By / 19 يوليو، 2021

الدين والسياسة .. شبهات وأغاليط (1)

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لم يكن هدف الإسلام – إِذَنْ – بناءُ الدولة، ولكنه كان حاملا – بما هو هداية وبشارة مثل كل العقائد الكبرى لا محالة – لمقومات اجتماع مدنيّ … أمّا الدولة بالمعنى الحرفي للكلمة فهي التعبير الظرفيّ والمرحليّ عن تطور هذا الاجتماع، ونمو مشاكله وتناقضاته وحاجاتهه المختلفة للضبط الداخليّ والتنظيم”(1)، تلك هي الحقيقة التي ولدت على يد “برهان غليون” بعد جهاد ومخاض عبر صفحات عديدة من كتابه: “نقد السياسة .. الدين والدولة”. 

    حاول في كتابه هذا أن يصور الدين والسياسة على أنّهما ضدان لا يجتمعان حتى يجتمع الليل والنهار وضرتان لا تأتلفان حتى يأتلف النور والظلام، هذا سماء ووحي ورسالة، وهذه أرض ومصالح ودولة؛ وبين هذين الضدين كان الصراع قائما في نفوس المؤمنين، وعلى حدّ تعبيره: “كان الصراع قائما إذَنْ داخل وعي كل مسلم بين منطق العدل الإلهيّ والمصلحة الأرضية، بين منطق الثورة الدائمة ومنطق الدولة القائمة، بين خدمة الإسلام بما هو رسالة وهدى وتكوين المسلمين بما هم جماعة ومصالح دنيوية”(2).

    هذا الصراع كان يحتدم في داخل كيان الإنسان المسلم، الذي هو في الحقيقة نفخة روح تتوق لنداء السماء وروحانياتها، وقبضة طين تستجيب لهواتف الأرض وتناقضاتها، ولم يكن بالإمكان الجمع بين النبوة بما تحمله للناس من قيم مثالية رفيعة وبين الدولة بما تعالجه من تعقيدات وتناقضات وضيعة، فَحَسْبُ الإسلام وحسب الدين أنّه “نجح في النموذج الرساليّ الذي كان مُهَدَّدا من مأزقه التاريخيّ، كما نجح في إنقاذ الرهان على ميراث النبوة، فأعطى للإنسانية قاعدة لتجديد حياتها الروحية والمدنية ومن ثم الحضارية لقرون عديدة، ولا يزال يشكل حتى اليوم نبعا لاستمداد الثقة والقوة والعزيمة لمواجهة الشروط الصعبة والمعقدة لبناء النظم المدنية”(3)؛ فليكتف الإسلام – إِذَنْ – بهذا الإنجاز الذي سبق فيه غيره من الأديان، وليقنع بما قنع به ما سبقه؛ حيث ترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله!!

    تلك هي الغاية التي اجتمع عليها جميع المهووسين بفصل الدين عن الدولة وإن اختلفت وسائلهم وتشعبت طرائقهم، ولست أرى فرقا كبيرا بين هذا المدخل الطَّرِيّ النَّدِيّ وبين المدخل الذي دخل منه إمام العلمانيين قاطبة وشيخهم “علي عبد الرازق” عندما قال: «ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها، إيمان القلب وخضوعه خضوعا صادقا تاماً يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلوب اتصال، تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض، تلك للدين وهذه للدنيا، تلك لله وهذه للناس، تلك زعامة دينية وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين»(4)، «الإسلام دعوة دينية إلى الله تعالى، ومذهب من مذاهب الإصلاح لهذا النوع البشري، وهدايته إلى ما يدنيه من الله جل شأنه، ويفتح له سبيل السعادة الأبدية، التي أعدها الله لعباده الصالحين، هو وحدة دينية أراد الله جل شأنه أن يربط بها البشر أجمعين وأن يحيط بها أقطار الأرض كلها، تلك دعوة قدسية طاهرة لهذا العالم أحمره وأسوده أن يعتصموا بحبل الله الواحد وأن يكونوا أمة واحدة، يعبدون إلها واحدًا ويكونون في عبادته إخوانا، تلك دعوة إلى المثل الأعلى لسلام هذا العالم»(5)

    وهذا المدخل الطريّ النديّ جاء لتمرير الحقيقة الخشنة المظلمة القائلة بأنّ «النبيّ محمدًا صلى الله عليه وسلم ما كان إلا رسولا لدعوة دينه خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وأنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مُلك ولا حكومة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها، ما كان إلا رسولا كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكا، ولا مؤسس دولة، ولا داعياً إلى ملك» (6).

 والغاية التي تغياها علي عبد الرازق هي ذاتها التي تغياها برهان غليون، غير أنّ الأول قالها صريحة – ولعل ذلك كان مقصودا آنذاك وفق عقيدة الصدمة – أمّا الثاني فبعد أن طاف وجال بأسلوبه الرشيق بين معان ملتبسة خرجها هذا التخريج اللطيف: “لقد ولدت الدولة في الفتح، ومن الفتح وما نجم عنه من مصالح، وأصبحت ضرورة له تاريخيا، وانتصرت على الخلافة نفسها بقدر ما أصبحت القوة عنصرا حاسما في الإسلام التاريخي مقابل الإيمان الروحي والروح الجهادية … وفي النهاية لقد ولدت الدولة لأنّ النبوة ليست دائمة ولا عادية، ولا يمكن أن تكون إلا لحظة استثنائية في التاريخ، لحظة أنتجت أمة ورمتها في لجة الصراع المصيريّ لتمتحن إرادتها وقدرتها على الاستمرار”(7).

    فالدولة – إذَنْ – لم تكن موجودة قبل الفتوح وقبل اتساع الأمة وما نجم عنه من تعقيدات تستدعي قيام دولة ترعى المصالح الدنيوية، وما كان قبل ذلك أنّما هو نبوة وثورة ثم خلافة للنبوة واستدامة للثورة، وما كان بالإمكان استمرار النبوة أو الثورة إلى ما لا نهاية، لأنّ كلاً منهما لحظة عابرة وومضة ساحرة، تؤدي دورها في حياة الناس برفع مستوى السمو الإنساني ثم تمضي، وتترك الناس في صراع مع واقعهم الماديّ الخشن المتناقض؛ ليمتحن الله إيمانهم بهذا الابتلاء!!

    ويبدو أنّ العلمانيين الجدد وجدوا أنفسهم – إذْ ينكرون أنّ الإسلام دين ودولة – أمام واقع تاريخيّ يصعب إنكاره؛ حيث توالت الدول التي تحكم باسم الخلافة من لدن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سقوط الخلافة، أي على مدى ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا من الزمان؛ فركزوا ضرباتهم وصوبوا طلقاتهم على نقطة واحدة، وهي الحدّ الفاصل بين الخلافة الراشدة وبين الملك العضوض الذي بدأ ببني أمية، فأمّا الملك العضوض هذا فهو الدولة وهو النموذج التاريخيّ لدولة الخلافة ولنظام الحكم في الإسلام، فمن تحدث عن الحكم الإسلاميّ فليس أمامه إلا هذا النموذج التاريخيّ الذي يسهل مقارنته بالنظم المعاصرة وبالدولة القومية المدنية؛ للخروج بنتيجة مفادها: أنّ أفضل ما أنتجته البشرية في تاريخها كله بعد سلسلة من التطور الصاعد هو النموذج الغربيّ الأوربيّ الميلاد والهوية، وجميعها تجارب بشرية لا علاقة لها بالنبوة ولا خلافة النبوة، ولا سبب يربطها بالشريعة،اللهم إلا بعض المبادئ العامة المتناثرة هنا وهناك والتي تشترك فيها جميع الثقافات.

    أمّا فترة الخلافة الراشدة وما سبقها من العهد النبويّ فهذه قل فيها ما شئت من الأقوال التي تكثر وتتبعثر ك”حِيَلِ الْحُوَاة”، ويبدو أن السيد غليون قد وجد ضالته بعد الربيع العربيّ، فأقحم في المنظومة ذلك المصطلح المحبب للناس (الثورة)، فعهد النبوة والخلافة كان ثورة، أجل .. ثورة! وهل تدوم الثورة؟ وهل يبقى الناس ثائرون أبداً؟ إنّ الثورة كالنبوة ترفع الواقع إلى أعلى أفق ممكن، ثم تمضي وتترك الناس بعدها ينظمون حياتهم كما يملي واقعهم الذي استجد بعد الثورة وبعد النبوة!!

    وبرغم أنّ الإسلام كان ثورة بالنظر إلى ما أحدثه في الحياة من تغيير جذريّ قلب كل الأوضاع، إلا أنّه لم يكن ثورة بالمعنى الحرفيّ للثورة وإنّما كان دينا قِيَمًا ملةَ إبراهيم حنيفا، وبرغم أنّ رسالة الإسلام كانت – بالنظر إلى قوة تأثيرها وجدية مواجهتها – ثورة على الظلم والكفر والاستبداد والفساد، إلا أنّها كانت في حقيقتها وحي ونبوة ورسالة، وبرغم جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيان والسنان لم يكن زعيما لثورة ولا قائداً لجموع ثائرة، وبرغم هذه الانطلاقة الكبرى للأمة الإسلامية بما غير وجه الأرض وحول مجرى التاريخ لم يكن جيل الصحابة مجموعة من الثوار الذين جمعهم ظرف ثوريّ معين، وإنّما كانوا أمّة وصفها القرآن هذا الوصف الكبير الجليل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110).

    وإذا كانت ملامح الدولة في العصر الأول عصر النبوة والخلافة الراشدة بسيطة ببساطة الحياة آنذاك فإنّها كانت برغم ذلك واضحة وبادية يراها بوضوح كل من له عقل يعي لا عقل عيي، ولقد أدرك هذه الحقيقة وصرح بها كثير من المؤلفين المشاهير في الغرب، فهذا على سبيل المثال كاتب وفيلسوف غربيّ فرق بوضوح وإنصاف بين المسيحية والإسلام وهو يقول: “يرى المسيحيون الأوائل في الحقيقة أنّ هذا العالم حالة ميئوس منها، وعندما لم يُظْهِر مسيحيهم المنتظر أيّ إشارة إلى العودة فقط بدأوا التفكير حول: كيف سيبدو المجتمع العادل؟ بينما فكر المسلمون من ناحية أخرى منذ البداية بأنّ لديهم مجموعة منزلة إلهيا من المؤسسات الحكومية والاجتماعية والاقتصادية، بدأ المسلمون الأوائل إنجاز مهمتهم العالمية، بالفتح والحكم إضافة إلى الدعوة والقدوة، كان محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يعتقدون أنّ لديهم الحق في حكم العالم كله، واعتبر القادة المسلمون أنّهم كانوا يؤسسون نوعا جديدا من الحكومة، يستند إلى الوحي الذي تضمن تصورات عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية”(8).

    وعلى هذا النحو سار كثير من كبار المستشرقين، فهذا “توماس أرنولد” المستشرق الشهير يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان «رئيسا للدين رئيسا للدولة»(9)، ويقول الأستاذ: “جب”: «عندها صار واضحا أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مسـتقل له أسـلوبه المعين في الحـكم وله قوانينه وأنظمته الخـاصة به»(10)، ويقول الدكتور “فتزجرالد”: «ليس الإسلام دينا فحسب ولكنه نظام سياسي أيضا، وعلى الرغم من أنه قد ظهر في العهد الأخير بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنهم عصريون يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر»(11)، وغيرهم وغيرهم من أمثال: شاخت دينلليونو وستروثمان وما كدونالد، جميعهم أكدوا أن الإسلام دين ودولة، وأن الرسول أسس دينا ودولة، وأن الإسلام يشتمل على النظام السياسي والنظريات السياسية والقانونية(12)، وإن كان الإسلام بما توافر فيه من أدلة ساطعة غنيّ عن كل تلك الشهادات، ولكنّه فقط من قبيل مقابلة القول بضده؛ ليعلم كثير من بني جلدتنا أنّ كثيرا من غير المسلمين كانوا أشد إنصافا واعتدالا منهم. 

    ومحاولة تصوير عهد النبوة والخلافة الراشدة بأنّه ثورة مكابرة ومعاظلة؛ لأنّ الثورة لها ملامحها التي لا يبدو منها ملح واحد في ذلك العهد، سوى ما أحدثه الإسلام في واقع الحياة من تغيير جذريّ، وهذا الملمح مشترك بين الثورة والدولة، أمّا الدولة فجميع ملامحها قائمة في العهد النبويّ وفي عهد الخلافة الراشدة، وهذا ما سوف نتناوله إن شاء الله في مقال قادم. (يُتْبَع).


(1) نقد السياسة (الدولة الدين) – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – اللدار البيضاء – المغرب – ط الرابعة 2007م صـــــــــ88

(2) نقد السياسة (الدولة الدين) – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – اللدار البيضاء – المغرب – ط الرابعة 2007م صـــــــــ78-79

(3) نقد السياسة (الدولة الدين) – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – اللدار البيضاء – المغرب – ط الرابعة 2007م صـــــــــ46

(4) الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة الحكومية في الإسلام – على عبد الرازق دار مكتبة الحياة بيروت،  صـــ141

(5) الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة الحكومية في الإسلام – على عبد الرازق دار مكتبة الحياة بيروت، صـــــ151

(6) الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة الحكومية في الإسلام – على عبد الرازق دار مكتبة الحياة بيروت، صـــ136

(7) نقد السياسة (الدولة الدين) – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – اللدار البيضاء – المغرب – ط الرابعة 2007م صـــــــــ80

(8) الغرب والإسلام .. الدين والفكر السياسي في التاريخ العالميّ – أنتوني بلاك – ترجمة د. فؤاد عبد المطلب – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت – ط 2012م صــــ61

(9) the galiphale. Oxford، نقلا عن: “من فقه الدولة في الإسلام” د. يوسف القرضاوي، دار الشروق ط، الخامسة 2007، صــــ28

(10) Muhammed anism. 1949.p3، نقلا عن: “من فقه الدولة في الإسلام” صــــ28

(11) نقلا عن: السياسة الشرعية مصدر للتقنين صـــــ351، بالهامش، النظريات السياسية الإسلامية د. محمد ضياء الدين الريس صـــــ29

(12) انظر: النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الريس ط7، دار التراث القاهرة 1979 صـــــــ29، و”من فقه الدولة في الإسلام” صــــ27-28، ونظام الحكم في الإسلام – عبد القديم زلوم، ط السادسة 1422-2002 صــــ19

تم إعداده بمركز محكمات للبحوث والدراسات


Comments
  • ما شاء الله!!! بارك الله بالدكتور عطية عدلان على هذا المنشور الذي ينبغي أن يكتب بماء من ذهب، وأن يقرأه، بل يدرسه دراسة كل مسلم يحرص على فهم دينه الفهم السليم، ونحن في انتظار منشوره القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *