By / 2 أبريل، 2020

فصول أفغانية من فن التجسس

الكاتب/ أحمد الحمدان

فرغت من كتاب (فن التجسس) لهنري كرامبتون، وهو كتاب متعدد الوجوه، يستفيد منه المهتم بقضايا الأمن، والسياسة، والعسكرية، والبيروقراطية وأثر القطاع الخاص والتكنلوجية على المجال الأمني في المستقبل.

وقد كتب الأستاذ أحمد مولانا مقالًا في عدد سابق من مجلة (كلمة حق) عن جزئية قد ارتآها، وهي (ثغر شاغر) في ترجمة الكتب والمراجع الأمنية التي لم تترجم إلى العربية حتى الآن.

وأنا لن أتكلم عن كل النقاط التي تستحق أن تُعرض في هذا الكتاب؛ بل سوف أحصر الكلام في الغالب عن لب الكتاب وقضيته الأبرز، وهو الغزو الأمريكي لأفغانستان إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

يقع كتاب (فن التجسس) لهنري كرامبتون في (389) صفحة من ترجمة وطباعة: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.

الكتاب كتبه قائد العمليات في وكالة الإستخبارات المركزية (CIA)، والذي انتهى بهِ المطاف كمنسق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الإرهاب.

تأتي أهمية هذا الكتاب كون المؤلف هو قائد العمليات في وكالة الاستخبارات المركزية أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان، وأن الكتاب تقريباً كله يتمحور حول مكافحة الإرهاب ودوره الميداني في ذلك.

وهنا لا ننسى أمرين، الأول: أن غالبية كتب الاستخبارات التي كتبها الضباط المتقاعدون باهتة بلا طعم، وسبب ذلك ما ذكره الصحفي ستيفن غراي في مقدمة كتابه “أسياد الجاسوسية” إذ قال موضحاً النقطة التي يتميز بها كتابه: (قد حاولت المحافظة على المسافة التي تفتقر لها معظم المنشورات الرسمية أو الكتب التي ألفها جواسيس متقاعدون، والذين -وإن لم يقروا بذلك- عليهم أن يسلّموا نصوص كتبهم لتوافق عليها أجهزة الاستخبارات).

وطبعاً هنري كرامبتون لم يكن من الذين لم يقروا بذلك بل أقروا بذلك في خاتمة كتابه فقال أن: (أعضاء مجلس مراجعة المنشورات في وكالة الاستخبارات المركزية قد أخطأوا في بعض ما حذفوه).

لذلك تراه لا يُعيّن أسماء الدول عندما يذكر حوادث الجاسوسية، فيكتفي بالوصف العام؛ (في دولة أفريقية حصل فيها تمرد) ثم لو محّصت الدول لوجدت أن غالبية الدول حصل فيها تمرد مما يُضعف من شأن هذه الرواية التاريخية.

ثم أصبح الكلام في الكثير من الأحيان يدور عن الإجراءات البيروقراطية من لقاءات واجتماعات ومناصب ونحوها من أمور. أي يمكن استنباط تاريخ اتخاذ القرارات وكيف حصلت. أكثر من الكلام عن العالم الخفي كما هو الحاصل في فصول أفغانستان.

الثاني: تلميع صورة وكالة الاستخبارات المركزية، يشتكي هنري من أن هنالك هجوماً أو صورة نمطية مغلوطة عن دور الاستخبارات في الذهنية الأمريكية، وأن هذه الصورة وإن تحسنت بعد الحادي عشر من سبتمبر إلا أنه ما لبثت أن عادت إلى ما كانت عليه، ولا ننسى أن هنالك كتباً أيضاً أسهمت في رسم تلك الصورة مثل كتاب (إرث من الرماد) لتيم واينر، وقد قال ستيفن غراي عنه: (فقد أثار هذا الكتاب –الذي يصف عقوداً من العثرات والإخفاقات الدموية، والنشاطات ذات النتائج العكسية- حنقاً في وكالة الاستخبارات المركزية التي أعلنت في بيان نادرٍ، إن لم نقل لم يسبق له مثيل بشأن الكتاب عن الوكالة أن واينر قد شوَّه التاريخ بشكل متكرر: “مدعوماً باقتباسات انتقائية، وتأكيدات شاملة، وافتتانٍ بالسلبيات، تغاضى واينر عن إنجازات الوكالة أو قلل من شأنها أو شوهها”).

فكان من الطبيعي أن يخرج من رحم هذه المؤسسة من ينافح عنها ويدفع بهذه الصورة؛ ولو أظهر شيئاً من المثالية النرجسية!

فقد أعلى المؤلف من شأن وكالة الاستخبارات المركزية مقابل غيرها من الوكالات الاستخباراتية في أمريكا، فمثلًا مما ينقمه على مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن تلك الأخيرة بسبب عملها تحت وزارة العدل؛ جعلت عملها متلازماً مع إثبات الأدلة وإدانة الجاني، ويصبح عملها الاستخباراتي مترادفاً مع هذه المعاني التي رأى فيها أنها تُقيّد من العمل الخفي وتجعله أكثر محدودية، وقد ذكر أنه عمل على سبيل الإعارة مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (فقد كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعير أفرادها إلى بعضهم البعض من أجل كسب الخبرة)، وذكر وجوه من المقارنة بين الوكالتين وحصرها في عشر فوارق في الصفحات (136-137-138).

كما أنه غض الطرف عن الأخطاء والجرائم التي فعلتها الوكالة تحت إمرته، ففي فصل (العمليات في أفغانستان) يزعم أن من خلال ما اتخذ من إجراءات وتطور جاسوسي تمثل في ما أسموه بـ(الصندوق السحري) الذي يقول هنري عنه إن (ببعض نقرات على المفاتيح يمكن عرض مواقع العدو مع طبقة تظهر كل الطرق في مقاطعة محددة، تتبعها طبقة أخرى للإحداثيات الدقيقة لمصدرنا مع طبقة أخرى للخريطة الطبوغرافية. وبلغت تركيبات الطبقات العشرات. وتمكن “كِنْ” وفريقه في مآل الأمر من احتساب وعرض مئات التركيبات، وكل ذلك يتوقف على المعلومات التي نغذي بها النظام وعلى ما نريد، وقد ساعدنا النظام على إدارة المعطيات ووفر لنا قدرة على المشاهدة في الوقت الفعلي.
وبات في وسعنا إلقاء نظرة على الخريطة الإلكترونية لنعرف الوضع على الفور).

ومع أمور أخرى مثل تمكين الأفغان المتعاونين مع الأمريكان على تحديد الإحداثيات بشكل دقيق وتعديل الأجهزة لتصبح سهلة الاستخدام.

وذكر أنه أعطى أوامر بحماية بعض المنشآت من القصف كالمساجد وغيرها، ولكن الذين كانوا هناك وكانوا شهود عيان، رأوا أن القصف لم يكن دقيقاً بالصورة المثالية التي صورها المؤلف في كتابه، بل كان عشوائياً ومحا قُرى من وجه البسيطة، ويذكر القائد الميداني عبد الله العدم أسباب انحيازهم من آخر معقل للطالبان في أفغانستان فيقول:
(بعد ذلك بدؤوا يستهدفون الناس مما أدى إلى خروجنا من أفغانستان وانسحابنا إلى الجبال والانحياز؛ حتى لا يؤثر ذلك على قتل المسلمين في أفغانستان؛ لأن الأمريكان بدؤوا يقصفون في قندهار عشوائياً، ويستهدفون البيوت، والناس، وضربوا الأسواق، حتى المستشفيات لم تسلم منهم؛ فآثر المجاهدون بأمر أمير المؤمنين الانحياز إلى الجبال في أفغانستان حفاظاً على أرواح المسلمين).

فلم يناقش المؤلف هذه القضايا في كتابه واكتفى بأن القصف استهدف أرتال عسكرية للعدو، وكان القصف دقيقاً!

ولكن لماذا يُناقش مثل هذه الأمور؟ أو حتى يحاول تبريرها؟ لأنه لا يرى اعتباراً لآلاف القتلى ممن سوف يقعون في هذه الحرب، ودليل ذلك حواره “ماسي” قبل بدأ الحملة العسكرية على أفغانستان، وقد دار على النحو التالي كما في الصفحة 256:

(انتحى بي ماسي جانباً وسألني: “هل أنت مرتاح لهذا؟”
أنا مرتاح لهذا؟ ماذا يعتقد؟ انتظرت سنوات للقيام بهذا، حان الوقت الآن وليس لدينا وقت نضيعه بنقاش فلسفي متوتر.
فقلت بفظاظة: “أنا أكثر من مرتاح يا جون”.
أمسك بذراعي وابتسم “أنا لا أسأل عن العدو، بل عنك، هل جهزت نفسك لواقع أننا سنتحمل مسؤولية موت الآلاف؟”
فقلت بفحيح: “يستحقون ذلك!”).
وفي فصول أفغانستان، ترى أنه أكد على نقطة مركزية أو جوهرية في الحملة العسكرية، أنه لا قيمة للجهود الأمريكية العسكرية من دون وجود عملاء وخونة في الجوار، ولم يفتأ هنري يُكرر هذا المعنى.
مثلًا تراه يقول: (ركزت على حلفائنا الأفغان وقد علمت أنهم سيشكلون مفتاح النصر. فوحدهم يعرفون طبيعة الأرض، ووحدهم يمكنهم تجنيد أفغان آخرين للانضمام إلينا، ووحدهم يستطيعون اختراق الطالبان على كل المستويات، ووحدهم يستطيعون التحرك على الفور. فالجيش الأمريكي لا يعرف سوى القليل عن أفغانستان لأنها لم تشكل تهديداً تقليدياً، وجيشنا تقليدي بشكل ساحق. ويحتاجون أشهراً عدة لتحريك قوة لا بأس بها. ولم يعدّ الفيلق شبه العسكري في وكالة الإستخبارات المركزية سوى دزينات قليلة، وليسوا جميعهم منسابين لهذه المهمة. واعتمدت قدرتنا على التحرك السريع على نجاح حلفائنا الأفغان).

وأضف إلى ذلك أن لدعم هؤلاء مكاسب أخرى فتراه يقول في موطن آخر: (وأبلغت “فهيم” و”عارف” أننا سنوفر راتباً شهرياً، ولكن لحاجاتٍ محددة وتجهيزات فحسب، إضافة إلى تمويل إضافي للمساعدة في تجنيد الهاربين من الطالبان. وجاء رقمي أقل بكثير من الذي طلبناه لكنه كان كافياً. وهذا بالتأكيد أفضل من صرف مليارات الدولارات على القوات البرية الأمريكية بكامل قواتها، مما يوفر للعدو المزيد من الأهداف الأمريكية).

وقال عن القواعد العسكرية في الدول المحيطة بأفغانستان: (فمن شبه المستحيل خوض حرب من دون موطئ قدم في دوشانبي وطشقند في أوزبكستان). ص272.

وذاكراً دور دول الخليج: (أدار الجنرال في سلاح الجو “مايك باز” وفريقه الذي ضم ممثلًا عن وكالة الاستخبارات المركزية الحملة الجوية من مركز قيادتهم في إحدى بلدان الخليج الفارسي) ص243.

ولم يقتصر دول الخليج على الجانب الجوي فقط، بل يذكر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في مذكراته (قرارات مصيرية –ص248) جانباً من إسهام الغواصات الأمريكية المستقرة في الخليج بقصف أفغانستان فيقول عن بداية الحملة الأمريكية على أفغانستان: (وكانت الغواصات الأمريكية والبريطانية في الخليج العربي قد أطلقت صواريخ توماهوك).

وقد كان لبعض هؤلاء الأفغان المتعاونين مع الولايات المتحدة، تخوفات، أنها يوماً ما تتفاوض مع الملا عمر، فلم يريدوا أن يكشفوا عن أنفسهم ويحرقوا أوراقهم، إن كانت أمريكا سوف تقوم بهذا، فأقاموا المجلس المحلي “الجيرغا” وقبل أن يعطوا موافقتهم على التعاون مع الأمريكان سألوا الأمريكان: “هل ستتفاوض الولايات المتحدة مع الملا عمر؟” فرد الضابط “غريغ” (قال رئيسي إما أن تكونوا معنا وإما أن تكونوا ضدنا. فكيف يمكننا التفاوض مع الملا عمر وهو لم يجلب لكم سوى الموت والمشقة؟ لن نفاوض هذا القاتل. سنحارب معكم حتى النصر)! فوافق هؤلاء الأفغان على التعاون.

مثل أمريكا (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ)، فالآن وبعد عقدين على هذا التعهد، نرى أن أمريكا تفاوض جماعة الملا عمر على الانسحاب، وعلى ترك هؤلاء الخونة ليلاقوا مصيرهم، بعد أن أضاعوا الدنيا والدين.
على العموم هنري كرامبتون نفسه يقر أن أمريكا تخل بالكثير من اتفاقياتها والتزامتها فيقول إنه أثناء نقاشه مع العملاء الأفغان بعد أن عرضوا عليه سؤال “هل يمكننا الاعتماد على الولايات المتحدة للوفاء بوعدها”؟ قال: (أغفلت الجزء المتعلق بالالتزام الأخلاقي؛ لأنهم شاهدوا على مر العقدين الماضيين الكثير جداً من الإخلال الأمريكي بالوعود)!

وتجاهل أمريكا لعملائها أو حتى نسيانهم بعد أن قدموا لها الغالي والنفيس، وليس بغريب، بل يحكي هنري نموذجاً من ذلك في كتابه، فأحد الجواسيس الأفارقة (قد خدم وكالة الاستخبارات المركزية بإخلاص وأنتج مئات التقارير) كما يقول هنري، ثم ماذا؟ ثم ذكر أنه توفى في ظرف غامض أثناء مروره على معبر حدودي مغبّر مهجور. ثم قال -وهذا هو الشاهد-: (وبالطبع فإن هذا البطل -العميل غير المعروف للعالم قد أصبح منذ زمن بعيد طي النسيان داخل وكالة الاستخبارات المركزية إلا من زوجين مشغلين ومني أنا. تلك هي طبيعة التجسس).

فطبيعة التجسس لدى أمريكا أنها تنسى من ضحوا لأجلها.

بل من الطرائف أن هنري كرامبتون يقول عمن يأتي إلى السفارات الأمريكية من أجل أن يعطيهم معلومات استخباراتية من أجل المال أو تأشيرة الدخول إلى أمريكا: (قلة منهم متطوعون صادقون يريدون الإسهام بفتات من المعلومات لقاء أموال نقدية أو تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. وكادوا جميعهم يغادرون وهم مصابون بخيبة الأمل).

هنا قسَّم القادمين إلى السفارات من أجل إعطاء المعلومات، وذكر أن غالبيتهم محتالون، ثم ذكر القلة القليلة الصادقة! ثم إن هؤلاء الصادقين في خدمة أمريكا قد خرجت النسبة الغالبة منهم بلا شيء!

وعوداً إلى “غريغ” الذي قال سوف نقاتل حتى النصر، ولابد من استراتيجية معينة لتحديد النصر من الهزيمة، وماذا عن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب هل استطاعت أمريكا تحقيقها؟ يقول هنري كرامبتون: (أخفقنا في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الثلاثة لمكافحة التمرد: “إلغاء زعامة العدو” و”حرمانه من الملاذ الآمن” و”تحسين الظروف التي يستغلها”). ص324

ثم ذكر عظة “غريغ” في نفس المجلس حول ما كان يريد أن يرسخه في أذهان الأفغان، أنهم يقاتلون من أجل وطنهم ضد الدخلاء الأجانب مثل الشيشانيين والباكستانيين وغيرهم من المهاجرين، وأنه يجب أن تكون أفغانستان للأفغانيين.

فيقول: (على الأفغان أن يقاتلوا القاعدة. أليست هذه مسؤولية المحارب وواجبه وشرفه؟ هل يسمح الرجال الأفغان الحقيقون للدخلاء العرب والشيشان والأوزبك والباكستانيين العاملين تحت لواء القاعدة تحديد مستقبل أفغانستان؟ وكيف لا يمكنهم ألا ينضموا إلى الولايات المتحدة ضد هذا العدو المشترك؟ فالقاعدة غازٍ أجنبي اختطف بلادهم)!.

ألا يقوم بهذه المهمة على أكمل وجه بعض المحسوبين على المعارضة في سوريا؟ ماذا سوف يفعلون غداً لو عرضت عليهم أمريكا أو غيرها من القوى التعاون من أجل طرد هؤلاء الأجانب وتمكين السوريين من العودة والحكم وفق أجندات هذه الدول؟ قد يجد هذا العرض آذان صاغية بشكل كبير!

حسناً، تستطيع أن تحصر المتعاونين مع أمريكا في غزوها أفغانستان من القوى الداخلية إلى الشيعة الهزارة، فترى هنري يقول عنهم: (رحبت الهزارة وهي أقلية شيعية بالولايات المتحدة بامتنان وبالتزام عميق بالحرب).

والجبهة الموحدة لتحالف الشمال فتراه يقول عن رئيس استخباراتهم المهندس عارف: (وقد عملنا معاً على مدار العامين الماضيين وتواصلنا بانتظام). وقد خصص لهم مرتبات كما تقدم معنا في النصوص السابقة، ويقول عن قائدها أحمد شاه مسعود: (احتجت زيارة إلى المنطقة ولقاء حليفنا وزعيم الجبهة الموحدة أحمد شاه مسعود، وقد سبق لنا أن أرسلنا في الأشهر الستة السابقة فريقاً إلى أفغانستان لمساندة مسعود والعاملين معه، ونحن نخطط لتوسيع هذا التعاون) وعين بعض الأسامي فقال: (عبدالرشيد دستم وهو أوزبكي، ومحمد محقق وهو من الهزارة الشيعة، وأستاذ عطا محمد وهو طاجيكي).

وإذا كانت قوات التحالف الشمالية مكونة من قوميات متعددة، فقد كانت المشكلة في القومية الأكثر والأبرز وهي البشتونية، فلابد من إيجاد موطئ قدم في جنوب أفغانستان معقل البشتون الأول، فلم يجدوا أفضل من كرزاي وقبيلته، يقول هنري: (وحده كرزاي تمكن بفضل قوة زعامته من ضمان تعاون قبيلته الأولى في تلك المنطقة. وقد رحبوا بفريق وكالة الاستخبارات المركزية والقوات الخاصة الصغيرة هذه ووفروا لها الحماية).

ذكر هنري حادثة ذات دلالة وهي أنهم وصلتهم رسالة عبر وسيط من رئيس استخبارات الطالبان “قاري عماد الله” للتفاوض، وافق هنري على ذلك مع وضع ثلاثة احتمالات، الأول هو أن يتعاون معنا ولا يكتفي بالكلام بل لابد أن يُبرهن على ذلك أو أن يقبل أن يكون مجنداً لصالح الأمريكان، والثانية اعتقاله والتحقيق معه، والثالث إذا لم يستطع اعتقاله قتله، واتفقوا على موعد ومكان محددين، ولم يأت رئيس الاستخبارات الطالباني عماد الله بل أوفد أحد أتباعه ولم يقبل لا بالتعاون ولا بالتجنيد، فأومأ المفاوض الأمريكي إلى القوات الأمريكية التي تدخلت واعتقلت المفاوض مع فريقه، وبعد التحقيق معهم اكتشفوا أماكن بعض القيادات، يقول هنري: (كشف السجين الطالباني في غضون 24 ساعة على أسره عن مواقع قيادة القاعدة والطالبان وغير ذلك من المواقع على امتداد الحدود الباكستانية)، فذهبت طائرة بلا طيار وقصفت تلك التجمعات الموجودة وقتل من بينهم رئيس الاستخبارات الطالباني القارئ عماد الله!

فمن أراد التفاوض مع الأمريكان في حالة الحرب لابد أن يضع اعتباراً لمثل هذه الحادثة وانعكاسها السلبي.

كما أن الأمريكان لا يقبلون بمجرد الكلام أو التعاون اللفظي بل لابد أن تبرهن لهم عملياً على التعاون، ولابد من رؤية الفعل والأمر به (إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ) يقول هنري: (سألنا قادة الطالبان الذين شهدوا في الغالب نهاية رفاقهم: أترغبون بالموت أو بالمكافأة؟ اختاروا بشكل شبه دائم المكافأة. وطالبنا بما هو أكثر من مجرد كلماتهم.

يجب أن يتجسسوا لنا، ويديروا بنادقهم صوب رفاقهم في القاعدة، بل وحتى خيانة قادة الطالبان الآخرين).

وأنا لا أصدق أن غالبية قادة الطالبان وافقوا على التعاون مع المحتل، ولكن أصدق أن أمريكا لا تكتفي بمجرد إعلان التعاون بل لابد من حيثيات ملموسة لتبرهن على تعاونك.

وكل حركة ذات أبعاد نضالية؛ لابد أن يتعرض قاداتها إلى شيء مماثل من هذا النوع، ولا بد أن يساومهم العدو ما بين التهديد والترغيب، والقادة الحقيقيون هم الذين يفضلون الموت على التعاون مع العدو، وعلى فقدان كل شيء إلا دينهم.

وذكر هنري في الكتاب أمراً آخر، قد تفوقت فيه الدول العربية على الدول الغربية وهو مكافحة الجهاد وأهله، وأن ضباط وكالة الاستخبارات المركزية اضطروا أن يثنوا ركبهم لينهلوا من معين هذا الضابط العربي الذي بُعث خصيصًا لتدريسهم وتدريبهم، يقول هنري: (جمعنا فريقاً من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللّين ومجنّدين. وعرفت بعد التجربة الأولى أن شيئاً ما ينقصنا. احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدرباً. امعتض بعض من في الجهاز الخفي بما يعكس غروراً في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججت بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحداً من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرةً لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير مناهجنا. فعلَّم مركز مكافحة الإرهاب عشرات من ضباط العمليات من كل أقسام الجهاز الخفي).

وأما بخصوص العلاقة المفترضة التي كانت ما بين القاعدة وصدام حسين والتي استخدمت بشكل أو بآخر لغزو العراق فيقول هنري عنها: (لم يوجد في ما جمعناه من استخبارات أو تحليل ما يورط العراق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. بل إن صدام حسين على العكس من ذلك، طاغية علماني لا يأنس أبداً بأيديولوجية القاعدة أو يعدها حليف مصلحة. وبالرغم من أن صدام إرهابي ويدعم مجموعات إرهابية، وبخاصة تلك التابعة للشبكات الراديكالية الفلسطينية، فإنه رأى في القاعدة تهديداً أكثر مما رأى فيها حليفاً. أضف إلى ذلك أن القاعدة نظمت ودربت وخططت لهجمات الحادي عشر من سبتمبر من أفغانستان وليس العراق).

وأما الضابط في وكالة الاستخبارات المركزية مايك سبان الذي وفق شهادة وليد محمد الحاج في برنامج شاهد على العصر أنه قُتل على يد اليمني “مهند التعيزي” فقد تكلم هنري كرامبتون عنه باستفاضة تحت فصل فرعي (قلعة جانجي).

وفي ختام الكتاب تكلم هنري كرامبتون عن عمله رئيساً لقسم المصادر الوطنية، والذي يتخذ من القطاع الخاص جسراً للتجسس، يقول إن الكثير من المدراء التنفيذيين للشركات الأمريكية الكبرى متعاونين مع أجهزة الاستخبارات، ويتكلم عن أحدهم فيقول: (امتلكت شركته مكاتب في كل أنحاء العالم وفي وسع موظفيه الذهاب إلى أي مكان، وسيتوق أي شخص تقريباً إلى لقاء ممثلي شركته بسبب ما تحظى به نوعية عمله من شهرة وقوة مالية. وأدرك ما يستجلب ذلك من مخاطر عليه وعلى موظفيه ومستثمريه. لكنه اعتنقه لأن واجب يحتم عليه خدمة بلاده وحمايتها. وهو ممتن لأن وكالة الاستخبارات المركزية منحته هذه الفرصة في الإسهام. وهذا النمط سأعاينه المرة تلو الأخرى في سنتيْ رئاستي التاليتين للمصادر الوطنية).

لك أن تخمن ما هذه الشركة الأمريكية؟ فلذلك الشركات الأمريكية سوق خصب للتجسس والتعاون الاستخباراتي.

هذا ما بدا لي والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *