By / 10 فبراير، 2020

متى بدأت (عسكرة الإعلام)؟

لم تكن وزارة الإعلام وما يتبعها من نوافذ ومؤسسات إعلامية بعيدة عن العسكرة هي الأخرى كغيرها من الوزارات، وعلى الرغم من أن حرية التعبير لم تكن مكفولة بالقدر الكافي إبان عهد المخلوع حسني مبارك، إلا أنه قد اتيحت بعض نوافذ الغضب للمعارضين نوعا ما، أما في وقتنا الحالي فإن سلطات الانقلاب قيدت الحريات ووأدت المعارضة، واعتقلت الصحفيين وقتلتهم، كما أنها تحكمت في الإعلام عن طريق كيانات شكلية. 

بدأت العسكرة منذ تنحي مبارك وأخذت في التوسع، والآن فقد تمكنت السلطات من السيطرة على الصحافة سيطرة تامة، فأفاضت الأموال على نقابة الصحافيين، حتى حققت فائض ميزانية 62 مليون جنيه، ما يعني أنه لا يستطيع أي رئيس تحرير في الوقت الحالي الدفاع عن أي صحفي يتم القبض عليه بتهمة حيازة كاميرا، وهذا ما يحدث  بالفعل. 

ما بعد ثورة يناير

على مدار عامٍ ونصف، أي عمر المرحلة الانتقالية، كان هناك صراع بين الصحافة والمجلس العسكري في ثلاث جبهات، وكان ظهور الصحافة الشعبية كمشارك جديد في نقل الحدث عائقًا جديدًا أمام الجيش في السيطرة على مصادر تدفق الأخبار.

عقب تنحي مبارك في 11 فبراير 2011، تولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، وحصل على شرعية دستورية مكنت له إصدار الإعلانات الدستورية في ظل غياب مجلس الشعب، حيث نقلت الصحافة اعتداءات الشرطة العسكرية على متظاهري التحرير في جمعة “الوفاء”، إذ اعتقلت العشرات منهم، وحاكمتهم عسكريًّا، وهو ما سبب استياء شعبيا، وقد حذف أرشيف تلك الواقعة حُذِف تمامًا من الصحف المصرية، ولا يوجد على الإنترنت خبر تلك الحادثة إلا في الجرائد العربية.

مجّد الإعلام الحكومي الثوار طالما أن ذلك لم يكن يتعارض مع تمجيد المؤسسة العسكرية. وأصبح كل مايتعلق بالثورة حديث الساعة، حيث أصبح النشطاء ضيوفاً دائمين على البرامج الحوارية وأجروا مقابلات صحافية متكرّرة.

وثّق الصحفيون أعمال العنف التي قامت بها القوات المسلحة، والتي تمثلت في كشوف العذرية، واقتحام مسجد العباسية بالأحذية، وإطلاق الرصاص الحي، وبعد أحداث مجلس الوزراء، نفى المجلس العسكري قيام قواته بسحل فتاة وتجريدها من ثيابها؛ وهو الخبر الذي أثار جدلًا دوليًّا واسعًا، لكن الصحافة أحرجت المجلس أمام الرأي العام الدولي، ونشرت فيديو الواقعة، ما جعل المجلس العسكري يتقدم برسالة اعتذار إلى الشعب المصري

تكوين لجنة الإعلام العسكري

بعد فترة وجيزة جدا، بدأ تمجيد وسائل الإعلام الحكومية للنشطاء يتقلّص لصالح المجلس العسكري للقوات المسلحة، وبدأت حرية التعبير تواجه بعض التهديدات والتحدّيات الخطيرة عندما بدأ النظام بتضييق الخناق على الحريات الإعلامية.

بعد ذلك بوقتٍ قصير، أصبح الإعلام الحكومي مؤيّداً قوياً للنظام العسكري، وقام بحملات تشهير لتشويه سمعة الثوار، وتم تصوير الثوار باعتبارهم “بلطجية” أما التظاهرات المناهضة للمؤسسة العسكرية فقد “وُصِفَت بأنها أحداث خطيرة ومزعزعة للاستقرار يحرّكها عملاء أجانب”.

تعرّض الأشخاص الذين انتقدوا المؤسسة العسكرية إلى الترهيب من جانب النظام بوسائل عديدة. ففي مارس 2011، بدأت المؤسسة إخضاع المدوّنين والصحافيين إلى محاكمات وتحقيقات عسكرية.

أعلن المشير محمد حسين طنطاوي- عقب حادثة “سحل الفتاة”- تشكيل لجنة الإعلام العسكري الوطني، مكونة من 11 ضابطًا، مهمتهم الأساسية تقديم تغطية إيجابية عن الجيش إلى وسائل الإعلام، وهو ما فسره البعض بأن المجلس يحاول عسكرة الصحافة لتجميل صورته عبر الكيان الموازي الجديد.

لجنة الإعلام العسكري لم تكن في حقيقتها خُطة الجيش المعلنة، فالأحد عشر ضابطًا أصبحوا أكثر من 15 لواءً تقلدوا أعلى المناصب الوظيفية في الإعلام الحكومي؛ فبعد خمسة أشهر من الثورة التي ألغت وزارة الإعلام، عاد المنصب من جديد ومعه خريطة “الكيان الموازي” كاملة، وكانت مكونة من 10 عسكريين، على رأسهم اللواء أحمد أنيس، أول وزير إعلام بعد الثورة، ورئيس الشؤون المعنوية الأسبق للقوات المسلحة.

إغلاق القنوات عقب الانقلاب العسكري

عقب الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أصيب المدافعون عن حريات الإعلام بالقلق من حقيقة أن الجيش أغلق القنوات الإسلامية “مصر 25″ و”الحافظ” و”الناس” في غضون ساعات من إطاحة مرسي، كما تمت مداهمة قناة “الجزيرة مباشر مصر” فيما كانت تبثّ على الهواء، واعتُقِل خمسة موظفين فيها.

وأُعلِنَت حالة الطوارئ في أغسطس 2013 لمدة ثلاثة أشهر في أعقاب عملية فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وفي سبتمبر من العام نفسه، صدر حكم محكمة لقناة “الجزيرة مباشر مصر” وثلاث قنوات إسلامية أخرى، هي “أحرار 25″ و”القدس” و”اليرموك”، بالتوقف عن البثّ، تبعها إغلاق مكاتب صحيفة حزب جماعة الإخوان المسلمين، الحرية والعدالة.

واجه الصحفيون درجات متفاوتة من المضايقات، ولاسيّما من السلطات وكذلك من أنصار جماعة الإخوان المسلمين، الذين باتوا يشكّلون الآن المعارضة السرّية منذ أن تم اعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية.

قوانين لتكميم الأفواه

بعد تولي السيسي الحكم في 2013  بدأت الحكومة أول قراراتها بمصادرة جريدة تابعة للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ثم أصدر البرلمان مشروع قانون الإرهاب، والذي جاءت فيه المادة 33، والتي نصت على أن “يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عملية إرهابية، بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن”.

كما أقر فيما بعد  قانون الإعلام المُوحًّد الذي أعطى لرئيس الجمهورية الحق في تعيين ما يقرب من ربع أعضاء المجلس والهيئتين، بخلاف بقية ممثلي الحكومة والسلطة التنفيذية؛ وبعد يومين من تشكيل المجلس الوطني للإعلام، الذي أقره القانون المُوحَّد، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا حذرت فيه أربع مؤسسات صحافية باللجوء إلى الإطار القانوني.

 كما تم استحداث قانون “الكيانات الإرهابية” الذي تم على أثره اعتبار أكثر من ألف شخص على لائحة الإرهابيين، وتم التحفظ على أموالهم؛ وبموجبه ترشح النيابة العامة عدة أسماء لوضعها على قوائم الإرهاب، دون حضور جلسات للدفاع أو الطعن، الأمر الذي يعني حرمانهم من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، إضافةً إلى توابع أخرى.

اقتحام نقابة الصحفيين

في مايو 2016 تم اقتحام قوات الأمن لمقر نقابة الصحفيين وإلقاء القبض على صحفيين هما “عمرو بدر” و”محمود السقا” من داخل مقر النقابة، لاتهامهم بالتحريض على التظاهر، وكان ذلك قبل ساعات من اليوم العالمي للصحفيين، وخلال احتفالات النقابة بعيدها الماسي.

ولم تتعرض في تاريخها لمثل ذلك، في ظل نص قانوني بالمادة 70 من قانون النقابة على “ألا يجوز تفتيش مقار نقابة الصحفيين ونقاباتها الفرعية أو وضع أختام عليها إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة وبحضور نقيب الصحفيين أو النقابة الفرعية أو من يمثلها”.

ولم تقف الواقعة عند هذا الحد، بل أنه تم إلقاء القبض على نقيب الصحفيين آنذاك يحيى قلاش ووكيلا النقابة حينها خالد البلشي وجمال عبد الرحيم، بتهمة إيواء صحفيين مطلوبين أمنيا، وصدر بحقهم حكم بالحبس عامين وكفالة 10 آلاف جنيه، قبل أن تقضي محكمة جنح مستأنف قصر النيل، في 25 مارس 2017 بقبول استئناف “قلاش والبلشي وعبد الرحيم”، وقضت بتخفيف الحكم إلى سنة لكل متهم مع الإيقاف لمدة ٣ سنوات.

ووصف حقوقيون مصريون الحملة الأمنية التي يتعرض لها الصحفيين بمصر، خلال الفترة الحالية، بأنها الأعنف والأشرس منذ الانقلاب العسكري، حيث تم اعتقال 4 صحفيين خلال أسبوع واحد، وظهور اثنين آخرين بعد إخفاء قسري لمدة 70 يوما، بالإضافة لاقتحام موقع “مدى مصر”، واعتقال عدد من محرريه قبل إطلاق سراحهم لاحقا.

ووثقت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اعتقال 54 صحافياً نقابياً في مصر، لكن هذا العدد يرتفع في إحصاء المرصد العربي لحرية الإعلام إلى نحو 106 محتجزاً (صحافيين ومراسلين ومصورين ميدانيين ومتدربين)، ما بين حكم بالسجن أو الحبس الاحتياطي.

حجب المواقع الإلكترونية 

في 24 مايو 2017 قامت السلطات المصرية بحجب 21 موقع وِب، كانت أغلب المواقع المحجوبة هي مواقع إخبارية. لاحقًا، توسعت السلطات في حجب مواقع الوِب لتشمل عددًا ضخمًا من المواقع التي تقدم محتوى وخدمات مختلفة حتى وصل عدد المواقع التي تعرضت للحجب إلى 513 موقعًا على الأقل.

في أغسطس 2017 بدأت السلطات المصرية في حجب المواقع التي تقدم خدمات “في بي ان” والبروكسي، وقد توسع نطاق حجب هذه النوعية ليشمل العدد الأضخم من المواقع. والجدير بالذكر هو وجود عدد كبير من هذه المواقع المحجوبة في حين أنها لم تعد تعمل أصلًا.

وتتم إجراءات حجب المواقع الإلكترونية في مصر بحجة (نشر معلومات كاذبة، الدعوة إلى العنف، التحريض، الترويج لجماعة أسست على خلاف القانون، دعم الإرهاب). وهي نفس الإتهامات التي توجهها السُلطات المصرية، ضد المعارضين دون تقديم مسوغات قانونية أو أدلة جنائية.

وكانت الكثير من المواقع التي تم حظرها بمثابة منصات إلكترونية للأراء الحرة والنشطاء الذين لا يُسمَح لها بالظهور في وسائل الإعلام مثل التلفزيون والصحف المطبوعة، التي في قبضة الدولة منذ عقود وحتى جاء السيسي إلى السُلطة في 2013 .

السيطرة على المؤسسات الإعلامية 

اتجه نظام الانقلاب  لتأميم القنوات الخاصة المملوكة لرجال الأعمال، عبر شراء أسهم أكبر المؤسسات والقنوات الإعلامية؛ بعد أن استحوذ رجل الأعمال أبو هشيمة على غالبية أسهم المنصات الإعلامية لا سيما وأنه مشهور في نظر العديد من المراقبين بأنه ورقة النظام الرابحة .

واستحوذ أبو هشيمة على أغلبية أسهم جريدة اليوم السابع، وقناة النهار الفضائية، وصحيفة صوت الأمة إضافة إلى قناة أون تي في، كما قام بشراء شركة دي ميديا صاحبة راديو”9090″ وموقع “مبتدأ.نت”، المعروفين بتبعيتهم المباشرة لجهاز سيادي، كما كشفت بعض التسريبات الصحافية امتلاك أبو هشيمة 51% من أسهم قنوات دي إم سي.

وقد تم إنشاء قنوات دي إم سي، بميزانية تخطت 120 مليونًا، وتعتبر أحدث أستوديوهات موجودة في مصر على النسق الأوروبي، وحتى الآن فليس معروفًا من هو المالك الرسمي لتلك القنوات، وألمحت مصادر صحفية أن المخابرات هي من تقف وراء تعيين طاقم العمل؛ وتستقطب هذه القنوات الإعلاميين المؤيدين للنظام، في الوقت التي تعاني فيه بقية القنوات الأخرى أزمات مالية تسببت في تسريح العشرات.

.ونتيجة سيطرة رجال الأعمال مثل أبو هشيمة، وطارق سليم، ومحمد الأمين، وطارق نور، حدث تغيير في الخريطة الإعلامية؛ إذ تم استبعاد الإعلاميين المعارضين، إضافة إلى استبدال الوجوه المحروقة.

 كما تولي المتحدث العسكري الرسمي السابق محمد سمير إدارة قنوات العاصمة، منصب نائب رئيس شركة “شيري ميديا” التي يمتلكها رجل الأعمال إيهاب طلعت، ثم أصبح سمير مديرًا لقناة العاصمة، إضافة إلى الدور المجهول لضابط الجيش السابق أحمد شعبان، وهو مدير مكتب اللواء عباس كامل الذي هو مدير مكتب السيسي.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *