By / 8 أغسطس، 2020

قصة كتاب جذور العداء

بدأ استخدام الانترنت في مصر بحلول عام 1993، حيث اُستخدم أولا في التعليم الجامعي بشكل محدود، وبلغ عدد المستخدمين آنذاك 2000 مستخدم، ثم بدأت في عام 1994 أولى المحاولات الحكومية لتوفير النت بشكل مجاني خارج الجامعات للقطاعين العام والخاص وتزايد استخدامه حتى وصل عدد مستخدمي الإنترنت في مصر إلى 3.9 مليون مستخدم في عام 2004 حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

لازلت اتذكر أول مرة استخدمت فيها شبكة الإنترنت في عام 2000 مع افتتاح أول محل سايبر في المدينة التي كنت أقيم بها، وكانت تكلفة ايجار الساعة الواحدة تبلغ 10جنيهات مصرية أي 3 دولارات وقتها، وهو مبلغ كبير آنذاك. ثم جاء الغزو الأميركي للعراق ليساهم في بروز مواقع إخبارية إسلامية ركزت على متابعة تطورات الأحداث في العراق مثل موقعي مفكرة الإسلام والمختصر، وبالتوازي مع ذلك بدأ انتشار أجهزة الحاسب في المنازل مع انخفاض ثمنها وإتاحة توصيلها بشبكة الإنترنت. لكن منذ 10سنوات كان المحتوى العربي المتوافر على النت محدودا مقارنة بما هو عليه اليوم، وقبل 20 سنة كان المحتوى من الكتب المصورة، والمواقع الإخبارية والمعلومات المتاحة أقل محدودية.

عندما هممت في نهاية عام 2011 بتدوين ونشر كتاب (العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية) الذي تمحور حول تحليل عدد من الوثائق الأمنية المنشورة، واجهت مشكلة في العثور على مصادر تتناول تاريخ نشأة أجهزة الأمن السياسي في مصر، وكانت المعلومة الوحيدة المتوافرة عن ذلك على الانترنت موجودة على موسوعة ويكيبيديا، واضطررت في النهاية لإيراد المعلومة مع ذكر مصدرها الضعيف من باب الأمانة العلمية. وعقب نشر الكتاب تلقيت تعقيبات من بعض الأصدقاء تشير إلى أن ويكبيديا لا تصلح كمصدر للاستشهاد به، وحبذا البحث عن مصدر بديل، وهو ما ظل يشغل ذهني.

خلال تفقدي لأحد معارض الكتب القديمة في كلية الهندسة بجامعة المنصورة في عام 2012، والتي تخرجت منها قبل ذلك بعدة سنوات، عثرت على الخيط الأول لما أبحث عنه في كتاب بعنوان (الشرطة المصرية: من عام 1922 إلى 1952) صدر عام 1988 عن مكتبة مدبولي للدكتور عبدالوهاب بكر. وعندما تصفحت الكتاب وجدته يتناول عدة قضايا أبحث عنها مع إشارته لمصادر لم أسمع بها من قبل مثل رسالة ماجستير للدكتور عبدالوهاب غير منشورة آنذاك عن (الشرطة المصرية من عام 1805 إلى 1922) أجيزت من كلية الآداب بجامعة عين شمس في عام 1977.

حاولت تجميع بعض المعلومات عن د. عبدالوهاب بكر، فوجدت أنه أستاذ تاريخ معاصر بجامعة الزقازيق، وضابط شرطة سابق وصل إلى رتبة عميد، وكان عضوا بمجلس بحوث أكاديمية الشرطة، ووصلت إلى عنوان سكنه ورقم هاتفه الذي عثرت عليه في قاعدة خبراء الأمن العرب بأكاديمية نايف للعلوم الأمنية السعودية حيث كان موقعها الإلكتروني يتيح آنذاك قاعدة بيانات مميزة. ومن ثم اتصلت بالدكتور عبدالوهاب ورتبت معه زيارة له في بيته بمصر الجديدة. ووجدته رجلا كهلا يبدو من هيئته أنه في نهاية السبعينات أو بداية الثمانينات من عمره، واستقبلني بلباقة ولطف، ونصحني بالاطلاع على رسالتي ماجستير ودكتوراه عن تاريخ أجهزة الأمن السياسي في مصر من عام 1922 إلى 1936، ثم من 1936 إلى 1952 أشرف عليهما في جامعة عين شمس، وكتبهما ضابط شرطة سابق اسمه محمد خيري طلعت صار أكاديميا بكلية آداب جامعة المنيا.

استفسرت لاحقا عن خيري طلعت لكن سمعت أنه شخص غير لطيف في تعاملاته، وسمعته سيئة، وتوجهاته السياسية معادية للإسلاميين، فلم أحرص على لقائه. وتيسر عبر صديق زيارة جامعة عين شمس والاطلاع على رسالة الماجستير التي كتبها د. عبدالوهاب بكر – نشرتها لاحقا دار الكتب والوثائق القومية في جزئين في عام 2016 – فضلا عن رسالتي الماجستير والدكتوراه لمحمد خيري طلعت. وهو ما فتح أمامي الأبواب المغلقة، فوجدت فيضا هائلا من المعلومات والمصادر بدأت في تتبعها والاطلاع عليها بالتفصيل، وواكب ذلك قراءة مكثفة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر قرأت خلالها عشرات الكتب من بينها سلسلة عبدالرحمن الرافعي التي بلغت 17 كتابا كبيرا عن تاريخ مصر منذ الحملة الفرنسية حتى عام 1959.

تجمعت لدي من خلال تلك القراءات معلومات متنوعة عن تاريخ منظومة الأمن السياسي في مصر منذ نشأتها حتى بداية العهد الناصري، ولم يعد الأمر يقتصر على تصويب وعزو معلومة نقلتها عن ويكيبديا في كتاب العقلية الأمنية. فحبذت نشر ما تجمع لدي في كتيب جديد عنونته بجذور العداء. ومن الطريف أنه خلال تلك الفترة أي في عام 2012 اعتذر عدد من الأصدقاء عن مراجعة المسودة التي كتبتها نظرا لانشغالهم بمستجدات المشهد العام، فيما قال آخرون أن الموضوع غير مهم ولا يستدعي نشر كتاب فيه، وعمليا كان يوجد تحدي متمثل في عدم وجود علاقة بناشرين، وهو ما جعلني سابقا أنشر كتاب العقلية الأمنية على حسابي الشخصي حيث طبعت منه 3 آلاف نسخة استغرقت مني وقتا حتى أتمكن من توزيع وبيع كمية تغطي تكلفة الطباعة. وكنت وقتها أتوهم أن ذلك العدد من النسخ قليل حيث دائما ما كنت أقرأ في كتب عالم المعرفة أنه جرى طبع 40 ألف نسخة من الإصدار. وعلمت لاحقا أن المعتاد لدى الناشرين طبع 500 أو 1000 نسخة فقط من الكتاب الواحد ثم إعادة الطباعة مع نفاذ الطبعة السابقة. وعموما تيسر بفضل الله إتمام بيع عدد كبير من نسخ الكتاب، ومن ثم طبعت لاحقا كتاب جذور العداء، لكن المراجعة اللغوية والتنسيقية التي تعاقدت عليها مع أحد الأشخاص كانت غير جيدة.

في النهاية خرج الكتاب للنور، ورفعته كسابقه على النت لتعميم الإفادة رغم نصح بعض موزعي الكتب بعدم فعل ذلك لأنه سيجعل الراغبين في قراءة الكتاب يفعلون ذلك عبر النت دون شراء نسخته الورقية. لكن رأيت أن تعميم الفائدة أهم بحيث يقرأه آخرون في دول خارج مصر، واعتبرت أن وجود الكتاب إلكترونيا لن يمنع من شرائه ورقيا. وبالفعل تيسر توزيع عدد كبير من نسخه ثم جاء الانقلاب بأحداثه الدموية والكثيفة لتصلني من بعض المكتبات ورود تعليمات لها بعدم بيع الكتابين. وفقدت آثر بقية النسخ الموجودة لدى المكتبات والموزعين في ظل تعرض العديد منهم للاعتقال أو مصادرة ما لديه من كتب.

خلال فترة السجن قرأت المزيد من سلاسل الكتب عن تاريخ مصر مثل سلسة مصر للمصريين لسليم النقاش، و9 أجزاء من مذكرات سعد زغلول تضمنت في ثناياها معلومات مهمة عن الأمن السياسي في عهد الاحتلال البريطاني، وعقب الخروج من السجن وجدت العديد من المصادر المهمة في تاريخ الأمن السياسي والشرطة عموما مطُبوعة للمرة الأولى مثل رسالة ماجستير د. عبدالوهاب بكر، بل وأتيح بعضها إلكترونيا مثل مذكرات محمد الجزار أحد أشهر ضباط الأمن السياسي في نهاية العهد الملكي.

ولعل أحد المشاريع المستقبلية يكون تطوير كتاب جذور العداء ليضاف له معلومات ومصادر جديدة وفترات أخرى تتجاوز المرحلة الزمنية التي تناولها مع ضبط الأحداث وفهمها في أطر أوسع.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *