By / 4 يوليو، 2021

صلاح الدين الايوبي

فاتح القدس صلاح الدين الأيوبي

 

قد كان رحمه الله شديد المواظبة على الجهاد عظيم الاهتمام به، بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا لمن يذكره..، ويقول ابن شداد: (ما رأيته استكثر العدو أصلاً ولا استعظم أمرهم قط).

 

ولد صلاح الدين الايوبي في سنة 532 هـ/1138م في دولة العراق بمحافظة تكريت، واسمه الكامل يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، وشقيقه هو الملك المعروف سيف الدين أبو بكر أحمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان وأبوهما نجم الدين أيوب.

ورغم أنه ولد في تكريت إلا أنه في الحقيقة غادر تكريت في نفس ليلة ولادته وكانت نشأته في دمشق، وذلك بسبب انتقال والده إلى دمشق بعد مكوثه في بعلبك لمدة سبع سنواتٍ تقريبًا بوقتٍ كان فيه وليًّا على المنطقة.

 

لقب بصلاح الدين، هو سليل أشرف الأكراد، الهكارية الروادية، كما قال ابن الأثير: “وهذا النسل من أشرف الأكراد”، كانت دروس صلاح الدين الأولى التي تلقاها، القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وشيء من الفقه والعلوم الإسلامية وتاريخ الرسالة، كما تلقى فنون الفروسية والقتال وركوب الخيل واستخدام السيف والتمرس بفنون الحرب وألعابها.

ومع اشتداد عوده، تردد على دور العلم والشيوخ وأتقن أكثر فنون الفروسية وبرع في لعبة الجوكان وهي تقاذف كرة من الخشب بمضارب طويلة واللاعبون على ظهور الخيل وقد ذكر أنه كان يلعبها في مرج دمشق مع نور الدين بعد فتحها، ولا شك أن مرافقته لنور الدين تركت في ذاته الأثر الحاسم، فقد أخذ عنه أصول الإدارة والعدل في الناس، والإيمان بفريضة الجهاد ضد أعداء الإسلام والمحتلين لأرضه.

 

 تحركات صلاح الدين

دخل صلاح الدين الجو السياسي من بابه الأوسع، والجو في غاية الاعتراك والتعقيد والترقب، وميزان القوى بين الجبهة الإسلامية الناشئة وبين الصلبيين قابل لكل احتمال، لا سيما وأن الجبهة المصرية الفاطمية كانت تعاني من الفوضى والضعف الشديد، والمراقبون من الصليبيين والمسلمين مع نور الدين، ينظرون بعين القلق إلى تطوراتها، الأوائل يطمعون في الاستيلاء عليها لضمان استقرارهم ونور الدين يخشى على الجناح الاسلامي الثاني أن ينهار ويحتله الصليبيون. فيستبدوا بالأرض الإسلامية وبالتجارة الدولية ويصبح من الصعب اقتلاعهم من المشرق الإسلامي.

 

 

وتطورت الأحداث على محور الزمن وتسارعت معها المتغيرات، وعمد شاور للتحالف مع الصليبيين وإدخالهم إلى مصر فأرسل له نور الدين، أسد الدين شيركوه فقلته، وحينها أسند الخليفة العاضد الفاطمي الذي كان مجرد خليفة شكلي لا صلاحيات له تماماً كما كان حال الخليفة العباسي، أسند الوزارة إلى أسد الدين شيركوه وبعد وفاته انتقلت ليد صلاح الدين على عمر يناهز 32 سنة، ومنذ ذلك التاريخ بدأ صلاح الدين في إحداث تغييرات كبرى في مصر.

ولا يمكننا تلخيص براعة صلاح الدين في تحويل مصر إلى الجبهة الإسلامية لأهل السنة في هذا المقام، ولكن عبقريته السياسية والعسكرية برزت بجلاء في هذه الحقبة، وكانت النتيجة مبهرة.

قال صلاح الدين لصديقه ابن شداد في تلك الفترة: “لما يسر الله لي الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل (الشامي) لأنه أوقع في نفسي ذلك”.

وحين رأى صلاح الدين أنه أصبح يمتلك من القوة ما يمكنه من تحقيق مشاريعه وفق فكره وعقيدته وأنه يمكنه الاعتماد على قوتين، القوة العسكرية التي تجمعت حوله من الشام خاصة، ومن مصر، وقوة الجماعات السنية التي كانت مبعدة عن نظام الحكم وتعتبره زيغاً، وتحمل الرضا لأداء صلاح الدين وعمله وقبل ذلك عقيدته.

بدأ عطاء تلك الروح المهمومة التي يحملها جسد لا يفتر والتي لم تنقطع عن التفكير والتدبير للجماعة الفاطمية، مع العلم أنها لم تكن – الجماعة- بالهينة لا في العدد ولا في النفوذ، ولا سيما في الجيش الفاطمي، وعمل صلاح الدين على تقوية أهل السنة ونشر المذهبين الشافعي والمالكي اللذين كانا السائدين قبل استفحال أمر الفاطميين.

ويمكن القول أن الأمر تم في مصر لصلاح الدين بعد إحباطه خطة الفاطميين في التعاون مع الصليبيين للتخلص منه، فقام بقتل رئيسهم عند أول فرصة، وكان اسمه جوهر مؤتمن الدولة، وضايق صلاح الدين على عصب الفاطميين، حتى اضطروا لطلب الأمان فيما يعرف بواقعة العبيد، وكان هذا الانقلاب مصيري حاسم في حكم مصر، وانهار بذلك الجدار العسكري المذهبي الذي كان أمام صلاح الدين وتحجم نفوذ الفاطميين.

ثم النتيجة ماتت الخلافة الفاطمية في صمت وتغيرت بذلك مصائر البلاد، ومن الله على صلاح الدين بعد ذلك بالنصر في معركة دمياط وهزم الصليبيين والبزنطيين، وأصبح رجل الساعة.

يقول ابن المقفع:”إن الملك صلاح الدين عامل رعيته في بلاد مصر بخير يعجز الواصف عن وصفه وأرسى العدل وأحسن إلى المصريين وأزال مظالم كثيرة على الناس وأمر بإبطال الملاهي في بلاد مصر وأبطل كل منكر شرير وأقام حدود شريعة الإسلام، وكان يجلس للحكم بين الناس فينصف المظلوم من الظالم ويكون في مجلسه مجموعه من الفقهاء ومشاهير الدولة للنظر في القضايا بين الناس والعمل بما توجبه أحكام الشريعة والحق والعدل”.

ثم انتقل إلى مرحلة تأمين الطريق بين مصر والشام، وفي ذات الوقت عمل على ضمان ولاء الناس له في مصر بعد إلغاء الخلافة الفاطمية والإعلان عن الخلافة العباسية بأمر من نور الدين والذي تم في أول جمعة من محرم سنة 567 ه، سبتمبر 1171 م في جو من الاستعداد بعد أن هيأ صلاح الدين للأمر أسبابه من حراسة وترقب. ولكن العاضد توفي قبل أن يعلم عن الأمر شيئا بسبب مرضه الذي أقعده.

في هذه المرحلة وافت المنية القائد الفذّ نور الدين زنكي وانطلق تلميذه القائد والسياسي البارع صلاح الدين يشق عنان الأرض ليجمع مصر وسوريا والحجاز وتهامة والعراق في دولة إسلامية موحدة قوية تحيط بمملكة بيت المقدس والإمارات الصليبية من الشمال والشرق والجنوب، شديدة الوحدة والتماسك.

المرحلة الثانية

ثم انتقل إلى المرحلة الثانية من مخططه وهي محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد حينما قام أرناط آل شاتيون صاحب الكرك باعتراضه لقافلة للمسلمين فأعمل فيها قتلاً ونهباً وغدراً ثم رفض الاستجابة لمطالب صلاح الدين بإطلاق الأسرى وإرجاع الأموال، فقدم الفرصة لصلاح الدين باستدعاء الجنود لحرب أرناط، ومنذ ذلك التاريخ وصلاح الدين يعمل على حرب الصليبيين وإجلاءهم من ديار المسلمين وهو من نصر إلى نصر، حتى منّ الله عليه بواقعة حطين الشهيرة في 583 هـ-1187م، وفتح بجيشه مدينة القدس، وأطاح بالصليبيين، الذين كانوا قد استولوا على المدينة قبل 88 سنة خلال الحملة الصليبية الأولى، وبهذا تم لصلاح الدين الأمر، بعد توحيد الجبهة الإسلامية، ففتح بيت المقدس واسترجع المسجد الأقصى وطهره من رجس الصليبين الذين دنسوه بدناءة أخلاقهم وبلادة أحقادهم.

 

أعمدة تقوم عليها قبة النصر

اعتمد صلاح الدين على مفهومين أساسيين لبناء قبة النصر، الأول هو إيمانه المطلق في أن الجهاد هو الحل، والثاني، إدراكه التام أن الأمر لن يتم بدون توحيد الجبهة الإسلامية التي كانت مفككة متفرقة آنذاك، وهما ذات المفهومان اللذان انطلق منهما نور الدين زنكي ولكن الموت قطع عليه طريق العطاء.

 

رحيله .. 

وفي سنة (589هـ) اشتد به المرض فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ: ﴿لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ تبسم، وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه، ومات رحمه الله وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وغلقت الأسواق، وأخذ الناس في البكاء”.

ورحل صلاح الدين بعد أن أسس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت راية الخلافة العباسية، وبعد أن قضى على الخلافة الفاطمية التي استمرت بظلامها 262 سنة. وبعد أن أعاد لنا المسجد الأقصى معززا مكرما وزينه بمنبر نور الدين الزنكي وفاء بالعهد.

رحل وترك الجميع يرْثونه ويعترفون له بالعبقرية بما فيهم الأعداء، من بينهم فيلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا الذي زار دمشق وتوجه إلى مدفن صلاح الدين ووضع باقة زهور جنائزية على قبره عليها نقش معناه “ملك بلا خوف ولا ملامة، علّم خصومه الفروسية الحقيقية”.

فمن أراد أن يبحث عن أسباب النصر عليه أن يهيئ له قادة نجباء يقومون بأثقاله، وكذلك للجماهير دور لا يقل أهمية عن القيادات، حين تُدفع دفعا بدفة الجهاد ولا تقبل القعود أو الخذلان وتفرض مطالبها فرضا أمام الأمراء.

ولا شك في أن الظروف الراهنة ستسمح بصناعة شخصيات بقامات سامقة من العطاء والبذل والمنافسة تغيّر موازين القوى وتنقلنا من الضعف للقوة، ولكن، إلى أن يخرج لنا صلاح الدين الجديد، وإلى أن يمنّ الله علينا بجماهير تصنع الأحداث وتسّيرها بإرادة شمّاء، علينا أن نطيل الابتهال وسؤال الله من فضله العظيم.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *