By / 22 يوليو، 2020

عبدالله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين

هو القائد المجاهد و العالم  الرباني الذي وضع أسس دولة المرابطين ، كان يسير على نهج الأنبياء ، حيث كان يعلم الناس إذا ما تعارض شيء مع القرآن أو السنة فلا ينظر إليه . 

عبد الله بن ياسين

كان عبد الله بن ياسين- الزعيم الأول للمرابطين، وجامع شملهم، وصاحب الدعوة الإصلاحية فيهم، (ت451هـ=1059م)- من فقهاء المالكية.

كان من حُذَّاق الطلبة الأذكياء النبهاء النبلاء، من أهل الدين والفضل، والتقى والورع والفقه، والأدب والسياسة، مشاركًا في العلوم، قال الذهبي: «كان عالمًا قوي النفس، ذا رأي وتدبير»

 أي ذا شخصية قوية له علم وبصر بالأمور وله قدرة على حسن التصرف. وها هو ذا يَقبل القيام بهذه المهمَّة الكبيرة، التي أحجم عنها أقرانه من تلاميذ الفقيه وجاج، وفضَّل أن يُغَوِّر في الصحراء.

عبد الله بن ياسين ومهمة الأنبياء

اتَّجه الشيخ عبد الله بن ياسين صَوْب الصحراء الكبرى، مخترقًا جنوب الجزائر وشمال موريتانيا حتى وصل إلى الجنوب منها، حيث قبيلة جُدَالة، وحيث الأرض المجدِبة والحرُّ الشديد، وفي أناةٍ شديدة، وبعدما هالَه أمر الناس في ارتكاب المنكرات أمام بعضهم البعض، ولا يُنْكِر عليهم مُنْكِر، بدأ يُعَلِّم الناسَ؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكان الناس في جهل مطبق يصفه القاضي عياض -رحمه الله- بقوله: كان الدين عندهم قليلاً، وأكثرهم جاهلية، ليس عند أكثرهم غير الشهادتين، ولا يعرف من وظائف الإسلام سواهما.

ولكن ثار عليه زعماء القوم وأصحاب المصالح، فهم أكبر مستفيد مما يحدث، فبدأ الناس يجادلونه ويصدُّونه عمَّا يفعل، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجُدالي زعيم القبيلة أن يحميه.

لم يقنط الشيخ عبد الله بن ياسين، وحاول المرَّة تلو المرَّة، فضربوه وأهانوه، ثم هَدَّدُوه بالطرد من البلاد أو القتل، إلا أن موقف الشيخ لم يَزْدَدْ إلاَّ صلابة، ومرَّت الأيام وهو يدعو ويدعو، حتى طردوه بالفعل، ولسانُ حالهم: دعك عنا، اتركنا وشأننا، ارجع إلى قومك فعَلِّمهم بدلاً منا، دع هذه البلاد تعيش كما تعيش فليس هذا من شأنك. وكأني أراه رأي العين وهو يقف خارج حدود القبيلة وبعد أن طرده الناس، تنحدر دموعه على خدِّه، ويقول مشفقًا على قومه: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: .

يُريد أن يُغَيِّر ولا يستطيع، أنْفُسٌ تتفلَّتُ منه إلى طريق الغواية والانحراف عن النهج القويم، ولا سبيل إلى تقويمها، حزَّ في نفسه أن يُولَد الناس في هذه البلاد فلا يجدون مَنْ يُعَلَّمهم ويُرْشِدهم، فأراد أن يبقى، ولكن كيف يبقى؟ أيَدخل جُدَالة من جديد؟ إذًا سيقتلونه، فلو كان في مقتله صلاح لهم فأهلاً بالموت، لكن هيهات ثم هيهات!

عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين

جلس عبد الله بن ياسين يُفكِّر ويمعن النظر، فهداه ربُّه ، فما كان منه إلاَّ أن تعمَّق في الصحراء ناحية الجنوب بعيدًا في أعماق القارة الإفريقية، حتى وصل إلى جزيرة يُرَجَّح أنها تقع في منحنى نهر (النيجر)، على مقربة من مدينة تنبكتو، فمن هنا بدأ أمر المرابطين ، يصف ابن خلدون هذه الجزيرة بقوله: «يحيط بها النيل، ضَحْضَاحًا في الصيف، يخاض بالأقدام، وغمرًا في الشتاء يُعْبَر بالزوارق».

صنع عبد الله بن ياسين خيمة بسيطة، وكان من الطبيعي أن يكون في جُدَالة بعض الناس- وخاصَّة من الشباب- الذين تحرَّكت قلوبهم وفطرتهم السويَّة لهذا الدين، فحين علموا خبر شيخهم في مقرِّه البعيد هذا، نزلوا إليه من جنوب موريتانيا ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر سبعة نفر من جدالة، على رأسهم الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي ، الذي ترك قومه ومكانته فيهم ونزل مع الفقيه، وتضيف بعض المصادر أن معهم اثنين من كبار قبيلة لمتونة؛ هم: يحيى بن عمر وأخوه أبو بكر!

وفي خيمته وبصبر وأناة شديدين أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يعلّمهم الإسلام كما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وكيف أن الإسلام نظام شامل متكامل ينتظم كل أمور الحياة، وبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، والجهاد في سبيل الله، وكيف يركبون الخيل ويحملون السيوف، وكيف يعتمدون على أنفسهم في مطعمهم ومشربهم، وكيف ينزلون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يستجدون طعامهم ممن حولهم من الناس.

ذاق الرجال معه حلاوة الدين، ثم شعروا أن من واجبهم أن يأتوا بمعارفهم وأقربائهم وذويهم، لينهلوا من هذا المعين، ويتذوقوا حلاوة ما تذوقوه، فذهبوا إلى جُدالة – وكانوا خمسة رجال – وقد رجع كل منهم برجل فأصبحوا عشرة، ثم زادوا إلى عشرين، وحين ضاقت عليهم الخيمة أقاموا خيمة ثانية فثالثة فرابعة، وبدأ العدد في ازدياد مستمر.

هذا ولم يملّ الشيخ عبد الله بن ياسين تعليمهم الإسلام من كل جوانبه، وكان يكثر من تعليمهم أنه إذا ما تعارض شيء مع القرآن أو السنة فلا ينظر إليه، وأنه لا بدّ من المحافظة على هذه الأصول، فالقرآن الكريم والسنة المطهرّة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام.

تربية المرابطين

مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين، فالمائة، فالمائة وخمسين، فالمائتين، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسَّمهم إلى مجموعات صغيرة، وجعل على كلٍّ منها واحدًا من النابغين، وهو منهج رسول الله  حين كان يجلس مع صحابته في مكة يُعَلِّمهم الإسلام، وفي بيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلاً من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسمًا، وجعل على كل قسم (خمسة نفر) منهم نقيبًا عليهم، ثم أرسلهم مرَّة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.

وهكذا -أيضًا- كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى بلغ العدد في سنة (440هـ=1048م)، بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى الجزيرة إلى ألف نفس مسلمة، {نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: .

فبعد أن طُرد الرجل وأُوذي في الله وضُرب وهُدِّد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدًا طريدًا شريدًا، ثم في زمن لم يتعدَّى أربع سنوات يتخرَّج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من فهم الإسلام وفقه الواقع.

أصل كلمة الرباط 

هي ما تُربط به الدابَّة، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمَّنْ خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد ، وروى البخاري بسنده عن سهل بن سعدٍ الساعديِّ t أنَّ رسول الله r قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا…» الحديث

ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يَتَّخِذُون خيامًا على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويُجاهدون في سبيل الله؛ فقد تَسَمَّى الشيخ عبد الله بن ياسين ومَنْ معه ممن كانوا يُرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.

إنَّ مَنْ يقرأ عن الشيخ عبد الله بن ياسين والمرابطين الذين كانوا معه قراءة عابرة، يظنُّ أنهم جماعة من الناس اعتزلوا قومهم ليعبدوا الله بعيدًا عن ضوضاء العمران ومشاكل الناس فحسب، ولم يكن الأمر كذلك على الإطلاق؛ بل كان هذا الاعتزال جزءًا من خطة كبيرة، يتمُّ تنفيذها خطوة بعد خطوة، بفهم سليم وعمق في التفكير، ودقَّة في التخطيط، وبراعة في التنفيذ.

عندما وصل عدد المرابطين إلى ألف، بعثهم الشيخ ابن ياسين إلى أقوامهم لينذروهم، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات، واتباع أحكام الدين الصحيح، ففعلوا ما أُمروا به، ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى ومجانبة التقاليد المنافية للدين، فلم يُصْغِ لهم أحد من أقوامهم، فخرج إليهم عبد الله بن ياسين بنفسه، واستدعى أشياخ القبائل ووعظهم، وحذَّرهم عقاب الله، ونصحهم باتباع أحكامه، فلم يلقَ منهم سوى الإعراض والتحدي، فعندئذٍ قرر عبد الله وصحبه إعلان الحرب على أولئك المخالفين .

وبالفعل بدءوا يستعدُّون لغزو البلاد والقبائل المحيطة بهم، وأرسلوا يُنذرون ويُعذرون، ثم بدأت غزواتهم بالفعل للقبائل والبلاد، ففتحوا الكثير منها، وأخضعوا القبائل المحيطة بهم، وتسامع بهم فقهاء بعض البلاد الأخرى، فأرسلوا إليهم ليُخَلِّصُوهم من حكامهم الطغاة.

يحيى بن عمر اللمتوني

استشهد أمير المرابطين يحيى بن إبراهيم الجدالي في إحدى الغزوات المرابطية، والأمير يحيى هو الرجل الذي بدأ به أمر المرابطين، وهو أحد السبعة الذين انعزلوا مع الشيخ ابن ياسين في الرباط بعد أن أُخرج من أراضي جدالة في أول الأمر، فعرض عبد الله بن ياسين الزعامة على جوهر الجدالي ولكن جوهرًا زهد فيها وأعرض عنها، فما كان من عبد الله بن ياسين إلا أن اتخذ قرارًا حكيمًا وبعيد النظر حقًّا، ألا وهو صرف الزعامة إلى يحيى بن عمر اللمتوني ،  وقد كان هو وأخوه فقط من قبيلة لمتونة –ثاني القبائل الكبرى في المنطقة- مع السبعة من جدالة، الذين انحازوا إلى الرباط مع الشيخ ابن ياسين في أول الأمر.

وفي الحقيقة نحن لا نستبعد أن يكون الشيخ ابن ياسين قد اتفق مع جوهر الجدالي –زعيم جدالة بعد يحيى- على التنازل عن الرئاسة ليحيى بن عمر اللمتوني؛ لِمَا في تولِّيه الرئاسة على قوم غالبيتهم من جدالة  من معانٍ تربوية تقاوم ترسبات العصبيات القديمة، كذلك لما في هذا من مصلحة الدعوة وجذب اللمتونيين، فلقد كان يحيى وأبو بكر من زعماء لمتونة، لكنهما تركا هذه الزعامة لِما آمنا به من دعوة الشيخ عبد الله بن ياسين. ولقد كان لا بُدَّ من عرض الأمر أولاً على جدالي فيتركها لئلاَّ يظن الجداليين ظنًّا سيئًا بالطريقة التي جعلت لمتونيًّا زعيمًا عليهم؛ إن آثار التعصب القبلي والعائلي لا تزول في سنوات قليلة، وكان لا بُدَّ من مراعاتها في مثل هذه القرارات الفارقة، ولقد شهد التاريخ أن الشيخ ابن ياسين قد نجح بالفعل في هذا القرار الفارق، وصار يحيى بن عمر اللمتوني زعيمًا للمرابطين.

كان هذا في سنة (445هـ=1053م)، وبالفعل وبتأثير من هذا القرار وكذلك بازدياد نطاق الجهاد المرابطي، الذي تساقطت أمامه الإمارات والقبائل الصغيرة والمتناثرة، اتسعت دولة المرابطين ودخل في سلطانها الآلاف من الناس.

وفي مثال لحُسن الختام وبعد قليل من دخول قبيلة لَمْتُونة في جماعة المرابطين يستشهد زعيمهم الشيخ يحيى بن عمر اللمتوني في إحدى غزواتهم سنة (447هـ=1055م)، ثم يتولَّى من بعده أخوه الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني.

أبو بكر بن عمر اللمتوني

وقد دخل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بحماسة شديدة مع الشيخ عبد الله بن ياسين، وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأدخلوا معهم جُدَالة، فأصبحت جُدَالة ولَمْتُونة -وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا- جماعة واحدةً تمثِّل جماعة المرابطين.

إستشهاد المجاهد عبدالله بن ياسين 

ثم تنتهي قصة المؤسس الكبير والاسم الخالد الشيخ عبد الله بن ياسين باستشهاده في حرب برغواطة التي كانت –كما يقول المؤرخون- على غير ملة الإسلام، في سنة (451هـ=1059م) بعد أن أمضى أحد عشر عامًا من تربية الرجال على الجهاد.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *