By / 17 أغسطس، 2020

عصام العريان الطبيب متفوق .. والصابر المحتسب

عرفه الناس سياسياً بارزاً ومتحدثاً لبقاً ونقابياً خدوماً، لكن من اقترب منه أو زامله في عمل أو صحبه في سفر أو رافقه في سجن وجد فيه عابداً زاهداً مثقف الفكر، حريصاً على وقته، مجاهد لنفسه.محباً لدينه وأمته.
كان جريئاً في الحق، مبادراً مجتهداَ سباقاً ومسارعاً في الخيرات.

كان حافظاً متقنا لكتاب الله، يراجعه دائماً في صلوات النوافل، ويصلي بالناس به إماماً في صلاة التراويح، كان لا ينتظر حتى تقام الصلاة بل يقوم إليها قبل أن يؤذن لها، قضى جزءا طويلاً من عمره في السجون من أجل نصرة دينه فلم تلن له قناة، ولم يداهن ولم يستسلم.

النشأة والفكر

وُلد الدكتور عصام العريان في 28/4/1954م بقرية ناهيا مركز إمبابة بمحافظة الجيزة ومثل جميع الأطفال التحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة ناهيا الابتدائية للبنين وأتمَّ هذه المرحلة بمجموع 94% ثم أكمل دراسته وأتمَّ التعليم الإعدادي والثانوي بمدرسة الأورمان النموذجية بالدقي بمجموع 91%.

الدكتور عصام الدين محمد حسين محمد حسين العريان الشهير بـ”عصام العريان”.. رجلٌ كله طموح وأمل¡ كثيرًا ما ترى البسمة ترتسم على وجه المضيء عندما يتحدث تشعر وكأن موسوعةً ثقافيةً تفجرت..

كانت علامات الذكاء والنبوغ تظهر على عصام العريان طوال فترة حياته فما أن التحق بكلية الطب بجامعة القاهرة حتى برز تميزه في دراسته ولم يقتصر الأمر على الدراسة فحسب بل إنه كان من أنشط زملائه في العمل الطلابى إذ كان عضوًا نشطًا مؤسسًا للنشاط الإسلامي آنذاك ليس في جامعة القاهرة وحدها بل في جامعات مصر كلها
وبعد ذلك أصبح أميرًا للجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة ثم منسِّقًا لمجلس شورى الجامعات في الاتحاد العام للجمعيات والجماعات الإسلامية في نهاية السبعينيات.

كانت هذه الفترة وتلك المناصب التي تولاَّها عصام العريان كفيلةً بأن تلفت الأنظار إليه حيث همَّتُه العالية ونشاطُه الفائق في فترة شبابه حيث شهد له الجميع بأخلاقه العالية وشدة تديُّنه وحرصه على التفوق في دراسته حتى أصبح العريان واحدًا من النوابغ الذين لم تشهد مصر مثلهم في ذلك الوقت ولم يعد أحدٌ في جامعات مصر كلها لا يعرف من هو عصام العريان.

ومع كل نشاطاته وأعماله التي كان يقوم بها إلا أنه كان حريصًا على أن يظهر نبوغه في دراسته فما لبث أن أنهى دراسته في كلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة وحصوله على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1977م بتقدير جيد جدًا

ثم حصل على ماجستير الباثولوجيا الإكلينيكية سنة 1986م بتقدير جيد جدًا من جامعة القاهرة ثم سجَّل العريان رسالة الدكتوراه في الطب بجامعة القاهرة لكنَّ الاعتقال الذي كُتب عليه بين الحين والحين حالَ بينه وبين إتمام رسالة الدكتوراه.

ولم يكتف العريان بدراسة الطب بل إنه التحق بكلية الحقوق ودرس بها وحصل على ليسانس الحقوق بجامعة القاهرة عام 1992م بتقدير جيد جدًّا ثم التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة قسم التاريخ فحصل على ليسانس الآداب عام 2000م بتقدير جيد جدًا وبعد ذلك حصل على إجازة التجويد في القرآن الكريم في عام 2000م حتى أصبح العريان بحرًا من العلم والمعرفة .

جمع بين دراسة التاريخ وإجازة القرآن الكريم تاريخ الأمة الرائدة في حضارتها العادلة في أحكامها ذلك التاريخ الذي طغى عليه أربابُ السلطان الفاسد درس القرآن الذي يأمر بالرحمة والعدل ولكن هيهات هيهات لقلوبٍ ختم الله عليها بظلمها وقسوتها!!

فهل يُعقل أن يُعتقل ويُضطَّهد رجلٌ مثل هذا الرجل بفكره الإسلامي المدني النهضوي وثقافته التي تسعى من أجل تحضر الوطن وتقدمه ومدنيته.. رجل صاحب فكر يدعو إليه ولكن منافسيه الضعفاء لا يُجيدون الحوار بالفكر والمجابهة به ولكن يجيدون الاعتقال والحكم بالحديد والنار يجيدون تفتيش المنازل وإرهاب الآمنين!!

انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين

التحق الدكتور عصام العريان بجماعة الإخوان المسلمين وأصبح قياديًّا ضمن صفوف الجماعة وما لبث أن انتُخب عضوًا في مجلس الشعب المصري عن جماعة الإخوان المسلمين في الدورة البرلمانية من عام 1987 إلى عام 1990م عن دائرة إمبابة بمحافظة الجيزة وكان أصغر أعضاء مجلس الشعب سنًّا.

انتُخب عضوًا بمجلس إدارة نقابة أطباء مصر التي تضم 120 ألف طبيب منذ عام 1986 وحتى الآن وشغل موقع الأمين العام المساعد طوال هذه الفترة.

شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات السياسية والبرلمانية والثقافية والفكرية في مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي وأوروبا وأمريكا وأسهم بعدد من أوراق البحث والتعقيبات في هذه المؤتمرات.

كتب العريان في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية في مختلف الموضوعات خاصةً الشئون الإسلامية والسياسية المصرية والعربية وقام بتشكيل ملتقى التجمعات المهنية لمناصرة القضية الفلسطينية كمؤسسة شعبية تهدف إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني.

رجل بقدر ما عليه عصام العريان كفيلٌ بأن تحتفي به أمته وتنهل منه مراكز أبحاث وتستفيد من علمه وفكره جامعات لكنه في بلدٍ كل ما يهمُّ من يحكمه هو ترسيخ حكمه تجده مضطهدًا.. محاصرًا.. ممنوعًا من السفر.. معتقلاً..

هذا عصام العريان القيادي في جماعة الإخوان المسلمين وأحد رموز الإصلاح في العالم العربي والإسلامي رجل لا يوجد رجل مثله في مصر كلها ولا يوجد في هذا النظام الحاكم أحد مثله إن أردت أن تتحدث عن السياسة فقل عنه ما شئت إن أردت أن تتحدث عن الثقافة بمختلف فروعها دينية واجتماعية وتاريخية فقل عنه ما شئت!

أهم ما يميز حياة الدكتور عصام العريان هو كثرة الاعتقال.. الاعتقال في محاولات فاشلة لمحاصرة الكلمة! يفعل النظام كل ما هو مشروع وغير مشروع في سبيل ذلك.

اعتقاله

فقد اعتُقل العريان في المرة الأولى لمدة عام واحد وذلك قبيل اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات¡ وذلك من بداية سبتمبر لعام 1981م حتى نهاية أغسطس لعام 1982م

أما المرة الثانية فكانت لمدة خمس سنوات وذلك وفقًا لقرارات المحاكم العسكرية التي حكمت عليه بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وإدارتها وذلك من عام 1995 وحتى عام 2000م.

أما المرة الثالثة فكانت في عام 2005 واستمرت لمدة خمسة أشهر من شهر مايو إلى شهر أكتوبر.

وأما المرة الرابعة فكانت بسبب تضامنه مع القضاة الذين رفضوا تزوير الانتخابات النيابية وأعلنوا أنه كان هنالك تزويرا قد حدث ووجِّهت له بعض التهم كان من أحدها تعطيل المرور واستمر الاعتقال لمدة سبعة أشهر بدأت من شهر مايو وانتهت في شهر ديسمبر.

ولم يمكث في بيته سبعة أشهر حتى حدث الاعتقال للمرة الخامسة في 17/8/2007م ، وأفرج عنه في أكتوبر من نفس العام وذلك بعنبر تحقيق المزرعة بسجن طرة.

اعتفل هو وسعد الكتاتني ومحمد مرسي قبيل فاعليات جمعة الغضب يوم 28 يناير 2011. وبعد انسحاب عناصر الشرطة من الشوارع وإحراق بعض أقسام الشرطة والإعلان عن حالات تمرد للمساجين خاصة في السجون، اقتُحم سجن وادي النطرون، وهرب السجناء منه، وكان من بين السجناء فيه: محمد مرسي وعصام العريان وسعد الكتاتني وسعد الحسيني وصبحي صالح وغيرهم.

25 يناير و ما بعدها .

بعد ترشح محمد مرسي لانتخابات الرئاسة المصرية سنة 2012، أصبح منصب رئيس الحزب شاغرًا، فتنافس العريان مع محمد سعد الكتاتني على انتخابات رئاسة الحزب، لكن خسر العريان، وتم انتخاب الكتاتني رئيسا لحزب الحرية والعدالة في 19 أكتوبر 2012.

بعد فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، انضم العريان للفريق الاستشاري لمحمد مرسي. لكنه استقال من هذا المنصب في يناير 2013، قال الدكتور ياسر علي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، أنه قُبلت استقالة الدكتور عصام العريان من الهيئة الاستشارية للرئيس، لأن هناك صعوبة أن يجمع العريان بين عمله البرلماني واستشارته في الرئاسة.

ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013

بعد أن أطاح الجيش بالرئيس مرسي في يوليو 2013، هاجم العريان قادة الجيش الذين وصفهم بالانقلابيين، وكان من المشاركين في اعتصام رابعة العدوية، ومن المتحدثين على منصة الاعتصام، وبعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة اختفى العريان عن أنظار السلطات الأمنية التي أصدرت قرارًا بمنعه من السفر، وقامت بالبحث عنه لاعتقاله، حتى اعتقل صباح يوم الأربعاء الموافق 30 أكتوبر 2013 في ضاحية القاهرة الجديدة. ودخل في سلسلة من المحاكمات، من بينها قضايا الهروب من سجن وادي النطرون، والتخابر مع حماس والقضية المعروفة باسم مسجد الاستقامة، وقضية اقتحام الحدود الشرقية وأحداث قليوب وقضية أحداث البحر الأعظم. وحكم عليه بالسجن المؤبد مع 10 آخرين في قضية اقتحام الحدود الشرقية، بالإعدام بقضية فُض اعتصام رابعة وقام دفاعه بالطعن على الحكم، كما حُكم عليه نهائيًا بالسجن 20 سنة بأحداث الاتحادية.

وفاته

بعد سبعة أعوام قضاها في سجون الانقلابيين ، و التضييق المستمر و القتل الممنهج من خلال منع دخول الدواء و غيرها من المستلزمات الأساسية ، و تدهور صحته و منعه من العرض على طبيب السجن ، توفى الدكتور عصام العريان صباح يوم الخميس 13/8/2020 ، بعد تاريخ مشرف مليء بالإنجازات و الدفاع عن الحق .


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *