By / 20 مايو، 2019

زوجة المعتقل 2 (زيارات السجون)

( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [التوبة: 120 – 121].

المنطقي والمعقول أن الإنسان يقبل أن يتحمل المشقة في مقابل مادي أو معنوي يكون له عوضًا عما يلاقيه من جراء تلك المشقة.

لكن من غير المعقول أن يُحمِّل الإنسان نفسه مشقة وأذى بدون مقابل.

هذا هو المعروف في ديننا باسم “في سبيل الله“.

أي أذى يتحمله المسلم لأجل انتمائه لهذا الدين، لا يأخذ عنه عوضًا، هو في سبيل الله.

ولأن الله هو الودود؛ فقد أشعر صاحب البلاء بمعرفته الكاملة ، واطلاعه الكامل  على ما يلاقيه فيه؛ لئلا يظن صاحب البلاء أنه وحده في هذا الطريق الموحش.

فأعلمه بقربه منه؛ حتى إنه ليعلم بما يشعر به من عطش (لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ)، ويعلم ما يشعر به تعب (وَلَا نَصَبٌ) ، ويعلم ما يشعر به من جوع (وَلَا مَخْمَصَةٌ)، وكان من الممكن أن تقول الآية: “ذلك بأنهم لا يصيبهم مشقة”، دون الدخول في تفاصيل الجوع والعطش والإرهاق، لكنه الود الذي يشعر صاحب البلاء بمعرفة جميع أحواله على التفصيل.

إن ما تلاقيه زوجة المعتقل من مشقة في طريق الزيارات، خاصة إن كان السجن في بلد أخرى يلزم لها السفر لمسافات وساعات طويلة، وخاصة إن كانت الزيارة في مواسم صيام، كأيام رمضان التي يكون فيها الناس في بيوتهم مرفهين، بينما هي في طريق طويل شديد الحرارة، لا يغيب عن الله ، ولا تغيب هي عن الله في طريقها لحظة بلحظة.

وإن ما تلاقيه من إهانات التفتيش على البوابات، من أناس هم إلى الحيوانات أقرب منهم للبشر، لا يغيب عن الله ، وإن ما تلاقيه من التعنت من القائمين على الزيارات في دخول احتياجات زوجها الأسير، وحرصها وإصرارها ومحاولاتها المستميتة لدخول تلك الاحتياجات لا يغيب عن الله  لحظة بلحظة.

لذلك كان إظهار الود في الجزاء (إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

(وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا)..

اتفقنا مسبقًا أن الهدف هو القضاء على هذا الدين وإبادة أهله..

وبالتالي فإن ثبات الزوجة إلى جانب زوجها في هذا الطريق مما يغيظ الكفار.. هذه حقيقة.

واتفقنا أن النيل من دين الزوج ومن معنوياته وجسده هو أيضًا هدف لهم، وبالتالي فإن دعم الزوجة لزوجها وتخفيفها عنه، حتى لتكون هي السبب الرئيسي في ثباته على دينه، مما يغيظ الكفار.. هذه حقيقة.

واتفقنا أن هدم البيت المسلم هو في ذاته هدف، وبالتالي فإن حرص الزوجة على استمرار هذا البيت، رغم المحنة العنيفة التي يمر بها هذا البيت، مما يغيظ الكفار.. هذه أيضًا حقيقة.

ومع ذلك فلا ننكر أن هناك منغصات تعرقل ذلك الترابط وذلك الصمود، ولعل أهمها الأعباء المادية الملقاة على عاتق المسكينة، والتي يتوجب عليها مصاريف الأولاد والبيت في غياب العائل، إلى جانب مصاريف الزيارات نفسها.

وهنا يعلمها الله أن الإنفاق في مثل هذه الأمور التي فُرضت عليها فرضًا، هي في ذاتها مضافة لعملها الصالح المكتوب لها.

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

لكن الدور الأكبر في أمر الإنفاق هو على المجتمع المسلم المحيط بالزوجة، والذي لا ينبغي أن يقف منها موقف المتفرج، بل إن واجب كفايتها هي وزوجها الأسير وأولادهما هو في الحقيقة دَين في رقبة كل مسلم، وليس فضلاً من أحد عليهم، فلم يتعرض هذا البيت بأطرافه الثلاثة لهذه المحنة، إلا لبقاء الإسلام وأهله، ويكون المتصدق في هذه الحالة شريكًا لهما في الأجر خلال تلك المحنة.

ولعل من هذه المنغصات أيضًا حال الزوج نفسه مع شدة المحنة وظروف الأسر، أو تغير الزوجة نفسها.

فقد تكثر شكوى الأسير عصبية زوجته، وجفائها بعد قرب، ونفورها بعد إقبال.

وتكثر شكوى الزوجة من عصبية الزوج، وكثرة اللوم في الزيارة لأتفه الأسباب، وعدم إحساسه وتقديره لما تمر به في بالخارج من ضغوط.

والحقيقة أن كلاًّ منهما بحاجة لمعالجة نفسية، وكلاًّ منهما بحاجة لأن ينظر لحال الآخر من بعيد؛ حتى يستوعب ما يمر به رفيقه وشريك محنته.

فالزوج..

رجل قُيدت حريته وحركته، مأمور بأن يذهب لزنزانة مظلمة، في وقت محدد من اليوم، يسمع بأذنه صوت أقفال الحديد التي تؤذن بانتهاء يومه؛ فيصاب بالإحباط.

مرغم أن يقضي بقية اليوم مع أناس في نفس الغرفة، نعم قد جمعتهم الأخوة في الدين، لكن الطباع مختلفة، والنشأة مختلفة، وأسلوب الحياة مختلف، لكنه مرغم.

قد يريد النوم في هدوء، لكن ضجيج الغرفة، نظرًا للعدد، يمنع راحته؛ فيصاب بحالة من الإحباط.

يشتاق لأهله، ويتمنى سماع صوت ابنته، أو أن تتاح له الفرصة لتوجيه ابنه، يقتله القلق، وتعتريه الغيرة على زوجته من ذئاب الدنيا خارج الأسوار، لكنه حتى لا يستطيع البوح بكل ذلك، فمن حوله مشغولون بهمومهم؛ فيصاب بالإحباط.

حالات من الإحباط المستمر، لابد أن تنتهي بالعصبية المفرطة.

والزوجة..

تعاني غياب الأمان عنها بغياب الرجل.

تتحمل الضغوط المادية، مسئوليات الأولاد من الألف للياء، مشاكل مع أهل الزوج، مشقة الزيارة، قذارة وقبح القائمين على التفتيش.

كل هذا وبداخلها حلم لا يفارقها، بأن ينتهى كل هذا الألم، لكن تراه لا يتحقق، فتصاب بالإحباط!

تخيل.. اثنان بهذه النفسية، وبكل هذه الضغوط، يجلسان أمام بعضهما، في زيارة لا تزيد عن ساعة أو تزيد قليلاً.

حتمًا يحصل الصدام.

قد لا يصل كلامي للزوج بحكم حاله كأسير.

لكن أرجو أن يصل كلامي ونصحي للزوجة.

يا زوجة المعتقل الغالية..

خففي عن نفسك وعنه قدر المستطاع.

ليس هناك من داعٍ لأن تحكي لزوجك وقت الزيارة ما تلقينه من متاعب السفر وإهانات التفتيش في الزيارات، لن يزيده ذلك إلا همًّا وألمـًا في سجنه، وهو أسير لا يملك لنفسه شيئًا، فضلاً عن أن يملك لك.

لو احتسبتِ ما تعانينه عند الله ، وقضيتِ وقت الزيارة في التخفيف عنه وشد أزره، يكتب الله  لك أجر الصبر على البلاء، مضافًا إليه أجر إدخال السرور على قلب مسلم.

أتفَهَّم ما تعانين، وأراكِ بطلة قد تحملتِ ما لا يطيقه أعتى الرجال.

لكن أهل المروءة من يزيد فضلهم عن المطلوب.إن عَذرتِه، ورفقتِ به، ووضعتِ نصب عينيكِ معاناته، فتحملت عصبيته ابتغاء مرضات الله ، فأرجو الله  أن يرفع قدرك، ويكافئك بما يرضيك في الدنيا، ويجمعك في الآخرة بخير من تحملت من نساء العالمين، أمنا خديجة رضي الله عنها وعنك وعن نساء المسلمين.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *