسهم التلمودية عند الجدار، فقرر الفلسطينيون التصدي لهم، ووقع صدامٌ كبير لم تزُل آثاره حينها، بل بقيت القضية تتدحرج حتى ثورة البراق بعد ذلك بأربع سنوات.

كان ذلك في شهر أيلول/سبتمبر من عام 1925، عندما بدأ اليهود المهاجرون إلى فلسطين، برعاية بريطانية، بالإعلان صراحة عن أطماعهم في حائط البراق، زاعمين أن لهم حقًا فيه لأنه جزء من “هيكل سليمان” المزعوم.

وحائط البراق جزء من جدار المسجد الأقصى، وتقوم أمامه ساحة تتبع للأوقاف الإسلامية، وقد أُطلق عليه هذه الاسم لأنه الجدار الذي ربط به النبي محمد دابة البراق التي حملته من مكة إلى القدس، ومنها عرج إلى السماء.

الصدام الأول المذكور سابقًا، بين الفلسطينيين أصحاب الأرض، والمهاجرين اليهود للاستيطان في فلسطين، كاد يتطور إلى اقتتال دامٍ لولا تدخل حكومة الاحتلال البريطاني، التي رأت في الموقف الفلسطيني صلابة لا يمكن تركها تتصاعد، فقررت منع اليهود من جلب أي شيء إلى الأقصى، أو إحداث أي تغييرات على طبيعة المكان، وأكدت على إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه.

بعد ثلاث سنوات، وتحديدًا عند حلول الاحتفالات اليهودية بـ”عيد الغفران” الذي صادف شهر آب/أغسطس 1928، أحضر اليهود ستائرهم وأدواتهم الممنوعة ونصبوها عند الساحة الوقفية أمام الحائط. هذا التصرف قوبل بالرفض مرة أخرى، وأُرسلت مطالبات إلى حكومة الاحتلال البريطاني بمنع هذه التجاوزات، فجاء قرار حاكم مقاطعة القدس كيث روتش بإزالة التعديات بالقوة، استنادًا إلى الاعتراف البريطاني بملكية الحائط للمسلمين.

ردّ زعماء الحركة الصهيونية بالدعوة إلى فتح أبواب الهجرة لفلسطين، ومطالبة اليهود بالتحرك للسيطرة على حائط البراق. فكان الردّ الفلسطيني بعقد المؤتمر الإسلامي الكبير في مدينة القدس، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته، برئاسة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

استنكر المؤتمر أي عمل أو محاولات ترمي إلى إحداث تغيير يمنح اليهود حقًا في حائط البراق، وحذّر من التساهل أمام مطامع اليهود، وأنذر حكومة بريطانيا بصراحة أنها إذا توانت عن وقف تحدي اليهود، فسيتولون بأنفسهم وقفه مهما كلفهم الأمر.

 موقف المسلمين تجاه قضية حائط البراق وتمسكهم بحقهم نُخبًا وجماهير، دفع بوزير المستعمرات البريطاني لإرسال لجنة إلى مدينة القدس عُرفت بـ”لجنة البراق”، للنظر في الخلاف الذي يكاد ينفجر على الأرض، وبعد تحقيق استمر شهرًا كاملًا رفعت اللجنة تقريرها القائل بضرورة الاحتفاظ بالوضع الراهن كما هو.

ورغم التقرير، إلا أنّ الحكومة البريطانية ظلّت تعمل على تعزيز موقف اليهود عبر منحهم الامتيازات، والسماح لأعداد كبيرة بالهجرة إلى فلسطين، والتضييق على العرب، وتسهيل انتقال الأراضي الزراعية لليهود، الأمر الذي كان يُنذر بخطورة الوضع وقابلية البلاد كاملة للانفجار في وجه الاحتلال والحركة الصهيونية، بسبب كل هذه العنصرية والتحيز، لا بسبب البراق وحده.

ثم حين أتى يوم الأربعاء 14 آب/أغسطس من عام 1929، نظم اليهود مسيرة في حي “تل أبيب” الاستيطاني المقام على أراضي يافا، ومنحتهم سلطات الاحتلال البريطاني حراسة مشددة، فرفعوا أعلامهم موشحة بشرائط سوداء، وتعالت هتافاتهم “الحائط حائطنا”، وهتفوا ضد الحاكم البريطاني لمدينة القدس “عار على الحكومة .. عار على كيث روتش”.

وفي اليوم التالي، تجددت المسيرة لكن في القدس هذه المرة، وكانت بترتيب من حركة “بيتار” الصهيونية. فاحتشد اليهود من “تل أبيب” والقدس، وساروا معًا نحو حائط البراق، وسط تحريض من الخطباء للسيطرة على الحائط وانتزاعه من المسلمين.

تزامنت هذه المسيرة مع احتفال المسلمين بذكرى المولد النبوي الشريف، ولدى وصولها للحائط رفع المشاركون العلم الصهيوني وأنشدوا نشيد الهاتكفا (الأمل)، وهو النشيد الوطني للصهيونية، وعلت أصواتهم وهُم يَهتِفون “الحائِط لَنا”، ثم تركوا خلفهم ما يشير إلى أن المكان أصبح ذو طابع يهودي، حسب اعتقادهم، إضافة إلى قصاصات ورق في ثقوب الحائط.

وقبل أن يمر يوم واحد على المسيرة، رد الفلسطينيون بمظاهرات حاشدة تحركت من المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة باتجاه البراق، ووقف الشيخ حسين أبو السعود خطيبًا في الجموع، ودعاها للدفاع عن مقدساتها، فانتزع المتظاهرون كل التعديات، وأزالوا كل ما أضافه اليهود للمكان، وكسروا المنضدة، وأخرجوا قصاصات الورق من الحائط وأحرقوها.

بداية ثورة البراق 

وفي يوم السبت، 17 آب/أغسطس، وهو اليوم التالي لمظاهرة رد الاعتبار الفلسطينية، وقع شجار عنيف في القدس بين فلسطينيين ويهود، أسفرت عن جرح 11 يهوديًا و15 فلسطينيًا. ثم بعد ثلاثة أيام توفي أحد الجرحى اليهود متأثرًا بإصابته، فتحولت جنازلته إلى مظاهرة سياسية ضد العرب والإنجليز، فبادر الإنجليز إلى اعتقال عشرات الفلسطينيين، وقليلاً من اليهود، ما جعل التوتر سيد الموقف في القدس.

وبينما كانت الجموع تُصلي الجمعة في المسجد الأقصى يوم 23 آب/أغسطس، سرت إشاعات بأن اليهود قتلوا فلسطينيين؛ وأنهم يستعدون للتوجه للحائط للسيطرة عليه، فهاج المصلون في الأقصى وخرجوا يحملون العصي لمنع ذلك، وما لبث أن سرى هذا الهياج إلى القرى المجاورة، ثم توالت الأنباء عن حالات غضب شديد في المدن والأرياف، وقد تصدرت الأحداث مدن يافا وحيفا وصفد والخليل ونابلس وبيسان وبئر السبع.

 وخرجت الجماهير في مظاهرة حاشدة في مدينة نابلس، شاركت فيها قرى القضاء؛ وزحفت الجموع الثائرة نحو ثكنة البوليس للسيطرة عليها والاستيلاء على السلاح، فاندلعت مواجهات وجُرح عدد من المهاجمين واعتقل آخرون.

وتوالى تصاعد الأحداث في كل فلسطين، فاستدعت الحكومة على الفَور تَعزيزات عَسكرية بِريطانية من قاعدة سيناء في مصر لِقَمع الثَورة، ووزعت الطائرات البريطانية مَنشورات تتوعد بالقَصاص الصارم لكِل شَخص اشتركَ في “التَمرد”.

وكان لهجوم اليهود على سكنة أبو كبير وقتل إمام المسجد الشيخ عبد الغني أبو عون وستة من أفراد عائلته صدى واسع لدى الفلسطينيين، ما حرك دماءهم للثأر، ودخول معركة “كسر العظم” مع الحركة الصهيونية، خاصة أن اليهود قتلوا الشيخ وبقروا بطنه ومثلوا بجثته وجثث زوجته وأولاده وأولاد أخيه.

 الهجوم على المستعمرات الصهيونية :

وعلى إثر ذلك توالت الأحداث والاضطرابات خلال أيام 24-25-26 آب/أغسطس، فهاجمت الجموع الغاضبة المستعمرات الصهيونية، وتم تدمير ستة منها بشكل كامل، وذهبت مدينة الخليل في اشتباكاتها مع اليهود لخطوة كبيرة ردًا على مقتل العائلة الفلسطينية، فقتل في الاشتباكات 60 يهوديًا، وجرح نحو 50 آخرين.

في المقابل، هاجم اليهود “مقام النبي عكاشة” في القدس، فأحدثوا فيها خرابًا وتلفًا كبيرين، وأحرقوا كتبه النادرة، ودمروا فوانيسه ومصابيحه وأثاثه.

وفي يوم 29 أب/أغسطس بلغ الخبر إلى مدينة صفد بأن اليهود اعتدوا على المسجد الأقصى، فخرجت الجماهير غاضبة، ثم سرت إشاعة بأن القوات البريطانية اغتالت أحمد أبو طافش أحد زعماء المدينة. فتحركت الجموع نحو حارة اليهود، وبدأت بخلع أبوابها وحرقها، فرد اليهود بحرق محلات الفلسطينيين. وجرت مواجهات نقلت خلالها القوات البريطانية اليهود للسراي الحكومي، بهدف حمايتهم بعد أن أبلى العرب بلاءً حسنًا في صفد.

وقبل أن تغيب شمس شهر آب/أغسطس، أنهت القوات البريطانية الثورة مستخدمة القوة المفرطة تجاه الثائرين، وكانت نتيجة الأحداث مصرع 133 يهوديًا وجرح 339 آخرين، مقابل استشهاد 116 فلسطينيًا وجرح 232 آخرين.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *