By / 20 أغسطس، 2019

زوجة المعتقل (4) – والمحصنات من النساء

والمحصنات من النساء 

إذا كان تفسير: “المحصنة” هو المتزوجة، فإن الرجل هو حصن المرأة 

وبغيابه غاب الحِصن، وسَهُل اختراق حرم الزوجية 

هذا واقع..

وجود الرجل في حياة امرأته حصن.. والدليل هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكُمْ فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا طَعِمْتُمْ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ حِينَ يَدْخُلُ بَيْتَهُ وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَى طَعَامِهِ يَقُولُ الشَّيْطَانُ لِأَصْحَابِهِ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ أَحَدُكُمْ وَلَمْ يُسَمِّ، يَقُولُ الشَّيْطَانُ لِأَصْحَابِهِ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ” [رواه الحاكم في المستدرك]. 

وغيابه اختراق للحصن..

لذا كان على صاحبتنا المجاهدة الصابرة زوجة المعتقل التزود بغيره من الحصون التي تحميها وتحمي بيتها من غوائل الشر، حتى يأذن الله بالفرج..

إن صاحبتنا تعيش بين أبناء مجتمع..

يُفترض في أبناء هذا المجتمع أنهم خلف لأخيهم الغائب وراء طيات السجون، خاصة أنه ما أُلقي خلف الأسوار إلا لأجل قضيتهم كما هي قضيته، ودينهم كما هو دينه.

كما يفترض أن أي مساندة لأسرة المعتقل من أبناء المجتمع إنما هو رد جميل وسداد دَين لهذا المعتقل في أعناق الجميع.

وذلك امتثالاً منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا” [متفق عليه].

لكن.. وحتى لا يكون الكلام أقرب للخيال منه إلى الواقع..

وحتى لا تنحصر حلول مشاكلنا في شعارات مثالية بعيدة عن الواقع..

وحتى لا نكون كالنعام يدفن رأسه في الرمال..

علينا مواجهة الواقع الحقيقي..

ليس كل أبناء هذا المجتمع يتحلى بالأخلاق، ومراعاة حقوق الأخ الغائب، وحرمة أهل بيته من بعده..

هناك من يتعدى حدود أخيه الغائب..

هناك من يحاول التجاوز..

هناك من يستغل حاجة تلك المسكينة لأغراض خبيثة في نفسه..

هناك صاحب نفس مريضة، يُشبع مرضه من حق أخيه المُقَيَّد خلف أسوار السجون..

مع طول مدة الحبس، وثقل زمن الغياب، تبدأ النفس في التململ وإظهار الحاجة، خاصة مع ضغوطٍ مادية واجتماعية ونفسية تحيط بالمسكينة..

لهذا وجب على صاحبتنا التحلي بالبصيرة تجاه تلك النماذج؛ لحماية نفسها وبيتها، وصون حق نفسها، وحق زوجها الغائب..

لكن للبصيرة أسباب علمنا الله اتخاذها؛ حتى يهبها لنا إذا أخذنا بتلك الأسباب..

وأول هذه الأسباب هو تقوى الله، والبعد عن كل ما يؤدي إلى فتنة أو تشتيت عقل أو خلل نفسي مؤذٍ..

قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)) [الأنفال: 29].

تجنب أي علاقة توصل إلى شرٍّ هو أقصر طريق للحفظ من عند الله..

وأخطر تلك العلاقات هي التي يلزم منها طول التواصل، والاطمئنان عن أحوال الأسرة، والقرب المتكرر، تلك التي تحدث مثلاً مع أخي الزوج أو أقاربه الذكور، والتي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا خاصًّا، فقال: “إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ”. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: “الْحَمْوُ الْمَوْتُ”.

والحمو أخو الزوج، ومعنى: “الحمو الموت”، أي الخوف منه أكثر من غيره، ووقوع الفتنة معه متوقع أكثر من غيره؛ لزيادة القرب والتواصل.

وكذلك كل علاقة تحمل معنى القرب، وزيادة الكلام والتواصل.

أيضًا من أخطر العلاقات الحالية في زمن المعتقلات والمِحَن هي العلاقة بين الزوجة والمحامي، التي تتطلب كثرة كلام وطول زمن تواصل، والتي يجد الشيطان فرصته من خلالها لإدخال حُجج ومبررات يسيل معها لعاب النفس ورغباتها..

يا زوجة المعتقل الكريمة..

ما ابتُلي زوجك هذا الابتلاء الشديد إلا لأجل دينه..

وما ابتُليتِ معه بالتبعة إلا لأجل دينك أيضًا..

ولولا صموده هو، وثباته ووقوفه لنصرة دينه، وتحمله هو أهوال التعذيب وقهره داخل سجنه، لضاعت حرمات، ولانتُهكت أعراض، ولصار شرف المسلمين في أيدي أعدائهم..

فليس من المنطقي تجاوزك أنت بالخارج مع رجال أغراب تحت أي مسمى وأي مبرر.. حتى ولو كان هذا الغريب (المحامي اللي ماسك القضية)!!

أثق في دينك وخلقك وعفتك، لكن لا أثق في شيطانه الذي قد يزين له احتياجك وضعفك البشري، خاصة مع طول المدة، ولا أثق في نفسه الأمارة بالسوء، التي تسول له غياب أخيه عن بيته، ولا أثق في أعداء متربصين يستغلون أخطاءنا للنيل منا وتشويه سمعة المسلمين..

استعيني بالله وحده، وضعي الحواجز ما استطعت أمام أي مُغْرض، وتذكري دائمًا قول الله تعالى: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)) [الطلاق: 2].

السبب الثاني من أسباب البصيرة هو لزوم الذكر..

ف النفس المضطربة بالمِحنة لن تطمئن إلا بالذكر..

والشيطان المتربص لن يدفعه إلا الذكر..

والذئب المتهجم على حرمة أخيه، الذي يود أن يسمع من لسانك ما يشبع مرضه، لن يحرسك منه إلا لسان ذاكر منشغل بأسماء الله وصفاته..

السبب الثالث من أسباب البصيرة هو شغل الفراغ..

العمل الدائم وشغل الوقت، وخاصة بالعلم الشرعي الذي يحفظ على المرأة عقلها، ويزيدها حكمة وفهمًا للواقع والمواقف..

السبب الرابع هو الاندماج وسط الصحبة الصالحة من الأخوات الفاضلات، التي تقيل عثرتها، وتكون لها سندًا في تلك المحنة..

ولعل المقصود بالنداء في هذه النقطة بالذات هم الأخوات المحيطات بزوجة المعتقل..

فالدعم النفسي لها هو مسئوليتهن، وليست مسئولية الرجال..

والسعي في كفايتها المادية؛ حتى لا تضطر للتعامل مع الأغراب هو مسئوليتهن..

وتوجيه النصح والستر على أحوالها، والأخذ بيدها حتى تصل لبر الأمان هو مسئوليتهن..

ويؤجرن بذلك أجر الرجال، وينطبق عليهن حينها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا” [متفق عليه].

وفي النهاية..

علينا أن ندرك أن هذا الرجل ما أُخرج من داره، وما ترك أهله إلا لله..

وأن الله لن يضيعه..

وإن حسن التوكل على الله والاستعانة به والدعاء بالحفظ في الأهل والولد هو أهم الأسباب..

يقيننا نحن المسلمين أن المعتقل وزوجه وأولادهما يعبدون ربًّا شكورًا، سيشكرهم على تلك التضحية في الدنيا بالحفظ التام، وفى الآخرة بمرافقة الشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *