By / 4 أبريل، 2020

في العقلية الأمنية – قراءة في كتاب “في خدمة الأمن السياسي” لحسن طلعت

الباحث/ عمر فتحي

إذا كان لابد من تقديم لحديثنا عن صاحب هذه المذكرات لمن لا يعرفونه، فإنه من الإنصاف القول بأنه واحد من النادرين جدًا الذين يفوقون في قيمتهم الأمنية قيمة كثير من وزراء الداخلية في عصر الثورة، وإذا كان هناك ضابط شرطة استحق هذا المنصب و لم ينله فهو هذا الرجل، ويكاد يكون هناك إجماع بين الشرطيين جميعًا على هذا المعنى، ذلك أن كفائته كانت مضرب الأمثال.

تولى حسن طلعت إدارة جهاز المباحث العامة ( أمن الدولة فيما بعد) عام 1964، وذلك بعد فترة خدمة طويلة في الأمن السياسي في مصر بدأت بالعمل رئيسًا للقسم المخصوص في محافظة الإسماعيلية ( القلم السياسي ثم المباحث العامة فيما بعد) عام 1947. ونشر حسن طلعت كتابه “في خدمة الأمن السياسي” عام 1983. ليحكي فيه قصة خدمته الطويلة بجهاز المباحث العامة (أمن الدولة فيما بعد) والمراحل المختلفة التي مر بها هذا الجهاز والتطورات التي شهدها.

ونحن نحاول من خلال قرائتنا لهذا الكتاب أن نقرأ عقلية من العقليات الأمنية المصرية التي عاصرت تغيرات عديدة في بنية الجهاز وهيكله، وعاشت مدة زمنية طويلة في خدمة الأمن السياسي في مصر، لنستوضح منها ملامح عامة تخص العقلية الأمنية في محاولة لفهم هذه العقلية التي تحكم المصريين بالحديد والنار وتتحكم في حياة ومصير الالآف منهم.

النشأة والبدايات:

يقول طلعت: ” أما في مصر فلم تنشأ أجهزة الأمن السياسي الداخلي والخارجي إلا في ظل الاحتلال البريطاني الذي حدث سنة ١٨٨٢، وفي البداية كان المحتل هو الذي يتولى هذا الأمر بأجهزته القومية وبرجاله المنبثين في كل الوزارات والمصالح الحكومية وعلى رأسهم المستشار البريطاني لوزارة الداخلية يعاونه حكمدارو البوليس البريطانيون في المدن الأربعة الكبرى وهى القاهرة والاسكندرية وبورسعيد والسويس…وكان الهدف الرئيسي للمحتل بالطبع هو مقاومة أى تحرك وطني لإجلاء المحتل والقضاء على هذا التحرك في مهده”.

ثم يقول: “وبقيام ثورة سنة 1919 واختلال الأمن الداخلي واتساع الرتق على المحتل وما تلى ذلك من وقوع حوداث اغتيالات لبعض الشخصيات البريطانية في مصر لجأ حكمدارو البوليس البريطانيون إلى الاستعانة ببعض ضباط الشرطة المصريين للعمل في ميدان الأمن السياسي وكان من بين أوائل هؤلاء الضباط  الصاغ سليم ذكي. وكان أول أدواره هو المساهمة مع البكباشي انجرام من بوليس الاسكندرية في ضبط مجموعة الشبان الوطنيين الذين اغتالوا السيرلي ستاك باشا سردار الجيش المصري في ذلك الوقت عندما كانوا في طريقهم للهرب إلى ليبيا عن طريق السكة الحديد في بلدة الحمام بالصحراء الغربية. وفي اعتقادي أن اللواء سليم زكي هو مؤسس البوليس السياسي المصري”.

وجاءت تسمية الجهاز بالقسم المخصوص تيمنًا بالقسم المخصوص بإدارة سكوتلانديارد الشرطية الشهيرة كما يذكر طلعت، والتي تقوم بحماية الأمن السياسي الداخلي في بريطانيا في ذلك الوقت.

وقد حدد حسن طلعت المهام التي يقوم بها الأمن السياسي والغرض من إنشائه بشكل عام، وهي:

  1. التركيز في ظل الأنظمة الاستبدادية على حماية الحاكم ومصالحه مصالح الطبقة الارستقراطية التي تدعمه.
  2. بسبب تكرار وقوع القلاقل الداخلية التي يقوم بها عامة الشعب المكبوت بدأ التمييز بين عملية جمع المعلومات عن العدو الخارجي وبين عملية حماية الأمن السياسي الداخلي.
  3. نشأت أجهزة الشرطة السياسية لحماية الحاكم وكان نفوذ هذا الجهاز يطرد في القوة مع ازدياد الارتياب والخوف الذي يشمل الطبقة الحاكمة.
  4. مع ظهور الاشتراكية امتد الأمن السياسي ليشمل النواحي المالية والاقتصادية أيضًا.

وبعد عقد معاهدة 1936 رسميًا وبعد الحرب العالمية الثانية فعليًا. انتقلت مسؤولية الأمن السياسي الداخلي الى العناصر المصرية التي تولت ادارة القسم المخصوص بوزارة الداخلية وما يتبعه من فروع في بعض المحافظات. وانفردت القاهرة والاسكندرية كل بجهازها الخاص الذي سمى القلم السياسي والذي لم يكن للقسم المخصوص بالوزارة كبير سيطرة عليهما. كما انشئ بالسراى قسم مخصوص يتبع قائد شرطة القصور الملكية كانت مهمته جمع المعلومات ومتابعة أعداء الملك الشخصيين

وكان من يعين بالقسم المخصوص لابد وأن يحظى بمباركة الإنجليزأولًا، ولعل تعيين طلعت نفسه رئيسًا للقسم المخصوص بالإسماعيلية عام 1947 كان بسبب موقفه من تشرشل حينما نزل مصر وكان متجهًا إلى مقر القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ببلدة فايد، حيث انتظره طلعت أمام مبنى الشرطة وقام بأداء التحية، يقول: ” فلما علمت أنه سيمر أمام مبنى نقطة الشرطة وقفت أمام بابها وعندما مر حييته محييًا فيه الصفات الطيبة في الشعب البريطاني ورد التحية رافعًا قبعته بطريقته الفكهة المعروفة”. ثم أعقب ذلك في عام 1947 تولية حسن طلعت رئاسة القسم المخصوص بالإسماعيلية.

يتضح من كلام طلعت أن القسم المخصوص كان له عدة سمات وخصائص:

  • أولا: أنشأ الإنجليز الجهاز للقضاء على أى مقاومة وطنية تواجههم.
  • ثانيًأ: لم يكن القسم المخصوص خاضعًا بشكل كبير لسيطرة وزارة الداخلية، وإنما للإنجليز ومن ثم للقصر الملكي.
  • ثالثًا: من يتولي رئاسة القسم لابد أن يكون حائزًا على رضا الإنجليز إذا أنه سيعمل بشكل أو آخر في خدمتهم.

يمكن أن نفهم أيضًا من كتاب طلعت، كيف كانت تنظر العقلية الأمنية إلى الجماعات الإسلامية،  وجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا، فقد ظهرت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، ودخلت في خضم الواقع السياسي المصري واكتسبت عداء الانجليز والحكومات المصرية في الوقت الذي كان طلعت فيه في الخدمة،  يقول طلعت بخصوص نظرته للجماعات الاسلامية: ” كنت قد كونت عقيدة ثانية من قراءاتي عن الملل والنحل والفرق الاسلامية من شيعة وخوارج وقرامطة ومن اتباع الحسن الصباح. ان كل الفرق الاسلامية التي بدأت دعوتها بالتشدد في تطبيق أحكام الدين والمغالاة والايغال فيه بعنف والتي جعلت نفسها الوصية على باقي جماعة المسلمين محتكرة لنفسها الايمان رامية كل من لا ينضوي تحت لوائها بالكفر والتي أغلقت أبواب مجتمعها على نفسها باعتباره دار الاسلام وأن باقي ديار المسلمين هى ديار كفر وحرب مخالفة بذلك تعاليم القرآن الحنيف وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنن خلفائه الراشدين السمحة. كل هذه الفرق انتهت الى تعطيل بعض فرائض الاسلام وكشفت عن وجهها القبيح بتأمين الذميين وحماية أرواحهم وأموالهم وإهدار أرواح المسلمين واستباحة أعراضهم وأموالهم ولم استستغ أبدًا أن يكون هذا هو الإسلام أو أن يكون هؤلاء الأشخاص هم فعلًا الأمناء على رسالة محمد الرؤوف الرحيم عليه صلوات الله وسلامه. كما آمنت بأن العقيدة الاسلامية لم تصب في يوم من الأيام عن طريق أعدائها بل كان كل ما أصاب الاسلام وأضعفه عن طريق هذه الفرق المتطرفه التي أضرت ولم تنفع”.

يقول طلعت هذا الكلام في خضم عرضه لموقفه من جماعة الإخوان المسلمين ومن الأحداث التي عاصرها معهم حينما كان رئيسًا للقسم المخصوص في الإسماعيلية. ثم يعرض طلعت ما حدث بين الجماعة والحكومات المصرية كما ارتآه هو فيقول: ” وعلى مدى الأعوام التالية وعندما كانت تتكرر الاصطدامات بين جماعة الاخوان والحكومات المختلفة بدءًا بنفاذ صبر الاخوان وتعجلهم الاستيلاء على السلطة والتجائهم الى العنف وانتهاءًا بالعنف المتصاعد كرد فعل من جانب الحكومة”.. وفي سرده لقصة مقتل حسن البنا يقول طلعت : “وجاء رد الحكومة سريعًا وتحكميًا ودفع حسن البنا حياته ثمنًا لحياة النقراشي في الأيام الأولى من عام 1949”. لم يذكر طلعت أى تفاصيل في مقتل البنا، ولم يذكر أى شئ عن دور جهاز المخصوص في عمليه اغتياله، وإنما اكتفى بالقول: أنه دفع حياته ثمنًا لحياة النقراشي باشا.

جهاز المباحث العامة بعد انقلاب يوليو 1952:

ظل طلعت مستمرًا بمنصبه بعد انقلاب 23 يوليو، وقد أظهر تأييدًا شديدًا للنظام الناصري، وبادر على الفور بالعمل في إطار النظام الجديد، وقد كان لطلعت دور هام في تطور جهاز أمن الدولة في الحقبة الناصرية، نذكر هذه التطورات كما ذكرها طلعت في كتابه:

1- إنشاء جهاز المباحث العامة :

يدعى حسن طلعت أنه صاحب فكرة إنشاء جهاز المباحث العامة، وأن الفكرة خطرت له بعدما رأى تصادم الجيش بالعمال ( في أحداث مصنع كفر الدوار)، فكان من رأيه ضرورة إنشاء جهاز جديد يمنع الصدام المباشر بين الجيش والشعب، يقول: ” لم تمض إلا أيام قليلة وإذا بالاضرابات  العمالية تعم مصانع كفر الدوار مما اضطر الجيش الى التدخل للسيطرة على الموقف وإعادة النظام بعد عدة مصادمات بينه وبين العمال وشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة زعماء الشغب وصدرت ضدهم بعض الأحكام ومن بينها اعدام العاملين خميس والبقري”…ثم يردف” ” خشيت على الثورة الوليدة من تعاظم هذه الأحداث وامتدادها الى باقي المناطق الصناعية بالبلاد. واستقر تفكيري على وجوب إنشاء جهازجديد بهيئة الشرطة يؤمن بالثورة ومبادئها على أن ينتشر أفراد هذا الجهاز في جميع أنحاء البلاد لملاحظة الحالة والسيطرة على تطوراتها قبل أن تصل إلى حد الصدام بين الجيش والعمال، أفضيت بما يجول بخاطري الى الاستاذ عبدالسلام داود مندوب دار الأخبار لدى القيادة وذلك لصلة القرابة بيننا. وفي اليوم التالي أبلغني بأنه نقل ما دار بيننا من حديث إلى الأخ اليوزباشي محمد رياض ياور اللواء محمد نجيب وأن الفكرة الآن في دور الاعداد لاخراجها الى حيز الوجود”..ثم أردف: ” صدر قرار بإنشاء الجهاز الجديد وسمى ادارة المباحث العامة وعين البكباشي أحمد رأفت النحاس مديرًا له وكان ذلك بتاريخ 22 أغسطس سنة 1952 ليحل محل القسم المخصوص بالوزارة والأقلام السياسية بالمحافظات والمديريات، وفي نفس اليوم صدر أمر بنقلي إلى الإدارة الجديدة”.

2- استمرارية العداء لجماعة الإخوان المسلمين:

 كانت النظرة الأمنية لجماعة الإخوان قائمة على أنهم تهديد للثورة ومنافس على السلطة يجب إقصاءه، وفي ذلك يقول طلعت: ” أدركت قيادة الجماعة أن الوصول إلى اتفاق بين مصر وبريطانيا يحقق جلاء القوات البريطانية عن مصر سيقوي مركز قيادة الثورة ويحرق الورقة الوحيدة التي كانوا سيلعبون بها لزعزعة ثقة المواطنين في الثورة وقاداتها. ومن ثم فقط أخذت الجماعة تعمل على فشل المفاوضات….بدأ أفراد الجهاز السري بالجماعة في القاء القنابل على معسكرات الجيش البريطاني بمنطقة القناة ليؤكدوا للبريطانيين قوتهم وفعاليتهم”. وتم تكليف حسن طلعت نفسه بالتوجه لبورسعيد للتصدي لعمليات الإخوان ضد الإنجليز، يقول: ” وصلت الى بورسعيد حوالي الظهر وبدأت في دراسة الموقف والاعداد لحملات تفتيش بحثًا عن القنابل والمفرقعات”. وانتهى عمل طلعت بتوقف الهجمات على حد قوله.

اكتسب طلعت خبرة جيدة في التعامل مع جماعة الإخوان فتم تعيينه مفتشًا للمباحث العامة بالجيزة: يقول: ” وفي شهر أغسطس سنة 1954 عينت مفتشًا للمباحث العامة بمحافظة الجيزة وكان أول ما واجهني هو ضرورة متابعة نشاط جماعة الإخوان وملاحظة النشاط السياسي بين طلاب جامعة القاهرة”.

3- التدريب في أمريكا:

عقب انسحاب بريطانيا من الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، تسلمت منها الولايات المتحدة المنطقة، في إطار سعيها لفرض هيمنتها على الدول التي كانت خاضعة للاستعمار الأوربي، ومن ذلك إستكمال تدريب أجهزة البوليس السياسي التي أنشأتها بريطانيا، وعلى رأسها الجهاز المصري، وبالفعل بدأت أمريكا في تنفيذ تلك المهمة، وفي ذلك يقول طلعت: ” عندما عدت إلى القاهرة علمت بأن هناك دعوة من حكومة الولايات المتحدة لاستضافة اثنى عشر ضابطًا من كبار ضباط الشرطة لمدة شهرين للاطلاع على مختلف نواحي النشاط السياسي بها وأنه تقرر أن يكون أعضاء هذه البعثة هم أوائل خريجي معهد الدراسات العليا لضباط الشرطة…وأنني سأكون من بين هؤلاء الضباط”. وكان هم طلعت أثناء هذه الرحلة هو تعلم أساليب أجهزة المباحث الفيدرالية لمتابعة النشاط السياسي، يقول: ” وكنت واثقًا من أن رجال المباحث الفيدرالية لن يتيحوا لنا فرصة الاطلاع على أساليبهم وأجهزتهم الحديثة لمتابعة النشاط السياسي الضار، ولكن في محاولة للاستفادة أبديت رغبتي في الاطلاع على وسائل حراسة رؤساء الدولة الذين يزورون الولايات المتحدة أثناء تحركاتهم في شوارع المدن”.

4- متابعة أنشطة المعارضين على كل المستويات الممكنة:

أصبح جهاز المباحث العامة يمتلك سجلات معلومات تحوي معلومات من له نشاط سياسي، كما أنها تقوم بمراقبة مكالماتهم التليفونية، بل وكانت ترسل تلك التقارير إلى رئاسة الجمهورية مباشرة، ويؤشر عليها بأنه قد تم الإطلاع عليها. وضح ذلك طلعت في خضم حديثه عن مشاكل كانت تحدث بين جهازه وبين المخابرات الحربية التي كانت تعمل على إخضاع جهاز المباحث العامة لها، ليعمل في ذيلها في خدمة النظام الحاكم، يقول: ” وكان ردي أننا لا نؤلف بل ننقل معلوماتنا عن سجل منظم وأنه ليس ذنبًا للادارة أن يقوم صلاح محسن بتغيير آرائه السياسية في بعض مراحل حياته المختلفة”.

وبخصوص عمل الجهاز في تسجيل المحادثات التليفونية، يقول: ” والحقيقة التي سمعتها فيما بعد أن طه زكى وضابطًا آخر من الإدارة اسمه السرجاني كانا في زيارة أحد موظفي وزارة الحربية فتطرق الحديث إلى الموقف السياسي واشتداد الصراع على السلطة ومدى علم المباحث العامة بذلك فأجاب طه زكي أن كل التحركات مرصودة والمعلومات تتوالى عن طريق التقارير والمراقبات التليفونية”.

ويقول ” عندما عينت مديرًا للمباحث العامة في نوفمبر سنة 1964 أصبحت على صلة بمكتب الرقابة على المحادثات التليفونية وجرى العمل على أن يحدد وزير الداخلية أسماء من يوضعون تحت المراقبة. ويقوم ضباط المكتب بالاستماع إلى أشرطة التسجيل ثم يفرغونها في تقرير ويحضرون هذه التقارير للعرض عليَ كل صباح حيث أرسلها للسيد الوزير في مظروف خاص بلا رقم أو تعليق. وبعد الاطلاع عليها يعيدها السيد الوزير للحفظ في دولاب خاص لا صلة له بأرشيف الإدارة باعتبارها أوراق خاصة للوزير له أن يطلبها أو يطلب اعدامها في أى وقت”.

ثم يردف: “قررت أن أرسل صورة من تفريغات تسجيلات المحادثات التليفونية المراقبة إلى مكتب السيد رئيس الجمهوية ليكون على علم بما نعمل وبأسماء الأشخاص الذين نراقب تليفوناتهم ولم أستأذن أحدًا في ذلك، ومن ذلك الوقت إلى أن غادرت عملي في المباحث العامة كانت صور المحادثات التليفونية ترسل يوميًا إلى سكرتارية الرئيس، وكان بعضها يعاد إلينا وعليه تأشيرات من السيد رئيس الجمهورية سوءًا في عهد عبدالناصر أو عهد السادات”.

5- إنشاء الأمن المركزي:

وعقب رحلة له إلى فرنسا في أول مايو سنة 1967، عاد طلعت بفكرة إنشاء الأمن المركزي، يقول: ” وخلال هذه الرحلة نبتت في ذهني فكرة إنشاء الأمن المركزي بصورته الحاضرة بعد أن شاهدنا في باريس فرقتين فرنسيتين للمحافظة على الأمن احداهما تدعى ال C.R.S وهى تشبه إلى حد كبير فرق الأمن المركزي عندنا والثانية الجندرمة وهى احدى فرق الجيش وتعمل في وقت السلم في الأعمال البوليسية تحت إمرة وزير الداخلية أما في أوقات الحروب فإنها تخضع لأوامر وزير الحربية”.

6- مظاهرات التنحي بعد نكسة 67:

عقب نكسة 67 خرجت مظاهرات في مصر تنادي ببقاء عبدالناصر في السلطة، قادتها أجهزة الاتحاد الاشتراكي في ذلك الوقت، ووفقًا للعقلية الأمنية لم تمثل هذه المظاهرات المليونية أى مخاطر على الأمن العام على عكس مسيرات الإخوان التي كان يراها طلعت “فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”. أما مظاهرات تأييد عبدالناصر فهى وطنية صادقة، يقول طلعت: ” رأيت أن الموقف لا يحتمل التردد فأخذت المسؤولية على عاتقي وأصدرت أمرًا بالسماح بسير المظاهرات دون التعرض لها مع المحافظة عليها ومنع اندساس أى عناصر تحاول الإخلال بالأمن العام أو الاعتداء على الممتلكات والأموال”.

7- متابعة المعتقلين فكريًا:

كانت من مهمة جهاز المباحث العامة أيضًا الحرص على متابعة أفكار المعتقلين، للنظر هل يمكن الافراج عنهم أو تجنيدهم ضد زملائهم، وفي ذلك يقول طلعت: ” كنت أتردد على المعتقلات من وقت لآخر لإجراء حوار مع المعتقلين الباقيين بها لأدرك مدى التطور في آرائهم تمهيدًأ للافراج عن بعضهم”

خلاصة:

نخلص من عرض الكتاب إلى سمات معينة حول العقلية الأمنية المصرية منذ نشأتها مرورًا بالتطورات المختلفة التي واكبتها وعايشتها:

  • أولًأ: نشأ جهاز أمن الدولة المصري أول نشأته في خدمة المحتل الإنجليزي، وقد شهد الوضع الداخلي المصري فيما يخص تعامل الإنجليز مع المقاومة المصرية تطورًا كبيرًا بعدما أدخلت بريطانيا ضباط مصريين للعمل بالجهاز وبخاصة الصاغ سليم زكي.
  • ثانيًا: يعمل الجهاز دائمًا في ظل القوة العسكرية، ظل الجيش الإنجليزي، ثم ظل الجيش بعد انقلاب 3 يوليو 2013، ولعل هذا اتضح من تفكير حسن طلعت ببناء جهاز الأمن المركزي ليمنع التصادم المباشر بين الجيش والشعب.
  • ثالثًا: أثبت الجهاز قدرة كبيرة على العمل بنفس الكفاءة في ظل تغير أنظمة الحكم، الأمر الذي يعني أنه كان يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع الأنظمة المختلفة ( النظام الملكي في عهد فاروق، ثم النظام العسكري بعد 1952، ثم النظام الجديد مع حكم السادات ومبارك، ثم النظام الجديد بعد انقلاب 2013) الأمر الذي يعطي الجهاز قدر عال من الكفاءة والمرونة للعمل بنفس الآلية وتأدية نفس المهام مع تغير الظروف.
  • رابعًا: يعمل الجهاز أيضًا في ظل الإمبريالية الغربية بدءًا من الإنجليز ثم الولايات المتحدة التي تولت تدريب أعضائه و إمدادهم بالخبرات اللازمة.
  • خامسًا: توارث الجهاز الصورة التي كونت في عقليته حول الجماعات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين والتي وضحها طلعت في كتابه، بل إننا نجد مصطلحات كتيرة موجودة الآن تبث عن طريق قنوات جهاز أمن الدولة الإعلامية، وذكرها طلعت في كلامه مثل مصطلح “العودة للجحور” الذي كثيرًا ما قيل حول الذين عارضوا نظام الحكم في مصر، ذكره طلعت في خضم حديثه عن المعارضين لحكم عبدالناصر حيث قال: ” عليهم أن يعودوا للجحور التي كانوا قابعين فيها خلال الحكم الوطني لعبدالناصر”، ونلاحظ أيضَا التشابه بين الدور الذي لعبه جهاز الشرطة وفي قلبه أمن الدولة في المظاهرات التي أطلقوها تمهيدا للانقلاب على حكم محمد مرسي، وبين المظاهرات التي أشرف طلعت عليها بنفسه لتأييد عبدالناصر ليبقى في الحكم.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *