By / 4 فبراير، 2019

قتل مائة من المشركين مبارزةً .. مجزأة بن ثور بن السدوسي

بطل من الأبطال الذين خاضوا غمار الحروب والمعارك من أجل نصرة دين الإسلام، قال عنه المؤرخون (( مجزأة بن ثور رجل باسل قتل مائة من المشركين مبارزة، فما بالك بمن قتلهم في خضم المعارك )) ولكن أشهر ما قيل عنه، هي قصته يوم فتح تستر التي سطرت في هامة التاريخ الإسلامي، لما حدث فيها من تضحية وإقدام وبسالة.

وذلك أن الهُرْمُزان ـ كبير ملوك الفرس وحاكم الأهوازـ شرع يثير أهل فارس ويحرِّضهم على قتال المسلمين واسترجاع ما خرج من مُلْكهم، فتحرك الفرس وتكاتبوا هم وأهل الأهواز، وتعاقدوا على النصرة والتعاون، فلما علم المسلمون بذلك بعثوا إلى عمر بن الخطاب يعلمونه بالأمر.

فأصدر الخليفة عمر بن الخطاب أمره إلى جيش المسلمين بقيادة أبي موسى الأشعري، بالتوجه إلى الأهواز لتتبع الهرمزان والقضاء عليه، وتحرير مدينة (تُسْتر) الفارسية. وقد جاء في الأمر الذي وجهه الخليفة لأبي موسى الأشعري أن يصحب معه الفارس الباسل مجزأة بن ثور السدوسي.

صدع أبو موسى بالأمر، فجهز جيشه، وانطلق إلى مدينة تستر، التي انحاز إليها الهرمزان، حيث كانت هذه المدينة أكثر مدن فارس جمالاً، وأبهاها طبيعة، وأقواها تحصُّن .

عسكرت جيوش المسلمين حول خندق تستر، وظلت ثمانية عشر شهراً لا تستطيع اجتيازه، وخاضت مع جيوش الفرس خلال تلك المدة ثمانين معركة، وقد أظهر مجزأة بن ثور في هذه الحروب شجاعة نادرة، أذهلت العقول، قد تمكَّن من قتل مائة فارس مبارزة، فأصبح اسمه يثير الرعب في نفوس الفرس، ويبعث النخوة والعزة في صدور المسلمين.

ثم انتقل المسلمون بعد هذا الصبر الطويل من حال سيئة إلى أخرى أشد سوءاً ؛ فقد أخذ الفرس يمطرونهم من أعالي الأبراج بسهامهم الصائبة، وجعلوا يدلُّون من فوق الأسوار سلاسل من الحديد، في نهاية كل سلسلة كلاليب متوهجة من شدة ما حميت بالنار، فإذا أراد أحد جنود المسلمين تسلق السور أو الاقتراب منه أنشبوها فيه، فيحترق جسده ويتساقط لحمه.

وبينما كان أبو موسى الأشعري يتأمل سور تستر العظيم يائساً من اقتحامه، سقط أمامه سهم، قُذف نحوه من فوق السور، فنظر فيه فإذا فيه رسالة تقول: ” لقد وثقت بكم معشر المسلمين، وإني أستأمنكم على نفسي ومالي، ولكم عليَّ أن أدلَّكم على منفذ تنفذون منه إلى المدينة.

فكتب أبو موسى أماناً لصاحب السهم وقذفه إليه، تسلل صاحب السهم إلى المسلمين في الليل، وقال لأبي موسى:  لقد آثرتُ عدلكم على ظلم الهرمزان ـ فقد عدا علينا وقتل ونهب، وعزمت أن أساعدكم في الوصول إلى داخل المدينة، فأعطني إنساناً قوياً عاقل، يتقن السباحة حتى أرشده إلى الطريق” فقال مجزاة: ” اجعلني ذلك الرجل أيها الأمير “.

فأرسله أبو موسى مع الرجل، فتقدمه الرجل الفارسي في الليل، فدلّه على موضع عند مخرج الماء يمكن أن يتسلل منه المسلمون ويفتحوا المدينة، فدخل مجزأة ينبطح على بطنه حيناً ويحبو حيناً آخر حتى دخل المدينة سراً وعرف طرقها، فأراه الرجلُ الهرمزانَ، فهمَّ مجزأة بقتله، إلا أنه تذكر أن أبا موسى منع جنوده أن يفعلوا شيئاً إلا بعد مشورته. فرجع مجزأة إلى أبي موسى وأخبره بما حصل؛ وكان أبو موسى قد أعدَّ ثلاثمائة فارس من أشجع جنود المسلمين، وأقدرهم على السباحة، وجعل التكبير علامة على دعوة جند المسلمين لاقتحام المدينة، ومضى بهم تحت جنح الظلام .

ظل مجزأة بن ثور وجنده البواسل وقتاً طويلاً يصارعون عقبات الطريق… ولما بلغوا المنفذ المؤدي إلى المدينة، وجد مجزأة أن الطريق لم يُبق له من أصحابه سوى ثمانين رجل… وما إن وصلوا أرض المدينة حتى جردوا سيوفهم، وانقضوا على حماة الحصن فأغمدوها في صدورهم، ثم فتحوا الأبواب وهم يكبرون، وتدفق المسلمون على المدينة عند الفجر، ودارت بينهم وبين أعداء الله معركة حامية الوطيس، قلما شهد تاريخ الحروب مثلها.

وفيما كانت المعركة قائمة أبصر مجزأة بن ثور الهرمزان في ساحتها فقصده ، وتبارز مجزأة والهرمزان بسيفيهما ، فضرب كل منهما صاحبه ضربة قاضية، فارتد سيف مجزأة وأصاب سيف الهرمزان، فخرَّ البطل الباسل صريعاً على أرض المعركة وعينه قريرة بما حقق الله على يديه…

وواصل جند المسلمين القتال حتى كتب الله لهم النصر، ووقع الهرمزان أسير، وانطلق المسلمون إلى المدينة يحملون بشائر النصر للفاروق عمر، ويعزونه باستشهاد الصحابي الفارس مجزأة بن ثور السدوسي…


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *