By / 7 ديسمبر، 2021

شبكات الاحتجاج العابرة للحدود: نموذج الفاعلية الإسلامية الجماهيرية المُمَكَّنَة شبكيًّا في البيئة الدولية

تقترح الدراسة نموذجًا نظريًّا لفاعلية جماهيرية لمجتمعات مُسْلِمَة مُمَكَّنَة شبكيًّا، وتَتَبُّع مسارات هذا النوع من الفاعلية والقيود المفروضة عليه في البيئة الدولية. وتهدف الدراسة إلى التعامل مع احتجاجات الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا ذات الطابع الديني، ومساراتها المحتملة طويلة المدى في السياسة العالمية المعاصرة.

شهدت الاحتجاجات الاجتماعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي عبورًا متكررًا للحدود الدولية، سواء على مستوى القضايا محل الاحتجاج أو مستوى التنسيق بين الفاعلين ذوي الصلة، حتى أصبحت تتمتع بوجود مستمر ومستقر في البيئة الدولية يعكس بنيتها الرقمية العابرة للحدود؛ ما جعل هذا الشكل من الحراك غير قابل للتجاهل واقعيًّا ونظريًّا في البيئة الدولية الحديثة. ورغم أن المنطقة العربية حافلة بقضايا المطالبات الاجتماعية والسياسية، التي وجدت في التقنية الرقمية ملاذًا مناسبًا لتجاوز التضييق على طرحها في الشارع أو المجالات العامة الواقعية، إلا أنها لم تلق بعد الاهتمام الذي تستحقه بحثًا وتنظيرًا، خاصة تلك الاحتجاجات ذات الطابع الديني، والتي تواجه مضايقات أشد وصعوبات أكثر من غيرها في وقتنا الحالي بحجة الحدِّ من التطرف والإرهاب(1). سنتطرق لأسباب ذلك في هذه الدراسة، التي تأتي في سياق مشروع بحثي بدأ بدراسة حالة فعالية شبكية ذات طابع ديني، شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا باستخدام عُدَّة منهاجية تتضمن تحليل الشبكات الاجتماعية وتحليل المضمون؛ هدفت إلى معرفة أسباب قوة الحملة وتصدرها واستمراريتها، وتفحُّص مضامينها، والكشف عن معانيها، والسردية الكامنة فيها، وانتهت إلى رصد تشكُّل معان مشتركة بين المشاركين في حملة المقاطعة تعكس رغبة جماعية في القدرة على التأثير طويل المدى والعابر للحدود لتحقيق أهداف ومصالح إسلامية، كما رآها المشاركون، ومنها الدفاع عن العقيدة الإسلامية، واحترام الأديان في مواجهة الإساءات المتكررة للإسلام ورموزه، ومناصرة المسلمين في المجتمعات غير المسلمة، وغيرها من الدوافع الإسلامية(2). مثَّلت نتائج دراستنا السابقة منطلقًا لهذا البحث من حيث السعي إلى استكشاف إمكانية تطور فاعلية(3) إسلامية شعبية طويلة المدى وعابرة للحدود في ظل بيئة دولية تتسم بمستويات متزايدة من التعقيد والتقييد على العمل غير الدولتي.

تهدف هذه الدراسة إلى التعامل مع الحملات الرقمية الاحتجاجية العابرة للحدود كنوع من أنواع المسارات المُمكِّنة للعمل الجماعي الإسلامي طويل المدى في السياسة العالمية المعاصرة من خلال وضع (حالة) حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية في (النوع) المفاهيمي والنظري الذي تنتمي إليه مع الأخذ بالاعتبار، أولًا: أن النماذج السائدة في أدبيات العلاقات الدولية حول الفاعلية غير الدولتية تنطلق قيميًّا من مقاربات ليبرالية لا تُعبِّر بالضرورة عن منطلقات وأهداف الفاعلية الإسلامية. وثانيًا: الاعتراف بمستوى تعقيد البيئة الدولية، وأهمية عدم الركون إلى الاختزال والتبسيط المرتبط بكل محاولات “النمذجة”.

ولتحقيق هدفها في فهم وتفسير ظاهرة الاحتجاجات الرقمية ذات الطابع الديني، انتهج الباحثان عُدَّة مناهجية متعددة بدأت بدراسة وصفية معمقة لحالة “حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية على تويتر” باستخدام منهج تحليل الشبكات الاجتماعية وتحليل المضمون، تلاها في هذه الدراسة انتهاج التحليل النقدي واسع المدى (macro analysis) للبنى النظرية السائدة، والمراجعات العلمية للأدبيات المعتبرة في حقل العلاقات الدولية بشكل رئيسي كونه الحقل المسؤول عن المجال محل البحث، أي البيئة الدولية، والتي تعني هنا مجموع التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدول والفاعلين من غير الدول(4)، والمقارنات بين المفاهيم، والفاعلين، وآليات العمل الاحتجاجي التقليدية والحديثة، إلا أن طبيعة موضوع الدراسة العابرة للتخصصات تطلبت أيضًا التعامل مع عدد من الأدبيات الأخرى في حقل العلوم الاجتماعية. وقد قُسِّمَت الدراسة إلى سبعة محاور: يقدم المحور الأول تصورًا عن مكامن الفاعلية في البيئة الدولية بين الدولة الوطنية وشبكات المناصرة العابرة للحدود (Transnational Advocacy Networks -TAN) وصعوبة تطور فاعلية جماهيرية دينية احتجاجية في إطارها. ينتقل المحور الثاني لاستثمار مفهوم الفعل التواصلي (Connective Action) كما قدَّمه لانس بينيت (Lance Bennett) وألكسندرا سيجربيج (Alexandra Segerbeg)(5) لتحديد مساحة لفاعلية جماهيرية رقمية عابرة للحدود بجانب الفاعليات التقليدية في البيئة الدولية. بعد انتظام تحديد مكامن وإمكانات الفاعلية والتأثير في البيئة الدولية واقعيًّا، ينتقل البحث إلى مناقشة طبيعة البنية الدولية وتحولاتها، كونها محل التعبير عن الفاعلية الجماهيرية العابرة للحدود والقيود عليها، وذلك من خلال التركيز على توازن تعقيد البيئة الدولية وسعي الدول الدائم للتحكُّم في تفاعلاتها وأثر هذا التوازن المتغير على فرص فاعلية الاحتجاجات الرقمية الجماهيرية وتأثيرها، وما يتطلبه ذلك من تناول آليات التنظيم الشبكي وأوجه القوة الشبكية في البنية الدولية.

يضع المحور الرابع حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية في سياقات الشبكات الدولية العابرة للحدود وقنواتها الناقلة لموارد والمنتجات المادية وغير المادية، وإمكانيات العبور والتأثير في ظل القيود وشروطه، وطرح أشكال التفاعل المختلفة على ثلاثة مستويات: المعلومات، والتأطير والضغط(6). ينتقل ما تبقى من محاور الدراسة من منطق الاحتجاجات قصيرة المدى وتفاعلاتها إلى النظر في إمكانات تطور فاعلية إسلامية جماهيرية مُمَكَّنَة شبكيًّا طويلة المدى في ظل تطور أشكال حضور الإسلام على المستوى الإقليمي، ومدى ملاءمة الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير للعمل الإسلامي في ظل التحولات التي يمر بها والقيود المفروضة عليه. ومن ثم اقتراح نموذج نظري، عبر شكل تمثيلي، يعبِّر عن مساحات تكوُّن شبكات الفاعلية الجماهيرية ومسارات تفاعلاتها في البيئة الدولية كاستنتاج للنقاشات والاستكشافات في المحاور المذكورة.

1. الفاعلية في البيئة الدولية بين الدولة وشبكات المناصرة العابرة للحدود

يشهد واقع العمل الإسلامي الجماعي اليوم، خاصة في أبعاده السياسية -باعتباره مسارًا لحشد الموارد اللازمة للضغط الشعبي على الحكومات لتبني بعض المواقف- تحديات كبيرة؛ فالمساحة التي كانت تحتلها التنظيمات الإسلامية التقليدية كحركات اجتماعية وسياسية محلية وأحيانًا عابرة للحدود أضحت فراغًا تنظيميًّا، وربما هوياتيًّا. وبشكل أكثر تحديدًا؛ شهدت هذه الحركات، بل وأي عمل جماعي تحت رايتها، حالة من الأَمْنَنَة كما في غالبية دول الخليج، بل والعَسْكَرَة كما هي الحال في مصر، بينما تلك التي نجت، كحركة النهضة التونسية، جرى إدماجها بشكل يكاد يكون تامًّا فيما قد يُطلق عليه “ما بعد الإسلاموية”(7)، حتى إن تفاعلها مع الإساءة الفرنسية للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، على الأقل على لسان زعيمها راشد الغنوشي، كان الأكثر ليونة بالمقارنة مع النخب السياسية العلمانية في بعض الدول العربية.

لم يَطُلْ هذا الفراغُ العملَ الجماعي الإسلامي فحسب، بل كل عمل جماعي لا يتوافق مع سياسات الدولة ونخبتها الحاكمة، بما في ذلك التواصل المعلوماتي والتنسيقي مع شبكات المناصرة العابرة للحدود. كما أن هذه الشبكات الليبرالية لا تُظهِر كثيرًا من الحماسة عندما يتعلق الأمر بمبادرات وحملات ذات أهداف دينية؛ حيث يكون هناك غالبًا صعوبة في تأطير القضايا والاهتمامات الدينية بشكل يُحفِّز هذه الشبكات لاستخدام مواردها المعلوماتية والمادية للضغط في سبيل تحقيق تلك الأهداف. حتى في القضايا القابلة للتأطير المشترك كإطلاق سراح معتقلي الرأي المحتجزين في سجون بعض الأنظمة العربية، لا يبدو أن حملات إطلاق سراح المعتقلين الليبراليين والإسلاميين تقطع المسار نفسه؛ فالأولى حققت بعض النجاحات من خلال الإفراج عن معتقلين ليبراليين، بينما يبدو أن الثانية توقفت في مكان ما “عبر الحدود”.

في هذا السياق المقيَّد على المستوى التنظيمي والهوياتي، مثَّل الفضاء السيبراني ومواقع التواصل الاجتماعي واستخداماتها الاحتجاجية مساحة ملائمة للتعبير عن الاهتمامات والاحتجاجات ذات المنطلقات الإسلامية، خاصة تلك العابرة للحدود. في هذه المساحة تطور ما وصفه كل من بينيت وسيجربيج بالشبكات المُمَكِّنَة للجماهير (Crowd Enabled Networks-CEN) المعتمدة على منطق الفعل التواصلي. هذه الشبكات ليست كالحركات الاجتماعية التقليدية، أو حتى شبكات المناصرة العابرة للحدود، وبالطبع ليست كالدول. فلا شك أن الدولة تتمتع بسلطة سياسية تسمح لها بامتلاك والتحكُّم في وسائل الإنتاج بل ووسائل التدمير، ليس على المستوى المادي فقط بل على مستوى المعلومات والمعاني والرموز؛ فالدولة تستطيع أن تخلق أو تدعم سردية وتدمر أخرى، وتستطيع أن تنشر معلومات أو تمنع أخرى بشكل أكثر نجاحًا من غيرها. فالدولة بما تملكه من مستوى عال من التنظيم والمأسسة والهيمنة الهوياتية أكثر قدرة على توجيه العمل الجماعي نحو تحقيق أهدافها من أي كيان آخر.

هذا المستوى من الكفاءة الذي تتمتع به الدولة على مستوى التنظيم والإدماج الهوياتي يضمن لها القدرة على حشد الموارد المادية والمعلوماتية والرمزية لإعادة إنتاج نفسها وتوجيه إرادات أفرادها وأفعالهم نحو تحقيق مشاريعها وأهدافها. وتتعرض هذه القدرات لتحديات من قِبَل فاعلين غير دولتيين وإن كانوا لا يضاهون الدولة في أي عنصر من عناصر الفعل الجماعي، إلا أن تطور تقنيات التواصل الاجتماعي والمساحة التي قدمتها المنظومة الدولية الليبرالية لهؤلاء الفاعلين، سمحت للأفراد والجماعات والتنظيمات بتعزيز قدراتها التنسيقية والتنظيمية لحشد الموارد، خاصة الموارد المعلوماتية والرمزية بين الفعل الجماعي الدولتي والفعل الجماعي لشبكات المناصرة العابرة للحدود، بل وحتى الفعل التواصلي للجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا.

بالإضافة إلى الدولة الوطنية، تمثِّل شبكات المناصرة العابرة للحدود فاعلية يمكن للجماهير المُمَكّنَة شبكيًّا التفاعل معها، إلا أن هذا التفاعل يكون مشروطًا عادة بنوع القضايا التي تتبنَّاها الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا ومدى اقترابها من الأدبيات الليبرالية. فمنذ تسعينات القرن الماضي أصبحت هذه الشبكات، تتمتع بوجود “دائم” في البيئة الدولية يتعدى الحملات المتقطعة والنشاطية المؤقتة التي تهدف للاحتجاج على سلوك وسياسات الدول تجاه قضية ما. ولا تسعى هذه الشبكات إلى تغيير سياسات دول معينة فحسب، بل إلى تغيير طويل المدى يطول المبادئ والقيم المؤسِّسة للعلاقات الدولية وعلاقة الدولة-المجتمع. وتوضح كل من مارغريت كيك (Margaret Keck) وكاثرين سيكنك (Kathryn Sikkink) في كتابهما: “نشطاء عبر الحدود: شبكات المناصرة في السياسة الدولية”، الذي ما زال يمثِّل المرجع الأهم لفهم طبيعة ودور هذه الشبكات، أنها تشمل عددًا من الفاعلين الرئيسيين كالمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، والحركات الاجتماعية المحلية، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والاتحادات العمالية، والمفكرين، وأحيانًا عناصر من السلطات التنفيذية والتشريعية الحكومية. وليس بالضرورة حضور جميع هذه الكيانات، وتقوم في الغالب المنظمات غير الحكومية بالدور الأكبر فيها(8).

كان الوجود المستقر لشبكات المناصرة في البيئة الدولية ثمرة للعلاقات العابرة للحدود، والتي أضيفت للأرضية القيمية والقانونية الدولية تماشيًا مع الرؤى المؤسسة للمنظومة الليبرالية الدولية التي ازدهرت في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولفهم ذلك، من المهم الانتباه إلى البعد التكويني للعلاقة بين هذه الشبكات والمنظومة الليبرالية الدولية، فما يسمح لهذه الشبكات بالوجود والحركة والمساومة والتأثير هو حقيقة أنها ليبرالية؛ وبالتالي فهي قادرة على استخلاص مواردها، خاصة الرمزية والقيمية، من الأساس الفكري والقيمي للمنظومة نفسها، وهذا قد لا يتحقق لشبكات عابرة للحدود لمناصرة قضايا غير ليبرالية كاستقرار الأسرة، أو احترام الرموز الدينية. قد تتساوى الكيانات غير الدولتية العابرة للحدود في الاستفادة من المنظومة الليبرالية والعلاقات العابرة للحدود على المستوى التنظيمي والتنسيقي، إلا أنه على مستوى بناء هويات مشتركة حول قضايا معينة فإن المنظومة الليبرالية تقدِّم بيئة مناسبة لشبكات مناصرة الحقوق الليبرالية أكثر من غيرها من الحركات والشبكات ذات التوجهات غير الليبرالية.

طبقًا لنموذج بوميرانج (Boomerang)، كما في الشكل (1)، فإن التفاعل بين شبكات المناصرة العابرة للحدود وبين الحركات الاحتجاجية المحلية عادة ما يكون كالتالي: عدم قدرة الكيانات الحقوقية والحركات الاجتماعية في الدول المنتهِكة للحقوق على التأثير في الإطار المحلي بسبب انسداد قنوات التأثير السياسي، تقوم هذه الكيانات المحلية بنقل المعلومات حول الانتهاكات إلى المنظمات غير الحكومية في الدول الديمقراطية الليبرالية، وتقوم شبكات المناصرة العابرة للحدود بالدور الأساسي من خلال تأطير هذه المعلومات قيميًّا ومعنويًّا واستخدامها استراتيجيًّا عبر إطلاق حملات مناهضة لهذه الانتهاكات وإقناع حكوماتها والمنظمات الدولية الحكومية ذات العلاقة بالضغط على الدولة المنتهكة(9).

الشكل (1): نموذج بوميرانج للتفاعل بين الحركات الاحتجاجية المحلية وشبكات المناصرة العابرة للحدود

1

المصدر: نموذج بوميرانج الذي طوَّره كيك وسيكنك(10)، ترجمة الباحثين

إلا أن هذا المسار قد لا يكون متاحًا للحملات ذات المنطلقات الدينية أو الأهداف المحافظة لعدم تشاركها الهوية الليبرالية مع شبكات المناصرة العابرة للحدود. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعزيز قدرات الدولة الشبكية وبالتالي قدرتها على مراقبة ما يعبر الحدود والتحكُّم به، يضع عبئًا إضافيًّا على هذه الحملات؛ الأمر الذي يجعل الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير المعتمدة على الفعل التواصلي الاختيار الأفضل، إلا أن هذا المسار ليس بمعزل عن قيود الدولة الوطنية وتجاهل الشبكات الليبرالية كذلك، كما سيتضح خلال محاور الدراسة، والتي سيُقترح في نهايتها نموذج بديل للتأثير العابر للحدود المنبثق عن الجماهير المسلمة المُمَكَّنَة شبكيًّا يأخذ بالاعتبار السياقات الخاصة بالفاعلية الإسلامية الجماهيرية والقيود الدولية عليها.

2. الفعل التواصلي والشبكات المُمَكِّنَة للجماهير

يشير كل من باحثي الاتصالات والحركات الاجتماعية إلى أهمية مفهوم الفعل التواصلي في تقديم لغة مشتركة لدراسة أثر الاتصالات الرقمية على الأفعال الاحتجاجية (Contentious Action)(11). ويعرِّف بينيت وسيجربيج الفعل التواصلي بأنه “فعل يعتمد على الشبكات الرقمية، وتأطير مرن يسمح بشمول الرؤى والتوجهات الشخصية”(12). ويُقدِّم الباحثان الفعل التواصلي في مقابل الفعل الجماعي التقليدي (Collective Action) كمرشد لفهم بنية الحركات الاجتماعية ونشاطاتها الاحتجاجية. كما قدَّمه مانكور أولسون (Mancur Olson) من خلال مشكلة الركوب المجاني ودور الهيكل التنظيمي التراتبي للحركات الاجتماعية في دفع الأفراد لتحمل التكلفة والمخاطرة وتبني هويات مشتركة مرتبطة بالفعل الجماعي في سبيل أهداف الحركة(13). وبشكل أكثر تحديدًا، تقوم التراتبية التنظيمية في الحركات الاجتماعية التقليدية بتقديم محفزات “مختارة” للمشاركين في الحركة ونشاطاتها المختلفة. بالإضافة إلى البعد المادي، يسمح أيضًا الفعل الجماعي التنظيمي بتطوير إطار هوياتي مشترك لتعزيز مستوى انتماء الأعضاء والتضامن بينهم(14). في كل الأحوال تتطلب هذه الحلول مستوى عاليًا من القدرات الإدارية، والتوزيع، والمراقبة(15).

وينتج عن الفعل التواصلي، في المقابل، ما يُسمَّى بالشبكات المُمَكِّنَة للجماهير، والتي تتسم بمستوى عال من الكثافة والتشابك، وأكثر ما تظهر آلياتها التنظيمية عبر منصات الإعلام الرقمي(16). وتقع بين طرفي التنظيمات الهرمية التقليدية للحركات الاجتماعية وبين الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير أنواعٌ هجينةٌ للأفعال الاحتجاجية تُسمَّى “شبكات الفعل التواصلي المُمَكِّنَة تنظيميًّا”، وتتسم بحضور الحركات الاجتماعية المنظمة، ولكنها تفضِّل البقاء في الخلفية وعدم أخذ مبادرة القيادة، تاركة المساحة للأفراد للتعبير عن رؤاهم الشخصية حول القضية محل الاحتجاج من خلال منصات الإعلام الرقمي(17).

ويمكن تحديد الفروق بين أنواع الأفعال الاحتجاجية طبقًا لعدد من المعايير:

1. التنسيق التنظيمي للعمل: كلما انتقلنا من منطق الفعل الجماعي إلى الفعل التواصلي يقل مستوى التنسيق التنظيمي؛ فيكون مستوى التنسيق عاليًا في الشبكات التنظيمية، وأكثر مرونة في مستوى الشبكات المُمَكِّنَة تنظيميًّا، وفي الحد الأدنى أو منعدمًا تمامًا في الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير.

2. دور التكنولوجيا: تُستخدَم التكنولوجيا الاجتماعية في شبكات العمل الجماعي من قبل التنظيمات لإدارة المشاركة وتنسيق الأهداف، وتقوم التنظيمات في الشبكات المُمَكِّنَة تنظيميًّا بتوجيه المشاركين وضمان أعلى مستوى من النفاذ لمنصات الاحتجاج وربما تحمُّل بعض نفقات ذلك، بينما في شبكات تمكين الجماهير يكون هناك نطاق واسع لنفاذ الأفراد وتواصلهم.

3. المحتوى الرئيسي للتواصل بين المشاركين: يتمركز محتوى التواصل في إطار العمل الجماعي التقليدي حول تأطير الفعل الجماعي تبعًا لأهداف المنظمة، بينما يتسم محتوى التواصل في الفعل التواصلي والشبكات المُمَكِّنَة للجماهير بمستوى أعلى من الشخصانية والفردانية(18).

بالإضافة إلى هذه الفروق، من المهم الانتباه إلى “دورة حياة” (Life Cycle) أفعال وأنشطة كلٍّ من الحركات الاجتماعية المعتمدة على منطق الفعل الجماعي، وشبكات تمكين الجماهير الرقمية المعتمدة على منطق الفعل التواصلي. فالحملات الاحتجاجية للأولى تعبِّر عادة عن استجابة لقضايا مُلِحَّة في سياق أهداف طويلة المدى وبرامج للتغيير. بمعنى أن وجود الحركات الاجتماعية المنظمة يتجاوز الحملات التي تديرها، بينما تمثِّل الحملات لشبكات تمكين الجماهير دورة حياتها، والتي تنتهي في الغالب بانتهاء الحملة، بسبب غياب التنسيق التنظيمي وبناء الهويات التنظيمية في هذا النوع من الأفعال الاحتجاجية. ويمثِّل هذا الفرق أحد تحديات الأفعال الاحتجاجية المعتمدة على الفعل التواصلي واعتماده على منصات التواصل الاجتماعي للتنسيق والرؤى الشخصية الاحتجاجية، وبالتالي صعوبة حشد الموارد المعنوية والتنظيمية لتأثير طويل المدى يتجاوز الحملات قصيرة المدى.

واقعيًّا، يمكن القول: إن الحراكات الاجتماعية المحلية التنظيمية مثَّلت الشكل الاحتجاجي الأوضح خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، بينما هيمنت شبكات المناصرة العابرة للحدود، التي تكونت من مجاميع الحقوقيين والنشطاء والمنظمات غير الحكومية، على حملات الاحتجاج والتغيير في حقبة ما بعد الحرب الباردة حتى اليوم. وأخيرًا، اكتسبت حملات الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا زخمًا واضحًا منذ ثورات واحتجاجات العقد الأخير كالربيع العربي، واحتلال ميدان “التايمز سكوير” في نيويورك وغيرها. وقد يصح وصف الموجة الثانية بالأكثر نجاحًا بين موجات الفعل الاحتجاجي؛ فالأولى يصعب الحكم عليها لتنوعها ولتطاول الزمن عليها منذ هيمنة النظم النيوليبرالية والرأسمالية؛ ما جعل من تلك الحركات الاجتماعية ذات المنطلقات الاشتراكية في الغالب عرضة إما للإكراه أو الإدماج في البنية الدولية السياسية والاقتصادية، بينما وجدت الثانية مساحة تلقائية للتمدد عبر الحدود في منظومة دولية ليبرالية بجانب الدولة الوطنية في منظومة ما بعد الحرب الباردة. وقد يكون من المبكر الحكم على نجاحات احتجاجات الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا، رغم ملاحظة تنوعها أيديولوجيًّا، بين الليبرالي، واليساري، والشعبوي، والديني المحافظ، إلا أن تأطير الحملات وحشد الموارد الرمزية يمثِّل عبئًا أثقل على الحملات ذات المنطلقات الدينية المحافظة بسبب الأرضية الأيديولوجية للبيئة الدولية، والتي تشكِّلها موازنات مستمرة بين الوطنية والليبرالية.

3. البنية الدولية بين التنظيم الشبكي وسيطرة الدولة

يعتمد منطق وجود الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير وحركتها -كأية فعالية- على حشد الموارد وتوجيهها واستخدامها لتحقيق أهدافها. ولا يمكن فهم عمليات حشد الموارد واستخدامها لتحقيق الأهداف بمعزل عن البيئة التي تحدث فيها هذه العمليات، وما تُقدِّمه من مُمكِّنات وقيود عليها. لذلك، قبل النظر في تفاعلات الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير في البيئة الدولية من المهم النظر في البنية الدولية وأثرها على هذه التفاعلات.

 تنطلق الرؤى التقليدية للنظام الدولي وبنيته في أدبيات العلاقات الدولية من رؤى نيوتن للنظم الميكانيكية. ويمكن تتبُّع محاولات نمذجة البيئة الدولية بداية من رؤى توازن القوى الكلاسيكية، التي أخذت شكل القوانين الطبيعية أو الإلهية في التقاليد الأوروبية(19)، أي كقوانين تعمل دون تدخل وإدارة صنَّاع القرار، إلا أن تطورات الرؤى الوجودية العلمية وأثرها على ممارسة السياسة الدولية، خاصة بعد الحروب النابليونية في أوروبا، نتج عنه تحوُّل في التعامل مع توازن القوى ليس كآلية طبيعية بل كنتيجة لإدارة صنَّاع القرار(20). نتج عن هذا التوجه التنويري التركيز على الأفعال البشرية في مقابل ضياع النسق النظامي العام الذي يمكن من خلاله فهم التفاعلات الدولية، وإنزال درجة من الاستقرار عليها على مستوى الفكر والممارسة.

وعادت خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، رغبة دارسي العلاقات الدولية ومستهلكي معرفتها من صنَّاع القرار في استعادة القدرة على تنميط العلاقات الدولية ورؤيتها من خلال أنساق مستقرة، تساعد الباحثين في الفهم والتفسير والتوقع، وصنَّاع القرار في التنفيذ والتحكُّم. ويُعَد كينيث والتز (Kenneth Waltz) ومورتون كابلان (Morton Kaplan) أشهر من طوَّرا نماذج نظرية نظامية للبيئة الدولية تُعلِي من النموذج النيوتوني الميكانيكي وما يُقدِّمه من تبسيط واختزال للبيئة الدولية. القانون العام الذي يمكن استخلاصه من هذه التوجهات النظرية أن التبسيط أمر جيد للفهم والتفسير والإدارة والتحكُّم بينما التعقيد وغياب النسق أمر سيء.

ويوضح توماس أوتلي (Thomas Oatley) أنه عادة ما يجري الخلط بين النظم المعقدة (Complicated Systems)، ونظم التعقيد (Complex Systems)(21). فالنظم المعقدة قد تكون نظم ميكانيكية، كنظم طائرات إيرباص (A380) مثلًا، التي تتكوَّن من عدد كبير من الوحدات والتفاعلات متعددة بينها، لكنها تبقى ضمن نسق يمكن تتبعه وتوقعه، أي إن هذه النظم الميكانيكية المعقدة، في حالتها التشغيلية العادية، لا تُنتج “مفاجآت”(22). بينما تتميز نظم التعقيد بمساحة احتمالات كبيرة، تتغير مع الوقت، وغير ممكنة التوقع، ليس لمحدودية المعرفة الإنسانية، وإنما لسمة التعقيد المتأصلة في هذه الأنظمة(23). ويمكن تعريف نظم التعقيد بأنها “نظم تتكوَّن من شبكات كبيرة من العناصر دون تحكُّم مركزي وقواعد بسيطة للتشغيل والعمل، تُنتِج بدورها سلوكًا جماعيًّا يتسم بالتعقيد، وحالة مستمرة من معالجة المعلومات، والتكيُّف من خلال التعلُّم والتطور”(24). ويمثِّل النظام المالي العالمي، كما يقترح أوتلي، مثالًا جيدًا على هذا النوع من الأنظمة(25).

إذا انطلقنا من افتراض أن التحكُّم في البيئة المحيطة يمثِّل أحد أهم أبعاد حركة الدولة الحديثة منذ نشأتها، فإن التحكُّم في هذا النوع من الأنظمة التعقيدية يُعد التحدي الأكبر للدول اليوم. فالدول الحديثة، خاصة المتقدمة، تسعى للاقتراب من نظم التشغيل الآلي (Automated Systems) القابلة لمستوى عال من الميكنة والرقمنة في عمليات استخلاص الموارد وحشدها وتوجيهها لبناء القدرات واستخدامها كوسائل للتأثير.

ومن المفيد النظر هنا فيما يُسمَّى بمستويات التشغيل الآلي (Automation)، والتي يمكن تقسيمها إلى عشرة مستويات متصاعدة من حضور العامل البشري إلى غيابه لصالح النظم الآلية(26):

  1. يقوم العامل البشري بكل المهام دون مساعدة من النظام.
  2. يقدِّم النظام مجموعة كاملة من الاختيارات للعامل البشري.
  3. يقدِّم النظام مجموعة مختارة من الاختيارات للعامل البشري.
  4. يقدِّم النظام اختيارًا واحدًا فقط للعامل البشري.
  5. ضرورة اعتماد الفاعل البشري لتنفيذ اختيار النظام.
  6. يقدِّم النظام للفاعل البشري وقتًا محددًا لمنع التنفيذ التلقائي لاختيار النظام.
  7. إعلام العامل البشري بتنفيذ اختيار النظام بعد تنفيذه.
  8. يجري إعلام العامل البشري بتنفيذ الاختيار فقط في حالة طلبه لذلك من النظام.
  9. يجري إعلام العامل البشري بتنفيذ الاختيار فقط في حالة سمح النظام بذلك.
  10. يعمل النظام الآلي بشكل مستقل تمامًا متجاهلًا العامل البشري.

ويفترض أن تمثِّل المستويات الأعلى من تدخل النظام وانحسار الفاعلية البشرية أعلى مستويات الكفاءة وأعلى مستويات التحكُّم من قِبَل مشغِّل النظام. ففي النهاية هناك دائمًا ذلك الفاعل البشري المفوَّض للضغط على “زر” تشغيل النظام. وتعني الكفاءة هنا تقليل مساحة عدم اليقين، أو “المفاجآت” والأحداث غير المتوقعة المرتبطة عادة بالعامل البشري، ويعكس هذا المعنى للكفاءة مفهوم قوة التحكُّم (Control Power) الذي يعني السيطرة على البيئة المحيطة بما في ذلك أفعال الأفراد والكيانات، بهدف تقليل عدم اليقين في سياق ربط القدرات بتحقيق الأهداف(27).

قد لا تتسم النظم التكنولوجية والرقمية، أو على الأقل استخداماتها ومساحة الاحتمالات التي تفتحها، بمستوى من المسايرة يخدم حاجة الدول في السيطرة على محيطها وتقليل حالة عدم اليقين. ورغم تعزيزها لقدرات الدولة العسكرية والبوليسية والإعلامية، إلا إنها تُمثِّل، في الوقت ذاته، بنية تحتية لاستخدامات سياسية واجتماعية لخدمة الفعل الاحتجاجي ومقاومة السيطرة، وبالتالي تعزيز حالة عدم اليقين. وهكذا، يمكن فهم الحملات الاحتجاجية على مواقع التواصل الاجتماعي كفعل يهدف إلى استخلاص الموارد بأنواعها المختلفة وحشدها، بقصد “الإزعاج” أو التعطيل والتأثير على مستوى يقين الكيان المُستَهدَف بالسيطرة وتحقيقه لأهدافه. وبعكس ذلك، فإن الفعل التواصلي الاحتجاجي للحركات والتنظيميات الاجتماعية، لا يسعى لاستخلاص الموارد واستخدامها للمنافسة على السيطرة، بل لتعطيل هذه السيطرة.

ولا يمكن فهم التفاعلات المحيطة بمعاني القوة هذه إلا من خلال التخيُّل لبنية البيئة الدولية ومنظوماتها الشبكية. ويتطلب ذلك التعامل مع محتوى هذه البنية كمجموعة من الأحكام والموارد، كما يقترح أنتوني غيدنز (Anthony Giddens)؛ فبدلًا من كونها علاقات مستقرة من الحقائق الاجتماعية كما يقدِّمها إيميل دوركايم (Émile Durkheim)(28)، فإن التعامل مع بنية النظم الاجتماعية كمجموعة من الأحكام والموارد يسمح بفهم أوسع للتشكُّلات المختلفة التي قد يتخذها تنظيم الموارد والأحكام وتوزيعها في البيئة الدولية بما في ذلك التنظيم الشبكي. ويوضح غيدنز في إطار مناقشته للسيطرة أنها تعتمد على نوعين من الأحكام: تفويضية وتوزيعية، تسمح الأولى بالنفاذ إلى الموارد المنتجة وحشدها للسيطرة على الأشخاص كالمكانة والتراتبية، بينما تسمح الثانية بالنفاذ إلى الموارد المنتجة وحشدها للسيطرة على الأشياء. يخلق هذا التمايز في النفاذ مواقع وأدوارًا اجتماعية بنيوية تحدِّد بمستوى عالٍ فاعلية الأفراد/الكيانات التي تتمثلها طبقًا لموقعها من بعضها بعضًا. ويضيف منظِّرو البنائية الاجتماعية في العلاقات الدولية بُعدًا تكوينيًّا لأثر الأحكام التفويضية والتوزيعية، يتجاوز أثرها على تحديد سلوك الفاعلين ومصالحهم طبقًا لموقعهم من توزيع الموارد المعنوية والمادية، إلى تأسيس الفاعلية في المقام الأول. بمعنى أن هذه الأحكام تحدد: “من يكون فاعلًا ومن لا يكون”(29).

ويقدِّم التنظيم الشبكي إطارًا مناسبًا لفهم هذه البنية من خلال تعريف الشبكة كمجموعة من العلاقات التي تشكِّل بدورها بنى تقيِّد الفاعلين وتمكِّنهم(30). ويهتم التحليل الشبكي بالعلاقات التي تنشئها الروابط بين الفاعلين الذين يمثِّلون نقاط التقاء (nodes) في الشبكة سواء كانوا دولًا أو منظمات أو أفراد. ويمكن تلخيص مبادئ التحليل الشبكي في العلاقات الدولية كالتالي، أولًا: اعتماد سلوك الفاعلين على موقعهم في الشبكة كنقاط التقاء. ثانيًا: تمثِّل الروابط بين نقاط الالتقاء قنوات لانتقال موارد ومنتجات مادية (أسلحة، مال، أمراض،…إلخ)، وغير مادية (معلومات، معتقدات، قيم). ثالثًا: تنشئ الأنساق المستقرة لهذه الروابط بنى تحدد نقاط الالتقاء، وتمكِّنها، وتقيِّد سلوكها(31).

ورغم أهمية هذه المبادئ، من المهم أخذ نقطتين بالاعتبار، أولًا: أن التحليل الشبكي لا يُلغي سمات الفاعلين وخصائصهم ما قبل تكوُّن الشبكات، بل يتحدد موقعهم في الشبكات العالمية، جزئيًّا، مما يمتلكونه من قدرات مادية، وتنظيمية، وهوياتية. وبالتالي، فإن تحوُّل بعض نقاط الالتقاء في الشبكة إلى مراكز محورية (Hubs) ناتج عن خصائص الفاعلين وموقعهم في الشبكة. ثانيًا: أهمية التعامل بمرونة مع تكوُّن أنساق مستقرة، بشكل يسمح بتقدير مستوى التعقيد الذي يفترض أن يعبِّر عنه التنظيم الشبكي ومرونته ومساحة الاحتمالات الكبيرة التي يتميز بها.

ويحدد إميلي هافنر بورتن (Emilie Hafner-Burton)، ومايلز كاهلر (Miles Kahler)، وألكسندر مونتغمري (Alexander H. Montgomery) ثلاثة أوجه للقوة الشبكية في العلاقات الدولية: قوة النفاذ (Access Power)، وقوة التوسُّط (Brokerage Power)، وقوة التَّخارج (Exit Power)، والتي تنشأ بشكل حصري عن موقع الفاعل كنقطة التقاء في الشبكة(32). ورغم أهمية هذه الأوجه، خاصة قوة التوسط، إلا أنها تحتاج أيضًا التعامل معها بمرونة، تسمح بالأخذ بالاعتبار أن بعض أشكال قوة التوسط قد تكون أقرب لقوة التحكُّم، وذلك يقترح إمكانية اتخاذ التنظيم الشبكي عددًا من الأشكال المختلفة، ومنها شكل (المحور-المسارات) أو (Hub-Spoke) والتي تعكس سعي بعض المحاور الرئيسية في الشبكة للوصول إلى درجة التحكُّم، على الرغم من صعوبة ذلك في ظل درجة التعقيد التي تتمتع بها هذه الشبكات.

ويوضح كل من هنري فاريل (Henry Farrell) وأبراهام نيومان (Abraham Newman) في بحثهما: “الاعتماد المتبادل المسلح: كيف تشكِّل شبكات الاقتصاد العالمي القدرات الإكراهية للدولة”، نزعة نظم التعقيد نحو إنتاج بنى شبكية غير متماثلة، بحيث تشكِّل بعض نقاط الالتقاء مراكز محورية تتمتع بمستوى عال من الارتباطات. وتجعل هذه البنى الشبكية إمكانية عدم التماثل “سلاحًا” يمكِّن بعض الدول من التأثير على الآخرين(33)، أي إن الدول التي تملك سلطة سياسية على المراكز المحورية، التي يمر من خلالها المال والبضائع والمعلومات، تتخذ موضعًا مميزًا يسمح لها بفرض تكلفة على الفاعلين الآخرين. ومع وجود المؤسسات السياسية الملائمة، تستطيع هذه الدول “تسليح” هذه الشبكات للحصول على معلومات، أو “خنق” التدفقات الاقتصادية والمعلوماتية، واكتشاف واستغلال نقاط الضعف، وبالتالي فرض تغيير في سياسات الدول والكيانات الأخرى، وردع أي أعمال غير مرغوبة(34). وتسعى هذه الدول، عمومًا، لا للانتفاع من موقعها الشبكي في تعزيز قدراتها فحسب بل للسيطرة على الشبكة بما في ذلك أفعال الأفراد والكيانات، بهدف تقليل مساحة عدم اليقين أو “المفاجآت” والأحداث غير المتوقعة.

4. الفعل التواصلي وتفاعلاته الدولية

بالعودة إلى وصف حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية كحملة رقمية عابرة للحدود ذات منطلقات إسلامية، ووضعها في سياق الشبكات الدولية العابرة للحدود كروابط بين نقاط التقاء ومراكز محورية، تمر من خلالها موارد ومنتجات مادية (أسلحة، مال، أمراض…إلخ) وغير مادية (معلومات، معتقدات، قيم). ومع الأخذ بالاعتبار أن الفاعلين الذين يمتلكون سلطة سياسية على هذه المراكز المحورية يعملون على السيطرة على هذه الشبكات، يمكننا الآن النظر في تفاعل هذه الحملة التي تعبِّر عن فاعلية احتجاجية مُمَكَّنَة شبكيًّا في ظل القيود والفرص التي تسمح بها البيئة الدولية الشبكية.

1. التفاعل على المستوى المعلوماتي

تمثِّل المعلومات المورد الأهم للفعل التواصلي وما ينشأ عنه من الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا، ولبناء القدرات التنظيمية التنسيقية وقنوات التواصل الهوياتي والمشاعري بين الجماهير. في النموذج الوستفالي الكلاسيكي، فإن الجماهير لا تظهر في البيئة الدولية بل تُمثَّل من خلال دولها التي تقوم بتحديد الأهداف والمصالح، وتحشيد الموارد، وتنفيذ السياسات، واستقبال المعلومات ومعالجتها واستخدامها في إطار هذه المسؤوليات بالنيابة عن الجماهير وبمعزل عنها. وتفترض أدبيات تحليل السياسة الخارجية، التي يعطي بعضها دورًا للرأي العام في توجيه السياسة الخارجية، ضمنيًّا على الأقل، أن توازن المعلومات يصبُّ في صالح الدولة والنخبة الحاكمة. وفي هذا السياق، يقدِّم كل من ماتيو باوم (Mattew Baum) وبوتر فيليب (Potter Philip) إطارًا لفهم دور الجماهير في السياسة الخارجية من خلال ربط النخبة الحاكمة، والجماهير والإعلام في علاقة دينامية يحدد توزيع المعلومات النسبي بينها تأثير كل منها على توجيه الاستجابة للأحداث الدولية. ويقترح الباحثان أنه في المراحل الأولى في صنع السياسة أو الاستجابة لحدث دولي ما يكون للنخبة الحاكمة ميزة لا تتوافر للجماهير أو حتى للإعلام، الذي قد يتحالف مع النخبة في مرحلة ما بعدم تغطية الأحداث أو تقديمها بشكل يتماشى مع توجهات النخبة. لكن بمرور الوقت يتغير هذا التوازن قليلًا لصالح الرأي العام والجماهير التي تصبح أكثر قدرة على التأثير والاستجابة للأحداث الدولية(35). وبغضِّ النظر عن دقة هذا النموذج في توصيف توازن المعلومات إلا أنه يوضح أهمية المعلومات كأحد الموارد اللازمة للفاعلية، خاصة الجماهيرية، وإمكانات تأثيرها غير المباشر على البيئة الدولية.

ولا شك أن التكنولوجيا الحديثة وما أنتجته من وسائل للتواصل الرقمي المعلوماتي قد أحدثت تغيرًا كميًّا وكيفيًّا في هذا التوازن لصالح الجماهير ليس فقط في إطار استهلاك المعلومات بل إنتاجها واستخدامها استراتيجيًّا للتأثير المباشر عبر الحدود وبمعزل عن الدولة. هذا لا يعني أن الدول، خاصة ذات النظم الاستبدادية، لم تحاول منع هذا التغير، بل تعاملت مع ما يُسمَّى بالمنظومة المعلوماتية الدولية الليبرالية (Liberal International Information Order) كتهديد وجودي، ودعمت التعامل مع تدفق المعلومات من خلال المنظمات الدولية التقليدية كالاتحاد الدولي للاتصالات، إلا أن الولايات المتحدة والدول الليبرالية الأخرى أصرَّت على منظومة معلوماتية ليبرالية منفتحة يديرها فاعلون من غير الدول، كمنظمة الإنترنت لتوزيع الأسماء والأرقام (ICANN)؛ وهي منظمة غير ربحية تعمل في إطار قانون كاليفورنيا لتنظيم وإدارة نظام عناوين الإنترنت (Domain names)(36). وهذا يعكس سلطة الولايات المتحدة والغرب بشكل عام على الأحكام التفويضية والتوزيعية فيما يخص تدفق المعلومات عبر الشبكات العالمية. وقد تكيفت، مع الوقت، الدول ذات النظم الاستبدادية مع هذه المنظومة ووجَّهتها لمصالحها في كثير من الأحيان، فبالإضافة إلى المراقبة والمنع المباشرين، كما في الصين وإيران على سبيل المثال، استخدمت هذه الأنظمة عددًا من الاستراتيجيات للتعامل مع مستخدمي المعلومات من المعارضين السياسيين لمنعهم من التنسيق والحشد كخلق الخلافات، والإغراق  بالمعلومات(37)، بالإضافة إلى استهداف الدول الليبرالية نفسها من خلال محاولة التأثير على الانتخابات، وحملات التضليل الإعلامي؛ ما جعل هذه الدول تعيد النظر في المنظومة الليبرالية المفتوحة وحوكمتها غير الدولتية(38).

وفي خضم هذا النزاع حول المنظومة المعلوماتية الدولية تحاول الشعوب الإسلامية -أفرادًا أو تنظيمات- أن تجد لنفسها مساحة للتنسيق وبناء المواقف المشتركة. فخلال حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية مثَّلت المعلومات -ولا تزال- المادة الخام للتنسيق، وتحديد الأهداف، وتوضيح المواقف. بالإضافة إلى التدوينات على منصة تويتر، تَشَارَك الناشطون في الحملة روابطَ من مصادر مختلفة كالمدونات، والمنصات الإخبارية، وصفحات البيانات الاقتصادية، والمحاضرات المرئية من موقع يوتيوب، مثَّل محتواها موارد تنظيمية تنسيقية وهوياتية ومشاعرية كان لها أثر مهم في إطالة أمد الحملة.

وتمثِّل هذه المعلومات المتدفقة عبر شبكات رقمية جزءًا من شبكات دولية، تمر عبرها موارد ومنتجات مادية (أسلحة، مال، أمراض..) وغير مادية (معلومات، معتقدات، قيم..) كما سبق ذكره. ويعمل الفاعلون الذين يمتلكون سلطة سياسية أو تنظيمية على المراكز المحورية لهذه الشبكة على السيطرة على تدفقاتها. وبوجه ما، يمكن القول: إن الأعمال الاحتجاجية الشبكية ذات المنطلقات الدينية تمثِّل “مفاجأة” غير سارة في المنظومة المعلوماتية الدولية للأطراف جميعها، سواء للفاعلين الليبراليين من حكومات أو كيانات تنظيمية، خاصةً من يقطن منها “وادي السيليكون”، أحد أهم معاقل الليبرالية الأميركية، التي ترى نفسها حليفًا لشبكات المناصرة العابرة للحدود، واللذان يحتلان معًا أرضية معتبرة من المنظومة الليبرالية الدولية، ولا يملكان مستوى عاليًا من التعاطف مع المطالبات ذات المنشأ الديني، خاصة إذا كانت في مواجهة ما يرونه “حرية تعبير”.

وفي المقابل، يتطلب الفعل التواصلي الشبكي ذو المنطلقات الإسلامية عبور نقاط التقاء تحتلها الأنظمة السياسية المحلية التي عززت من قدراتها في مراقبة المعلومات ومنع تدفقها، بل واستخدامها استراتيجيًّا للتأثير سلبًا على قدرة هذا الفعل على التنسيق والتنظيم وحشد الموارد الهوياتية والمشاعرية. لذلك، يكون التحرك السريع لإقناع أكبر عدد ممكن من الأفراد بالمشاركة في الفعل التواصلي الاحتجاجي، وخلق تأثير إدماجي سريع، من خلال نشر المعلومات، خطوة أولى جوهرية لهذا النوع من الحملات. مع الوقت، تصبح هذه المعلومات عرضة للمنع والمراقبة والحملات المعلوماتية المضادة، وعرضة كذلك للتأويل والتأطير وخلق تحيزات مضادة، وهذا ينقلنا للحديث عن التفاعل التأطيري للفعل التواصلي الإسلامي في إطار الشبكات الدولية.

2. التفاعل على المستوى التأطيري

يُعنى هذا التفاعل بالتنافس حول استخدام سياق خطابي مناسب لقضية الاحتجاج بهدف شَرْعَنَتِها؛ مما يسهِّل عملية حشد المشاركين المحتملين، وتحفيز أولئك المحايدين، وتحييد الخصوم(39). وهكذا، فإن التأطير معنيٌّ بإنتاج المعنى لممارسة ما، أو إدراج هذه الممارسة في إطار معنى مشترك مقبول كما يعكسه الخطاب الحقوقي أو السياسي بحسب الممارسة المستهدفة. وفي التفاعل التأطيري، لا يُقاس نجاح الحملات الاحتجاجية بالأثر قصير المدى على سياسات الكيانات فحسب، بل في تغيير خطاب غير مرغوب، أو الحفاظ على آخر مرغوب، أو إعادة إنتاج خطاب مرغوب آخر، ما يسهِّل، نسبيًّا، التعامل مع النوع نفسه من الممارسات في جولات أفعال احتجاجية جماهيرية مستقبلية، وهكذا يكون جوهر التنافس هنا حول إنتاج المعنى لا تغيير السياسات فقط.

عادة يوصف الفعل التواصلي ومنصاته الاجتماعية بفقر نسبي في بناء الهويات المشتركة، مقابل فاعليته في التنظيم التنسيقي بين المشاركين، وعادة ما تُقْرَن -على مستوى بناء الهويات المشتركة- قوة إنتاج المعنى وإدماج الأفراد بالتنظيمات والحركات الاجتماعية التقليدية، بل وحتى الدول صاحبة القدرة الأعلى في هذا المجال، ويمثِّل الفعل التواصلي الحلقة الأضعف في هذه المقارنة، خاصة عندما يكون ذا منطلقات دينية ما يجعل البحث عن سياق خطابي مناسب لتأطير أهدافه في البيئة الدولية أمرًا ليس بالسهل. فبالإضافة إلى النفاذ المشروط للمعلومات الذي يحدث تحت أعين النخب الوطنية وهيمنة التأويل والتأطير الليبرالي على المعلومات، يمثِّل الإيقاع السريع والسطحي لنقل المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر، تحديًا لمعالجة القضايا في مستوى من العمق يسمح بدوره بالإدماج في رؤية وهوية مشتركة.

مع ذلك، من المهم وضع حالة حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية في إطار يسمح بالتعامل مع خصوصيتها قبل التعامل مع تفاعلاتها التأطيرية، فطبيعة الإساءة وردود الفعل المختلفة عليها سهَّلت عملية التأطير القيمي والفكري انطلاقًا من هوية مشتركة موجودة ومتجذرة بالفعل. بمعنى أن الحملة كعمل تواصلي لم تعانِ من بناء إطار مشترك لحشد الرافضين للإساءة، فكل المسلمين رافضون للإساءة، بل تمثَّل التحدي في حشد هذه الهوية الجامعة والروابط العقدية والمشاعرية التي حفزتها هذه الإساءات، في بناء هوية فرعية وهي “المشاركون في المقاطعة دفاعًا عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم”.

وهذا التحدي بدوره تطلَّب تفاعلًا تأطيريًّا في ثلاثة اتجاهات جرى رصدها بشكل أساسي خلال تحليل المضمون الذي قام به الباحثان خلال الدراسة السابقة:

– أولًا: نحو الشعوب المسلمة، وهنا لم يبذل الناشطون في الحملة الكثير من العمل التأطيري كون القضية محل اتفاق بين المسلمين. مع ذلك، كان واضحًا استدعاء المشاركين في الحملة لأطر هوياتية مشتركة، واستدعاء سياقات تضع الإساءة للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في إطار جماعاتي تاريخي تفاعلي بين المسلمين و”أعداء الإسلام”، خاصة في الدول الغربية. في المقابل، كان هناك خطاب تأطيري مقابل لا ينازع رفض الإساءة، ولكن يضع الدعوة إلى المقاطعة في خطاب المصالح والمفاسد، وبالتالي الحملة الداعية إلى المقاطعة كممارسة “متهورة” أو ضارة بمصالح المسلمين.

– ثانيًا: تأطير مواقف حكومات الدول العربية والإسلامية في إطار “التخاذل” والفشل في اتخاذ مواقف حازمة نحو هذه الإساءات، يقابله تأطير مدعوم حكوميًّا، يضع الحملة والدعوة إلى المقاطعة في سياق “محاربة التطرف” ونشر التسامح. هذا التأطير عادة يكون في سياق “أَمْنَنَة” أي ممارسات جماعية دينية خارج سيطرة الدولة، من خلال تصنيفها كامتداد لعمل التنظيمات الإسلامية التقليدية التي تواجه تحديات لا تستهدف فاعليتها فقط بل بقاءها أيضًا.

– ثالثًا: تأطير يستهدف الجمهور الدولي من منظمات غير حكومية ومجتمع مدني عالمي، ويضع الإساءة في سياق الإسلاموفوبيا واستهداف المسلمين بخطاب الكراهية، وآخر أكثر صدامية يستهدف الحكومة الفرنسية وغيرها من الحكومات بالتعبير عن العزم في الاستمرار في الحملة الحالية للمقاطعة، والقدرة والرغبة كذلك في تنظيم حملات جديدة لمواجهة أي إساءات مستقبلية(40).

يمثِّل التفاعل على مستوى إنتاج وإعادة إنتاج المعاني وتأطير الممارسات تحديًا مهمًّا للمراكز المحورية، التي تسعى للسيطرة الكاملة على الشبكة وتحويلها لآليات “التشغيل الآلي” دون مفاجآت أو تعطيل، والتي في الحقيقة لا يمكن تجنبها طالما كان العنصر البشري جزءًا من هذه الشبكة. فإنتاج المعنى، والتفاوض حوله يمثِّل الخاصية الجوهرية للفاعلية الإنسانية في مقابل إدماج هذه الفاعلية في المعاني المهيمنة وأحكام التفويض والتوزيع التي تؤسس للتشغيل الآلي للشبكات الدولية وتلقائية عبور الموارد المادية وغير المادية خلالها، بما يتماشى مع أهداف المراكز المحورية في الشبكة.

ما يستهدفه التفاعل التأطيري للحملات الاحتجاجية بما فيها حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية للرد على الإساءة للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، هو مستوى اليقين في التحكُّم في الشبكات، وأن عمل هذه الشبكات سيكون دائمًا مشروطًا بوعي إنساني قادر على مقاومته. وفي سياق التفاعل التأطيري فقد نجحت حملة المقاطعة على عدة مستويات؛ أولًا: مقاومة تأطير الإساءة للمعتقدات الإسلامية كنوع من أنواع حرية التعبير، أو على الأقل مقاومة انتشار هذا التأطير بين المسلمين. ثانيًا: وضع عبء أخلاقي على حكومات الدول العربية والإسلامية والإفلات من تأطيرات الأَمْنَنَة إلى حدٍّ كبير، من خلال تجنب التأطير الحزبي والتنظيمي للحملة، الذي يسهِّل تأطيرها كتهديد أمني من قبل السلطات. ثالثًا: تأطير الحملة في سياق فاعلية إسلامية جماهيرية تسعى لوجود طويل المدى كتعبير وإشارة للعزم على مواجهة الإساءات المستقبلية للمسلمين وعقيدتهم.

3. التفاعل على مستوى الضغط

تسعى الأنشطة الاحتجاجية عادة إلى خلق تأثير ملموس في تغيير سياسات الطرف المُستَهدَف بهذه الأنشطة. وتمتلك شبكات المناصرة العابرة للحدود مسارًا غير مباشر للتأثير من خلال إقناع الحكومات الغربية المؤيدة لقضاياها بالضغط على الدول المنتهكة للحقوق، من خلال منع بعض المنافع المستخلصة من علاقة هذه الدول بالحكومات الغربية. بينما، عادة ما يصحب الاحتجاجات التي تأخذ شكل الفعل التواصلي والشبكات المُمَكِّنَة للجماهير فعاليات ذات وجود مادي يتعدى الوجود الرقمي كتنظيم المظاهرات والوقفات الاحتجاجية. هذه الاختيارات لا تبدو متاحة كجزء من حملة التعبير عن الاحتجاج نحو الرسومات المسيئة للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم. وظهر، منذ البداية، اتفاق تلقائي حول المقاطعة الشعبية للمنتجات الفرنسية باعتبارها الوسيلة الأنسب للرد على هذه الرسومات، وموقف السلطات الفرنسية، منها على الرغم من بعض الدعاوى المضادة لاستخدامها، كما أُشير إليه أعلاه.

بالعودة إلى أدبيات المقاطعات الاقتصادية، التي جرى التعامل معها في الدراسة الأولى من هذا المشروع البحثي، أُشير إلى أن مقاطعة المنتجات الاستهلاكية تتمايز فيما بينها طبقًا لأهدافها والتي قد تكون أداتية أو تعبيرية؛ تستهدف الأولى تحقيق أهداف عملية والثانية مجرد محاولة للتنفيس عن الغضب والإحباط المرتبط بالاستياء من سلوك الكيان المُستَهدَف بالمقاطعة، إلا أنه قد ينتج نوع مختلط من المقاطعات يتضمن أهدافًا عملية وتعبيرية يطلق عليها مقاطعات عقابية، وتختلف عن الأداتية كونها لا تسعى إلى “تصحيح” ممارسات الكيان المُستَهدَف بالمقاطعة، بل معاقبته على تلك الممارسات التي قد يكون المقاطعون في الحقيقة مقتنعين بأنه لا يمكن العودة عنها(41). هذا النوع من المقاطعة وإن كان ذا أهداف تعبيرية إلا أنه يمثِّل إشارة للكيان المُستَهدَف بالمقاطعة وغيره من الكيانات بأن أية إساءة مستقبلية لن تمر دون تكلفة. لذلك قد يكون هذا النوع من المقاطعة تعبيريًّا على المدى القصير وأداتيًّا على المدى الطويل.

ويتماشى هذا الهدف المركَّب مع أدبيات التحليل الشبكي التي تركز على قوة التخارج أو فك الارتباط كأحد أوجه القوة المتاحة، خاصة لنقاط الالتقاء التي تعتبر هامشية، أو لا تتمتع بمستوى عال من التوسط في الشبكة. لا تكمن القوة هنا في منع المنافع المستخلصة من أسواق العالم الإسلامي عن الكيانات المُستهدَفة بالمقاطعة في سياق علاقات ثنائية مستقلة فحسب، بل أيضًا استهداف مستوى التوسط الذي تتمتع به الكيانات المُستهدَفة بالمقاطعة والذي لا يمكن فهمه إلا من خلال التحليلي الشبكي. بمعنى أن المقاطعة في هذه الحالة وسيلة للتأثير على موقع الكيانات التجارية والسياسية الفرنسية في الشبكات الدولية من خلال حرمانها من ارتباطاتها الشبكية مع العالم الإسلامي التي تعطيها قوة للمساومة والتأثير مع مختلف الفاعلين في الشبكة، خاصة أولئك الذين لديهم ارتباطات شبكية مع أسواق العالم الإسلامي.

في هذا الإطار، تمثِّل المقاطعة الشعبية محاولة لاستثمار العلاقات العابرة للحدود، وتموضع المستهلكين في الشبكات التي نشأت عنها، للدخول في مساومات وخلق تأثير سياسي بهدف إقناع أو إكراه طرف خارج الحدود على تغيير سياساته، حيث يُعتبر هذا البُعد للحملة الاحتجاجية التعبير الأكثر وضوحًا لفاعلية الجماهير من خلال الفعل التواصلي، والذي بالطبع لولا النفاذ إلى المنظومة المعلوماتية الدولية وانفتاحها واستخدام هذا النفاذ في مسار التنسيق التنظيمي والحشد الهوياتي لما أمكن تحقيقه.

إلا أن هذا البعد المادي الملموس، أي ممارسة المقاطعة، يعتبر الأكثر تقييدًا، مقارنة بالمنظومة المعلوماتية المنفتحة نسبيًّا، والتفاعل التأطيري الذي يظهر فيه تفوق المشاركين في حملة المقاطعة، فالمقاطعة تعتمد منطق الإكراه أو العقاب الشعبي الاقتصادي بقصد التأثير على كيانات معينة قد تكون كيانات تجارية أو سياسية، وفي حالة مقاطعة المنتجات الفرنسية، فإن المُستَهدَف هو السلطات الفرنسية وموقفها المؤيد لهذه الرسومات. فالكيانات السياسية والتجارية الفرنسية وإن كانت لا تملك قوة التحكُّم في الشبكة، والتدفقات التي تمر من خلالها، والقدرة على وضع الأحكام التفويضية والتوزيعية التي تشكِّل مسارات هذه التدفقات؛ إلا أنها تتمتع بمستوى عال من التوسط، خاصة في إطار ما يمكن وصفه بالشبكة الفرعية التي تربط بين الكيانات والأفراد في كل من دول الشرق الأوسط وأوروبا؛ ما يعني أن الضغط الناشئ عن قوة التخارج وفك الارتباط يقابله ضغط ناشئ عن قوة التوسط التي تتمتع بها الكيانات الفرنسية. مع ذلك، يسعى سالكو مسار المقاطعة إلى إنتاج ضغط اقتصادي على الشركات الفرنسية من خلال منعها المنافع المستخلصة من العلاقات مع أسواق العالم الإسلامي على المستوى الثنائي والشبكي، على أن يدفع هذا الضغط الشركات بدورها للضغط على الحكومة الفرنسية لتغيير موقفها من الرسومات المسيئة.

يتلخَّص منطق هذا المسار في أنه إذا كانت المنافع المتوقع خسارتها بسبب المقاطعة الشعبية معتبرة، يفترض أن تُفعِّل المقاطعة جماعات المصالح الخاصة (Special Interest Groups) الأكثر تأثرًا بالمقاطعة لتطلق آليات التأثير والضغط على الحكومة الفرنسية لتُغَيِّر من سياساتها المتسببة في المقاطعة. ولفهم هذه الآلية من المناسب النظر فيما يسمى بنظرية الاختيار العام (Public Choice Theory) التي لا تفترض ارتباط سياسات الحكومات بالمصلحة الوطنية، أو أن الإطار المؤسسي السياسي المحلي وما ينتج عنه من تجميع للمصالح يعكس اختيارات المجتمع، بل إن النظم الديمقراطية التمثيلية تُنتِج عادة سياسات حكومية تفضيلية تخدم أصحاب المصالح الخاصة وليس المجتمع(42). بشكل مختصر، تعتبر نظرية الاختيار العام تطبيقًا للنظرية الاقتصادية ومنهجيها في تحليل التفاعلات السياسية، من خلال التركيز على المسؤولين الحكوميين المنتخبين ومصالحهم، وطبيعة علاقاتهم الزبائنية مع جماعات مختلفة (Client Groups) والتي تتضمن الناخبين، وممولي الحملات الانتخابية، وقادة الأحزاب، والصحفيين، والمديرين التنفيذيين للشركات الكبرى، وممثلي الاتحادات العمالية، وغيرهم(43).

قد لا يعبِّر هذا المسار عن مدى تشابك العلاقات وتداخلها في التنظيم الشبكي للاقتصاد السياسي الدولي والمساومات المُمَكَّنَة التي تنتجها. في ظل الارتباط الشبكي بين فاعلين سياسيين وتجاريين في فرنسا وفي دول المقاطعة وعلاقات القوة الناتجة عن هذه الارتباطات قد يكون نقل المساومات إلى المستوى الدولي أكثر “عقلانية” للجانب الفرنسي. بمعنى؛ بدلًا من دخول الفاعلين السياسيين والتجاريين الفرنسيين في مساومة فيما بينهم حول أولوية التفضيلات الفكرية والتجارية الفرنسية، قد يتفق هؤلاء الفاعلون على الضغط والتأثير على حكومات الجماهير المقاطِعة لاستخدام أدواتها السلطوية لإنهاء المقاطعة. يدعم هذا الاتجاه تعبير عدد من الشركات الفرنسية عن دعمها للحكومة الفرنسية في حماية “القيم الفرنسية”(44)، أو في أفضل الأحوال المحافظة على مسافة من موقف الحكومة الفرنسية دون اتخاذ موقف واضح من قِبَل تلك الشركات نحو الرسومات المسيئة.

وبالتالي، قد تكون إحدى حلقات مسار المقاطعة المتوقعة من خلال التحليل الشبكي هي ضغط الحكومة الفرنسية على حكومات الجماهير المقاطِعة في سياق المعادلة التالية: استخدام الأدوات السلطوية لإنهاء المقاطعة، أو تخفيض الترتيبات والالتزامات الأمنية، أو البحث عن وجهات أخرى للاستثمار، أو عدم الحصول على دعم لعضوية أو مقعد في منظمة دولية، أو إثارة قضايا حقوق الإنسان، وجميعها مساومات لا يمكن فهمها إلا من خلال فهم الروابط الشبكية الدولية، وموقع الحكومة الفرنسية منها، في مقابل حكومات المجتمعات المقاطعة التي تسمح للأولى باستثمار موقعها ودرجة توسطها في الشبكة للضغط على هذه الحكومات.

لا يعني استجابة حكومات الجماهير المقاطعة لهذه الضغوط استخدامها للإكراه الأمني المادي ضد المقاطعين أو الداعين إلى المقاطعة، رغم تسجيل حالات من الاعتقال التي قامت بها حكومات بعض الدول. في هذا السياق، يظهر مفهوم الأَمْنَنَة (Securitization) مناسبًا لوصف الارتباط بين النشاط الرقمي المعلوماتي للمقاطعين ومحاولات بعض الحكومات لضبطه بما يتماشى مع تفضيلاتها التجارية والسياسية، خاصة في ظل ضغط الطرف الفرنسي. وتعني عملية الأمننة إضفاء طابع التهديد على موضوعات معينة من خلال عملية خطابية(45). ويعمل الخطاب على الاستدلال بوجود تهديد يمس البقاء (المادي والمعنوي) لمرجعية ما. ويكون الهدف من الأمننة شرعنة اللجوء إلى ترتيبات استثنائية في التعامل مع القضية محل الأمننة، ونقلها من نطاق السياسات العامة العادية إلى نطاق السياسات الطارئة. ويمكن القول: إن ما تستهدفه الأمننة في هذه الحالة هو حدود الخطاب المرتبط بالقضية، بحيث لا يتعدى الدفاع عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم إلى استثارة وتحفيز مكونات هوياتية إسلامية تتعدى التفضيلات الفكرية للنخب السياسية.

5. من الحملات الاحتجاجية إلى فاعلية جماهيرية طويلة المدى

تحتاج حملات المقاطعة، باعتبارها أحد أشكال الأعمال الاحتجاجية، محفزًا ما، يُشار إليه في أدبيات المقاطعات الشعبية بـالفعل الصادم (Egregious Act)، وبالتالي تصبح حملات المقاطعة في جوهرها فعلًا للتعبير عن الغضب تجاه هدف يعتقد أنه منتج هذا الفعل. وقد تفيدنا أدبيات علم الأعصاب هنا في تسليط الضوء ليس على الجوهر المشاعري للحملات الاحتجاجية فحسب، بل على البعد الإدراكي المرتبط بها، وبالتالي عملية اتخاذ القرار بالمشاركة فيها. يعرِّف كل من سيث دنكن (Seth Dunacan) وليزا باريت (Lisa Barret) ما يُسمَّى بالحالة النفسية العامة (Core Affect) كونها الحالة المشاعرية للفرد في أية نقطة زمنية، والتي يتداخل فيها بُعدان: الرضا-عدم الرضا، والإثارة العالية أو الإثارة المنخفضة، وبالتالي قد تكون الحالة المشاعرية العامة للفرد، في أي وقت، بين أربعة احتمالات: رضا-إثارة عالية، رضا-إثارة منخفضة، عدم رضا-إثارة عالية، عدم رضا-إثارة منخفضة(46).

بناء على ذلك، يمكن وصف الإساءة للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كفعل صادم ومحفِّز لحالة مشاعرية يمكن وصفها بعدم الرضا-إثارة عالية، وهو ما وضح في حالة الغضب المصاحبة للمشاركة في حملة المقاطعة خاصة في أيامها الأولى، إلا أن كثيرًا من العمليات الإدراكية والمشاعرية التي تكون فيها القضايا الدينية أو التدينية محل تقييم أو استهداف لا تتم بالضرورة خلال فترة الحملة، بل في سياق ما يُسمَّى بالنشاطات غير المتصلة بالحملات (Non-Campaign Activities)، والتي تمثِّل السياق الأهم لعمليات التأطير وإضفاء المعنى والقيمة على الأشياء. فبعيدًا عن حملات المقاطعة والحملات الاحتجاجية بشكل عام، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي والشبكات الرقمية الاجتماعية بنقاشات حول الإلحاد والإيمان، وقضايا المرأة والأسرة المسلمة، ودور الدين في السياسة، ونطاق التدين بين الفردي والجماعي بل والتنظيمي، وفي خضم هذه النقاشات والمحاضرات ومقاطع الفيديو والمدونات يتنازع الأطراف قيمة ومعنى الممارسات المختلفة ذات الصلة بالدين والتدين. وهنا، يجري بناء الموارد الفكرية والقيمية الضرورية لتأطير الحملات الاحتجاجية، والحشد على مستوى الهويات والمشاعر المشتركة.

على سبيل المثال، في ظل هيمنة خطاب حقوق المرأة الغربي والمفاهيم الجندرية على قضايا المرأة في كثير من المجتمعات المسلمة اليوم، قد يكون من الصعب تخيُّل نجاح حملة للحفاظ على “قيم الأسرة المسلمة” وتأطيرها في إطار القيم والأحكام الشرعية الإسلامية. في المقابل، قد تبدو الإساءة إلى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم محفزًا كافيًا اليوم لإقناع عدد كبير من المسلمين بالمشاركة في حملة للدفاع عن مقامه الكريم، ولكن من يدري ما ستكون عليه الحالة المزاجية والشعورية للأفراد في العالم الإسلامي في المستقبل، والتي قد لا تتعدى حالة (عدم الرضا-إثارة منخفضة) عند التعرض لهذا النوع من الإساءات. ومع الإثارة المنخفضة قد تفشل المحاولات التواصلية الشبكية في حشد ما يكفي من الموارد الهوياتية والمشاعرية لإطلاق حملة جماهيرية مُمَكَّنَة شبكيًّا واستمرارها.

لوضع هذه المساهمة في إطار تفاعلي، وتوضيح علاقتها بتفاعلات الحملات الاحتجاجية، خاصة المستوى التأطيري، من المفيد استخدام معادلة الفعل الاستراتيجي، كما تظهر في أغلب أدبيات الدراسات الاستراتيجية والأمنية، والتي تقترح أن الفاعلية الاستراتيجية تتكون من ثلاثة عناصر: المصالح أو الأهداف، والقدرات، والعزم(47). ومن خلال هذه المعادلة يمكننا تنظيم أفكارنا حول حشد وتوجيه الموارد استراتيجيًّا في سياق الفعل التواصلي الاحتجاجي، حيث يقوم تشارك المعلومات كمورد جوهري للعمل التواصلي بدور تحديد الأهداف في غياب تنظيم سلطوي يقوم بهذه المهمة كما في العمل الجماعي، بينما من المناسب وضع المقاطعة الشعبية للمنتجات الاستهلاكية والتأثير المادي الملموس الذي تنتجه تحت عنصر القدرات، وأخيرًا تنتظم الموارد الهوياتية والمشاعرية المرتبطة بتأطير القضية محل الاحتجاج في عنصر العزم. ويعرِّف جوشوا كيرتزر (Joshua D. Kertzer) في كتابه: “العزم في السياسة الدولية” العزم بأنه الثبات والصمود في سبيل المقصد والاستمرار في سياسة ما على الرغم من الميل أو الرغبة، والإغراءات للتراجع(48).

ويمثِّل النفاذ إلى المعلومات في هذه الحالة نفاذًا إلى أرضية وجودية لا وجود لفعل تواصلي أو شبكات مُمَكَّنَة للجماهير بدونها، وعلى هذه الأرضية المعلوماتية التي تأخذ شكل مواقع التواصل الاجتماعي يجري بناء الفاعلية بين الجماهير، وتحديد أهدافها، والتنسيق حول الوسائل والأدوات المناسبة للتأثير وتحقيق الأهداف. في ظل علاقات القوة الناتجة عن موضع هذه الفاعلية في الشبكات العالمية، تبدو المقاطعة الشعبية الناتجة عن إدراك المشاركين في الحملة لموقعهم كمستهلكين في السوق العالمية، وقدرتهم على خلق حالة من الإزعاج والتعطيل المكلف للشبكات الاقتصادية، والمنافع المستخلصة منها من قِبَل الكيانات المستهدفة بهذا التعطيل، وسيلة مناسبة للتأثير، إلا أن هذا التعطيل له تكلفته أيضًا على المقاطعين، ولابد لتحملها وللاستمرار في المقاطعة والدعوة لها من مستوى متقدم من العزم الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال حشد موارد فكرية ومشاعرية، تُعطي المشاركين في الحملة القوة النفسية اللازمة للثبات والصمود، على الرغم من الميل أو الرغبة، والإغراءات للتراجع. كما أشرنا، فإن عناصر الفاعلية هذه لا يمكن أن توجد بشكل مفاجئ، وتعمل بشكل فعال وقت الحملات الاحتجاجية، بل تتطلب بناء ورعاية وعملًا مستمرًّا، يعكس سلوكًا استراتيجيًّا طويل المدى يسمح بفاعلية وتأثير الفعل التواصلي والحملات الاحتجاجية قصيرة المدى.

6. الفعل الإسلامي التواصلي في ظل الشبكات الإقليمية

بناء على ما سبق، يمكن اقتراح أن الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير تقدِّم مساحة مُمَكِّنَة للعمل التواصلي الإسلامي رغم القيود المعلوماتية، والتأطيرية، والمادية. لكن الاستفادة من هذه المساحة الشبكية تفترض وجود “جماهير” تتمتع بنوع ونطاق للتدين يدفعها للاستفادة منها، من خلال الرغبة والقدرة على الحركة على شكل فاعلية مشتركة لتحقيق أهدافها سواء قصيرة المدى كما في الحملات الاحتجاجية، أم طويلة المدى من خلال استهداف تغيير اجتماعي وسياسي واسع النطاق. وقد حملت التنظيمات الإسلامية التقليدية الكبرى، لفترة طويلة، عبء تجميع هذه الحركة وتوجيهها وحشد الموارد المادية والتنظيمية لضمان فاعليتها. وقد كانت هذه التنظيمات، ونوع التدين القابل للحشد والتوجيه سياسيًّا واجتماعيًّا، الضحية الكبرى لما يُسمَّى بالثورات المضادة التي أعقبت ثورات الربيع العربي.

من المفيد هنا وضع هذه الحالة في إطار حضور الإسلام على المستوى الإقليمي، مع اقتراح عدد من المساحات لهذا الحضور، والتي يفرضها علينا خيالنا السياسي المحدود بتقسيمات وتصنيفات الحداثة والتي لا تخرج عن المستويات التالية:

أولًا: حضور الإسلام كمصدر لهوية جامعة عابرة للحدود الوطنية ومؤسسة لإطار قانوني ومؤسسي وقيمي للعمل الجماعي بين الدول ذات الأغلبية المسلمة ولتفاعلها مع الدول الأخرى.

ثانيًا: حضور الإسلام كمصدر ومرشد لتشكُّل المصلحة الوطنية للدول ذات الأغلبية المسلمة بشكل منفرد أو على الأقل كقيد على (بعض) الاختيارات المتاحة لتحقيق مصالح وطنية مشكَّلة ماديًّا (الأمن والاقتصاد).

ثالثًا: حضور الإسلام كمصدر لحشد الموارد المعنوية والمادية لتنظيمات سياسية واجتماعية تعبِّر عن رغبة قطاعات من المجتمعات المسلمة في العمل التنظيمي لدفع، واستشكال، وأحيانًا كثيرة منافسة الدولة في كل من المستويين الأول والثاني.

رابعًا: حضور الإسلام في مستوى التشريعات المحلية والقيم والمظاهر العامة والعلاقات الاجتماعية.

خامسًا: حضور الإسلام في مستوى التدين الفردي الشخصي كمرشد للسلوك الشخصي والاطمئنان الروحي. لا شك أن الإسلام فقد حضوره في كل من المستويين الأول والثاني منذ فترة طويلة، ربما منذ نشأة النظام الإقليمي الحديث نفسه، بينما كان حضور الإسلام في المستوى الثالث الضحية الأبرز للثورات المضادة كما ذُكِر، بل أصبح يُخْشَى أيضًا على حضور الإسلام في كل من المستويات الرابع والخامس.

لا شك أن حضور الإسلام في أي من هذه المستويات مقيَّد ومشروط بنوع التدين السائد والمسموح به سياسيًّا، وكما يوضح هشام جعفر في مقالته حول “الشباب المصري وبدائل الإسلاميين”؛ فإن الصراع حول أنماط التدين المتعددة هو صراع سياسي بامتياز وذلك بسبب اختراق السياسي للديني لدرجة تسمح له بإعادة إنتاجه كتعبير عن مصالح القوى السياسية المسيطرة(49). وبالعودة إلى التنظيم الشبكي والمنافع الناتجة عن تموضع الفاعلين في إطاره لفهم المصالح السياسية المحيطة بأنواع التدين، فإن النخب الحاكمة في الدول العربية تسعى إلى تعزيز تموضعاتها في الشبكات الاقتصادية والأمنية العالمية وأحكامها التفويضية والتوزيعية للحصول على أكبر قدر من المكانة الاجتماعية والمنافع المادية.

من المهم الإشارة إلى أن هذه النخب، في سعيها نحو تعزيز تموضعاتها الشبكية العالمية، تبرِّر هذا السعي من خلال بناء شبكات إقليمية أمنية واقتصادية فرعية قادرة على تقديم خدمات الأمن والرفاهية لشعوبها. هذه الشبكات تختلف عن التنظيمات والترتيبات متعددة الأطراف التقليدية في البيئة الدولية. على سبيل المثال، على المستوى الأمني هناك صعود لما يُسمَّى باتفاقات التعاون الدفاعي على حساب التحالفات التقليدية. عادة لا تحمل هذه الاتفاقات التزامات بالدفاع المشترك كما في التحالفات التقليدية خلال الحرب الباردة، بل تعمل كإطار عام للتعاون في مجالات دفاعية مختلفة كالبحث والتطوير، والدعم اللوجستي، والأمن المعلوماتي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية(50). تستهدف هذه الارتباطات أيضًا تهديدات أمنية غير تقليدية كالإرهاب، والتهريب، والقرصنة، والأمن السيبراني. وتتصف هذه الاتفاقات كذلك بمستوى عال من المرونة بحيث تترك تفاصيل التنفيذ وتفعيل التعاون للأفراد والعلاقات الشخصية في المؤسسات الدفاعية والأمنية للأطراف(51).

على مستوى السعي لتحقيق العنصر الثاني من عناصر الاستقرار الإقليمي، أي تحسين مستوى الرفاهية لأفراد المجتمع في ظل المنظومة القائمة، تسعى النخب الوطنية إلى تعزيز موقع اقتصاداتها في شبكات التجارة والاستثمار الدوليين من خلال الارتباط بالمراكز المحورية في تلك الشبكات سواء بشكل ثنائي مباشر أو من خلال تموضعها فيما يُسمَّى بشبكات الإنتاج العالمي أو سلاسل القيمة المضافة، بالإضافة إلى تعزيز مواقعها في مبادرات الاستثمار العالمية كالحزام والطريق وغيرها. وفي تقاطع هذه الشبكات الأمنية والاقتصادية على المستوى المحلي، تسعى هذه النخب إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمن المجتمعي من خلال شبكة من ولاءات الفاعلين المحليين المؤثرين، الذين يتوقف دعمهم للسلطة على مدى انتفاعهم من توزيع المنافع الناتجة عن تموضع السلطة في الشبكات العالمية. وفي هذا السياق يمكن تخيُّل مدى تأثير حملة المقاطعة على مصالح الفاعلين المختلفين عبر هذه الشبكات وتقاطعاتها.

ويذكِّرنا جون روجي (John Ruggie) أن الأسواق العالمية تدخل في مساومات دائمة مع السياقات المحلية لتأسيس الاختلافات بين الدول على مستوى السياسات العامة لقضايا الهجرة، والرفاه الاجتماعي، والحريات الدينية والفردية، والأسرة، والثقافة المحلية، وكثير من المنافع العامة التي أصبحت مؤخرًا وبشكل متزايد محلًّا للتفاوض في إطار الترتيبات الاقتصادية العالمية(52)، إلا أن استخدام عبارة “محلًّا للتفاوض” قد لا تعكس واقع هذا التفاعل على الأقل في الإقليم. فتعزيز النخب السياسية والاقتصادية العربية بشكل خاص لموقعها في شبكات الأسواق العالمية والترتيبات الأمنية كذلك يتطلب في كثير من الأحيان أكثر من مجرد التفاوض، بل الإدماج، والإكراه، والتفكيك للكيانات التنظيمية والأطر الهوياتية التي قد تعيق هذا التموضع. بمعنى تعزيز قدرة الدولة على استخلاص الموارد المادية وتوجيهها لأهداف أمنية واقتصادية، مع التعامل مع الحد الأدنى من الموارد الثقافية والهوياتية لمجتمعاتها. إذن يمثِّل الإسلام، أو بعض أنماط التدين عائقًا هوياتيًّا، وأحيانًا تنظيميًّا لتموضع النخب السياسية والاقتصادية في الشبكات العالمية الاقتصادية والأمنية.

لقد نجحت أغلب النخب الحاكمة في المنطقة العربية في تفكيك وهدم البنى التنظيمية للإسلام الحركي، الذي ينافسها في حشد الموارد وتوجيهها، أو يعيق تعزيز كفاءتها في حشد مواردها في إطار الترتيبات الاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية. وتختلف فيما بينها حول نطاق تجريف الأرضية الهوياتية والثقافية وعمقها، والتي يمكن تحفيزها في أي عمل تنظيمي إسلامي، فاستهدف بعضهم أدبيات “الإسلام السياسي”، وتوغل بعضهم في أحكام العقيدة والثوابت الإسلامية، وأطلق بعضهم يد، أو على الأقل وقف ليشاهد بكثير من الحماسة، جماعات من معتنقي الإلحاد والنسوية، وداعمي المثلية الجنسية وهم ينقُضُون هذه الثوابت. وكان الهدف دائمًا -وما زال- منع التنظيمات الإسلامية الحالية أو المستقبلية من الموارد الهوياتية التي قد تحشدها نحو أي عمل جماعي إسلامي بعيدًا عن سيطرة الدولة.

وفي غياب التنظيمات الإسلامية التقليدية الكبرى، والقيود على ظهور أي تنظيمات جديدة تحمل إرثها، يبدو الفعل التواصلي الإسلامي بديلًا مقبولًا لشرائح كبيرة من الشباب أصحاب التوجهات الإسلامية. وطبقًا للتمييز بين استهداف “التنظيمي” و”الهوياتي” يبدو أن هناك قبولًا ضمنيًّا بين هذه الشرائح بصعوبة بل وعدم الفائدة من العمل التنظيمي، ومزاحمة الدولة على المستوى السياسي والمؤسسي ومنافستها. في المقابل، يبدو أن هناك اتجاهًا نحو مقاومة هذا التجريف للهوية الإسلامية وما تتضمنه من عقائد وأفكار ومشاعر. على الرغم من تشعب السعي في هذا الاتجاه على شبكات التكنولوجيا الرقمية إلا أن المبادرات المعرفية والتعليمية العابرة للحدود، والتي تأخذ في الغالب شكل البرامج العلمية الرقمية، تبدو وكأنها في طريقها لِتُمثِّل نقاط التقاء محورية لشبكات من الفعل الإسلامي الفردي والتواصلي. في دراسته “من يملأ الفراغ؟: الكيانات الدينية والثقافية في مصر بعد الثورة”، يشير محمد فتوح إلى عدد من الكيانات التي بدأ الانتماء لها، وإن كان انتماء مرنًا، يمثِّل نوعًا من أنواع الهوية(53). ومن هذه المبادرات: برنامج محاور، وأكاديمية نماء، وبرنامج البناء المنهجي، وأكاديمية مساق، وتتمتع جميعها برواج كبير بين قطاعات من الشباب المتدين في الدول العربية، وتقدِّم خدماتها رقميًّا. ويدعم هذه الحركة عدد من دور النشر التي تلبي الحاجات الفكرية والثقافية المتزايدة لطلبة وخريجي هذه البرامج، والتي تغطي أعمالها مساحات واسعة من الفقه التقليدي، ونقض أسس الإلحاد، وفلسفة الدولة الحديثة والحداثة السياسية، وما بعد الحداثة، وترجمات لمفكرين سياسيين من أمثال ميشيل فوكو (Michel Foucault) وبيير بورديو (Pierre Bourdieu) ووائل حلاق وغيرهم. رغم أن هذا الاتجاه ما زال في طور التشكُّل إلا أنه يبدو أن جاذبيته تتمحور حول ما يقدِّمه من مسار نحو التلبُّس بهوية “الإسلامي المثقف” القادر على فهم فلسفة الحداثة وما بعدها بل ونقضها.

حتى وإن كانت أسئلة “الإسلام والسياسة” لا تتردد كثيرًا في هذه الأوساط، على الأقل من منطلق تنظيمي وحركي، فذلك لا يجعل هذا التشكُّل أقل “سياسيًّا” من العمل الإسلامي الجماعي التقليدي. وبالمعنى الأوسع للسياسة، والذي قد يعبَّر عنه من خلال أفكار أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) حول الهيمنة، يُعد هذا التشكُّل سياسيًّا بلا شك. وطبقًا لغرامشي، فإن مفهوم الهيمنة يعبِّر عن استمرارية الطرق والأساليب المسيطرة واستدامتها لفهم الواقع، وعمل هذه الطرق على مستوى التفكير، والخطاب، والفعل، لتعزيز قوة الجماعات المهيمنة من خلال شرعنة مصالحهم، إلا أن استمرار هذه الهيمنة يتطلب أيضًا نجاح هذه الجماعات في عزل أي توصيف منافس للواقع(54). بهذا المعنى تمثِّل هذه المبادرات وخريجوها فعلًا سياسيًّا يهدف إلى منازعة الجماعات المهيمنة توصيفها للواقع، والحفاظ على الموارد الثقافية والدينية، التي تمثِّل موردًا أساسيًّا للحملات الرقمية ذات المنطلقات الدينية، وتفاعلاتها التأطيرية تحديدًا.

مع ذلك، يُلاحظ، أن أصحاب هذا التوجه “الفكري” يُظهرون نوعًا من أنواع الحذر، وربما العزوف عن المشاركة في الحملات الإسلامية الرقمية كحملة مقاطعة المنتجات الفرنسية. وهنا يمكن التمييز بين فريقين من الشباب المتدين المستخدم للشبكات الرقمية، الأول ذاك الفكري الذي سبقت الإشارة إليه، والآخر “المتحمس”. ويرى الأول أغلب الدعوات للحملات الرقمية مجرد “ترندات” لا تجلب المشاركة فيها أي فائدة، بل تشتِّت طلب العلم والبناء الفكري، ويتعامل مع فكرة “النشاطية” بمستوى من البرود، بينما الآخر الذي عادة لا يملك مستوى متطورًا من البناء الفقهي والفكري يكون مستعدًّا دائمًا ومتحمسًا للمشاركة في أية حملة أو نقاش على منصات التواصل الاجتماعي كنوع من أنواع نصرة الإسلام. بالطبع هذا التمييز يعتمد على حالات تعبِّر عن النموذج المثالي لكل منهما، وإلا فهناك متدينون “مفكرون” يتسمون بمستوى عال من الحماسة وهناك متدينون “متحمسون” يتمتعون ببناء فقهي وفكري معتبر.

بالعودة إلى معادلة الفاعلية الاستراتيجية التي تتضمن عناصر المصلحة أو الأهداف، والقدرات، والعزم، نرى أهمية وجود توازن ما بين الموارد الفكرية والمشاعرية يسمح بالاستثمار الأمثل للمساحة التي تقدِّمها الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير للعمل التواصلي الاسلامي، فبدون الموارد الفكرية يفتقر الفعل التواصلي للتعامل استراتيجيًّا مع المعلومات وتأطيرها فكريًّا، بحيث تمثُّل الفاعلية المنطلقة من هذه المعادلة الناقصة في هذه الحالة مجرد تعبير عن الغضب والاحتجاج دون تحديد واضح للأهداف أو تأطير متطور لهذه الأهداف، بل والوسائل المستخدمة لتحقيقها. في المقابل، بدون الموارد المشاعرية تفتقد هذه الفاعلية إلى القوة الدافعة للانطلاق والاستمرار.

بالإضافة إلى هذا التباعد بين الفكري والمشاعري في شبكات الشباب المتدين اليوم، أي بين “المتدين المفكر” و”المتدين المتحمس”، يظهر أيضًا غياب “للمتدين المتخصص”. ذلك المتدين المتخصص في التحليل الشبكي، وفي مناهج العلوم الاجتماعية، وفي الاقتصاد، والاقتصاد السياسي، والعلاقات الدولية بخلاف النموذج الذي غلب على الإسلاميين التقليديين وما زال منتشرًا إلى حدٍّ كبير: الطبيب أو المهندس “المهتم” بالثقافة والسياسة، بل ذاك الذي يملك معرفة تقنية تخصصية في مجال ما. وقد بيَّنت دراسة حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية إلى فقر الأفكار الاقتصادية والسياسية عند المشاركين، حتى وإن مثَّلت كميًّا جزءًا كبيرًا من تدويناتهم، وتبقى ذات طابع اجتهادي غير تخصصي. إذن، حتى تتحول نقاط التقاء الشباب المتدين الرقمية إلى مراكز محورية في الشبكات وتستفيد من المساحة التي تقدِّمها الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير، من المهم تجميع الموارد الفكرية والمشاعرية والتقنية التي تسمح بأعلى مستوى ممكن من الفاعلية والتأثير في ظل القيود التي تفرضها البنية الشبكية الدولية عليها. هذا لا يعني أن الفعل التواصلي الإسلامي من خلال الشبكات المُمَكِّنَة للجماهير سيحل محل العمل الإسلامي التقليدي، لكن على الأقل سيكون قادرًا على خلق “مفاجآت” غير سارة لأولئك الذين يسعون إلى تغييب الوعي الإسلامي، وتحويل الاجتماع الإنساني إلى مجرد شبكات تشغيل آلي.

7. نحو “نموذج” لفاعلية إسلامية جماهيرية مُمَكَّنَة شبكيًّا

قدَّمت المحاور السابقة محاولة لتتبع المسارات المُمَكِّنَة لفاعلية إسلامية جماهيرية مُمَكَّنَة شبكيًّا، مُتجاوزة لنماذج فاعلية الكيانات غير الدولتية في البيئة الدولية كنموذج “بوميرانج” أو نماذج تحليل السياسة الخارجية التي تُخضع تأثير الرأي العام لعمليات صنع القرار كنوع من أنواع الفاعلية الجماهيرية غير المباشرة. مع الأخذ بالاعتبار مخاطر نمذجة الصورة المعقدة التي رسمتها المحاور السابقة، وأهمية عدم الركون إلى الاختزال والتبسيط الذي تتسم به النماذج المذكورة سابقًا. ويمكننا توضيح نموذجنا النظري لتوصيف مسارات تفاعلات الفاعلية الجماهيرية الإسلامية المُمَكَّنَة شبكيًّا في البيئة الدولية من خلال الشكل التالي:

الشكل (2): نموذج الفاعلية الإسلامية الجماهيرية المُمَكَّنَة شبكيًّا في البيئة الدولية

2

المصدر: من إعداد الباحثين

يوضح هذا الشكل عددًا من الاختلافات مع نموذج “بوميرانج” الذي ينطلق، كما ظهر في الشكل (1)، من افتراض أن التفاعل الاحتجاجي الرئيسي يكون دائمًا أو بشكل أساسي بين الجماهير في الدول غير الليبرالية، ممثلة في كيانات غير حكومية، وبين حكوماتها، ومن ثم تقوم عملية نقل المعلومات للمنظمات غير الحكومية وشبكات مناصرة الحقوق العابرة للحدود بتأطيرها وإقناع حكوماتها بالضغط على حكومة الدولة غير الليبرالية المنتهكة للحقوق، ويتماشى هذا مع فكرة “الإنقاذ” المرتبطة بالأدبيات الليبرالية الحقوقية، التي تظهر فيها المنظمات والحكومات الغربية كمنقذ للمجتمعات غير الغربية من حكوماتها. في المقابل، ينطلق نموذجنا المقترح كما يظهر في الشكل (2) من افتراض أن احتجاجات الجماهير الإسلامية قد تكون موجهة ضد سياسات الحكومات الغربية وبعض الممارسات في المجتمعات الغربية المسيئة للمسلمين. ومن المهم الإشارة إلى أن السهم الموجه للأعلى، الذي يربط بين الجماهير والدولة، لا يمثِّل تفاعلًا احتجاجيًّا أساسيًّا كما في نموذج “بوميرانج”، بل يعكس عدم قدرة أو رغبة الدولة على تبني الفعل الاحتجاجي، أو مشاركة الجماهير الاحتجاج على سياسات الدول المُستهدَفة بالاحتجاج.

ويتضح من الشكل أعلاه أن المقصود بسمة “عابرة للحدود” لوصف الفاعلية الجماهيرية الإسلامية هو ذلك الارتباط والتواصل بين الجماهير الإسلامية، في دول مسلمة متعددة، وهو ما تعكسه المستطيلات الثلاث العمودية في الجزء الأسفل من الصورة، التي تمثِّل هذه الدول، بينما يمثِّل المستطيل الأفقي المتقطع التواصل بين الجماهير عبر حدود هذه الدول من خلال الشبكات الرقمية المُمَكِّنَة للجماهير، وما يخلقه هذا التواصل من مساحة للفعل التواصلي، وما يتطلبه من نقل المعلومات وحشد الموارد الهوياتية والمشاعرية لتأطيرها والتنسيق حول أهداف هذا الفعل التواصلي. ويُلاحظ هنا أن عمليات التأطير وإعطاء المعنى للممارسات والأفعال محل الاحتجاج تحدث في إطار هذه الشبكات، وليس من قِبَل شبكات مناصرة الحقوق العالمية أو المنظمات غير الحكومية الليبرالية.

وتعكس المسارات على جانبي الشكل القنوات الناقلة للموارد غير المادية (المعلومات، والقيم، والأفكار) على يمين الشكل، والمادية (البضائع، ورؤوس الأموال، الأسلحة،…إلخ) على يساره، وتحمل هذه المسارات معها التفاعلات المعلوماتية والتأطيرية من جهة، وتفاعلات الضغط المادي الذي يأخذ شكل المقاطعة الاقتصادية الشعبية، من جهة أخرى. وذلك طبقًا لما اقتُرِح في المحاور السابقة. أخيرًا، تعكس الأسهم في منتصف الشكل التأثير المقابل للدولة المُستَهدَفة بالاحتجاج، والذي قد يأخذ بدوره مسار المعلومات والتأطير من خلال التأطير المقابل (الاتهام بالتطرف والعدائية،…إلخ) وإقناع/الضغط على كيانات الحوكمة الخاصة في منظومة المعلومات الليبرالية بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، والذي قد ينتج عنه حجب أو تقييد التواصل بين الجماهير أو/ومسار الضغط السياسي والاقتصادي على حكومات الدول المسلمة، والتي تقوم بدورها بأمننة الفعل التواصلي الاحتجاجي والمشاركة فيه. على الرغم من عدم إمكانية التخلص من الاختزال في أي محاولة للنمذجة، إلا أن هذا النموذج للفاعلية الإسلامية الجماهيرية في البيئة الدولية قد يمثِّل أرضية يتسم بمستوى من المرونة، يسمح بنطاق أوسع من الاحتمالات يتماشى مع تعقيد البيئة الدولية وفي نفس الوقت يسمح لنا بتتبع علاقات سببية وتكوينية، تعزز من فهمنا لهذه الفاعلية وسياقاتها.

خلاصة

في الوقت الذي أسهمت دراسات تحليل الشبكات الاجتماعية في فهم الحركات الاحتجاجية الرقمية، تقدِّم دراسات العلاقات الدولية هذا الشكل من النشاطية الرقمية باعتباره جزءًا من بنية دولية شبكية أوسع، تتحدد مساراتها وخياراتها وممكناتها وفقًا للمراكز المحورية المتحكمة بها، وذاك جوهر النفع المرجو من هذه الدراسة، وهو فهم الأفعال الاحتجاجية الرقمية برؤية أوسع من مجرد جعلها فاعلية اجتماعية محدودة بنوع الشبكة ومؤثريها ومضامينها، رغم أهمية ذلك كله. ولذلك نأمل أن تقدم هذه الدراسة بُعدًا جديدًا يمكن لدراسات تحليل الشبكات الاجتماعية الاهتمام به، وهي تحاول أن تجد طريقها إلى الأكاديميا العربية في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية.

والجديد في هذه الدراسة أنها لم تركن إلى التنظير الأريكي البعيد عن الواقع، أو ذلك الذي يعتمد على بيانات ونظريات نشأت في سياقات بعيدة عن واقعنا العربي، بل استندت في محاولتها للتنظير للأفعال الاحتجاجية ذات الطابع الديني، إلى بيانات ميدانية جُمعت في دراسة سابقة، وإلى أهم ما كُتب في أدبيات العلاقات الدولية وتنظيراتها للأفعال الاحتجاجية. وأهم ما خرجت به، هو تطوير نموذج نظري للفاعليات الشبكية الممكِّنة للجماهير المسلمة، يمكن البناء عليه في دراسة الاحتجاجات الرقمية ذات الطابع الديني في السياقات العربية.

وتعتبر شبكات الاحتجاج ذات الطابع الديني شبكات عابرة للحدود المحلية، بسبب بنيتها الهوياتية المتجاوزة للانتماءات الوطنية الضيقة، وتمثيلها لأعداد أكبر من الفاعلين؛ وهذا يعطيها قوة إضافية من جهة تنوع مواردها غير المادية (المعلومات والمعتقدات والقيم)، وفاعلية الجماهير في التحفيز والعزم وتأثيرها غير المباشر على البيئة الدولية، بشرط حسن إدارة تلك الموارد، واطلاع كاف على بنية الشبكات الإقليمية وآليات التواصل اللغوي والمفاهيمي الجاذبة لتعاطف شبكات المناصرة العابرة للحدود.

غالبًا ما يُحجم الناشطون عن التواصل مع شبكات المناصرة العابرة للحدود، إما لعدم ثقتهم بها، أو لجهلهم بدورها في تبني المطالب الحقوقية وتأثيرها على الكيانات المعنية، أو لمعرفتهم بتحيزاتهم المسبقة، ويأسهم من جدواها، خاصة إذا قامت دولهم بوصمهم بالإرهاب أو الانتماء إلى جماعات دينية محظورة، إلا أننا نجد أن التواصل مع تلك الشبكات يكون مفيدًا في جميع الأحوال، فإن لم يحصل التعاطف والضغط المرجو فإنها تشكِّل حرجًا أخلاقيًّا لتلك الجهات وتضعها أمام مسؤولياتها في تبني القيم العليا التي تدافع عنها. وهذا يتطلب ذكاءً تواصليًّا من الناشطين، يستخدمون فيه خطابًا تفهمه تلك الجهات الدولية؛ ذلك أن كثيرًا من مطالباتهم، وإن كانت ذات طابع ديني، فإنها ليست بعيدة عن خطابات حقوق الإنسان، وحرية التعبير، واحترام الثقافات والأديان والمعتقدات، وحقوق الإنسان الأساسية.

وربما نحتاج إلى مزيد من الدراسات حول التجارب العملية في التواصل بين الجماهير المُمَكَّنَة شبكيًّا ذات المطالب الدينية، وشبكات المناصرة العابرة للحدود، والضغط عليها، تقدم رؤية أوضح لمآلات التواصل وفرص النجاح، فضلًا عن المزيد من الدراسات حول المسارات البديلة وبعيدة المدى المستندة على الفعل التواصلي للمبادرات التعليمية والمعرفية، التي ظهرت بفعل القيود المفروضة على الفعل التواصلي الإسلامي.

نشرت هذه الدراسة في العدد الثاني عشر من مجلة لباب،


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *