By / 15 يوليو، 2021

كيف تسبب السيسي في ضياع النيل؟

مع اقتراب موعد الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي، وفشل المفاوضات الأخيرة بين مصر والسودان وإثيوبيا، والتي عقدت في أبريل الماضي،لم يتحقيق أي تقدم نحو حل أزمة سد النهضة، تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام أزمة السد، بينما يتهم المصريون قائد الانقلاب العسكري، عبدالفتاح السيسي، بأنه من تسبب في ضياع مياه النيل.

اتفاق إعلان المبادئ

تعد وثيقة إعلان المبادئ هي المرحلة الأخطر في جولة بناء السد فهي التي أدت لما وصلنا له  من الملء الثاني، وتحكم إثيوبيا بالأمر وعدم قبولها المفاوضات، إذ فشلت جولة المفاوضات الأخيرة التي أقيمت في أبريل 2021، برعاية الاتحاد الإفريقي، فيالتوصل إلى أي شيء جديد.

وقد اشتعلت بعدها منصات التواصل الاجتماعي المصرية بالغضب وتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن الموقف المتأزم في القضية الأهم لحاضر ومستقبل البلاد، التي تعاني بالفعل من فقر مائي، ولا تتحمل أن تفقد ولو جزءاً من حصتها المائية من نهرالنيل.

وتحدث السيسي موجهاً التهديد الثاني  ملقياً في الوقت ذاته باللوم على ثورة  يناير في نجاح أديس أبابا في تشييد السد وتنفيذ الملء الأول والاستعداد للملء الثاني، مثيراً مزيداً من الجدل حول كيفية إدارة مصر للملف منذ البداية، وصولاً إلى المحطة الحالية من الانسداد في المسارات السياسية والدبلوماسية، وتصدر حديث المسار العسكري للمشهد.

وبتتبع الأحداث سنجد أن قضية السد كانت بعيدةً عن الأضواء سياسياً وإعلامياً، بعد الانقلاب العسكري، حتى سبتمبر 2014، إذ عقد أول اجتماع للجنة ثلاثية تضم مصر وإثيوبياوالسودان، للتباحث حول صياغة الشروط والقواعد الإجرائية للجنة الفنية المعنية بدراسة آثار السد، وتم الاتفاق فيأكتوبر2014، على اختيار مكتبين استشاريين، أحدهما هولندي والثاني فرنسي، لإعداد الدراسات المطلوبة.

وفي مارس 2015،  ظهر السيسي في الخرطوم ممسكاً بيد نظيره السوداني  عمر البشير، ورئيس وزراء إثيوبيا السابق، معلنين التوقيع على وثيقة باسمإعلان مبادئ سد النهضة“، تضم 10 مبادئ  زاعمين أنها من منبثقة عن قواعد القانون الدولي للتعامل مع الأنهار الدولية.

ومثل هذا التوقيع نقطة تحول فاصلة في تعامل إثيوبيا مع عملية تشييد السد، الذي لم يكن تم منه سوى نحو 30%، إذ أحجمت البنوك والشركات والهيئات الدولية عن المخاطرة بالاستثمار في تشييد السد، نظراً للمخاوف القانونية، في ظل غياب اتفاق قانوني مع دولتي المصب، وهو ما تحقق بتوقيع إعلان المبادئ.

أدى الاتفاق لتقنين أوضاع سد النهضة، وحوّله من سد غيرمشروع دولياً إلى مشروع قانونيا، كما ساهم في تقوية الموقف الإثيوبي في المفاوضات الثلاثية، ولا يعطي مصر والسودان نقطة مياه واحدة، وأضعف الاتفاقيات التاريخية، و تمت إعادة صياغته بما يحقق المصالح الإثيوبية فقط، وحذف الأمن المائي لمصر.

تخدير الشعب لتضييع الوقت

رغم تصاعد لهجة السيسي المصطنعة تجاه أزمة سد النهضة، وتهديداته بأنه لن يترك يسمح بحدوث الملء الثاني، لكنها لا تتجاوز حدود التصريحات، لذلك اعتبرها بعض المعارضين وقتها تصريحات السيسي نوعا من الاستهلاك المحلي لتهدئة الغضب الشعبي المتصاعد تجاه غموض الموقف المصري.

ولذلك يخشى مصريون أن تؤدي تلك التطورات إلى التعامل مع سد النهضة كأمر واقع، بعد أن فشلت كل أوراق التفاوض والضغط الإقليمي والدولي في الوصول إلى أي اتفاق، فضلا عن السياسات المصرية الداخلية التي بدأت في تفعيل بدائل لمياه النيل.

كما أن التصريحات الرسمية المتناقضة، تؤكد التخاذل المصري تجاه الأزمة والاستسلام للأمر الواقع، فبعد شهرين من حديث السيسي الذي ركز على التحذير من أضرار المانع المائي علىالحقوق التاريخية للقاهرة في نهر النيل، يخرج وزير خارجية الانقلاب سامح شكري يتحدث عن انعدام خطورة الملء الثاني وأن المصالح المصرية لن تتأثر به.

المثير أن شكرى سبق أن وصف قيام إثيوبيا بالملء الثاني المنفرد بأنهسيسبب أضرارا كبيرة، بل كارثية، على دولتي المصب“، وذلك في خطاب أرسله إلى  الأمم المتحدة، ومجلس الأمن.

ووصف مراقبون تناقض تصريحات شكري بأنها إشارة إلى قبول حكومة السيسي بالضغوط التي مورست عليها لعدم التصعيد في أزمة السد، مضيفا أنالتصريح أيضا هدفه تخدير الشعب المصري بالكذب لمداراة الفشل الحكومي في الحفاظ على ثروات مصر“.

توريط الجيش وإفشاله  

صرحت مصر في اكثر من مرة عن امكانية استخدام الخيارالعسكري الغاشم لحماية أمنها المائي، وفي مرات أخرى يخرج السيسي  ليستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري، ويبدو أن طاغية مصر يعول دائما على الحلول السلمية والدبلوماسية، وبات من الواضح أن البلاد تحت حكمه استسلمت لواقع السد دون إشارة لأي تحرك عسكري.

إلا أن بعض الدراسات ترى ان الخيار العسكري لمواجهة أزمة سد النهضة مستبعد،وفي الوقت الذي اشترت فيه القاهرة أسلحة بمليارات الدولارات خلال الأعوام الماضية، لشراء ولاء الحكام، عن طريق الاستدانة، وهو ما ستتكبد تبعاته الأجيال القادمة، يشكك محللون في قدرة مصر على استهداف سد النهضة، بسبب عدم امتلاكها صواريخ بعيدة المدى لضرب السد.

كما أن قصف مصر لسد النهضة المحمي بمنظومات صواريخ إسرائيليّة ربّما يؤدي إلى ردٍّ بقصف السد العالي في المقابل، وربما بصواريخٍ إسرائيليّة أو أمريكية، أو صفقة يجري فرضهاعلى مصر بإيصال مياه النيل إلى الدولة العبرية.

طلب الوساطة الأمريكية

لجأ السيسي إلى أمريكا للتوسط في حل أزمة سد النهضة، ورغم الوساطة الامريكية والتي تصفها اثيوبيا انها تعمل لصالح مصر، الا ان خبراء يرون أن أمريكا تعتبر اثيوبيا مركزنفوذها الأهم فيالقارّة الإفريقية، فضلا عن أن إثيوبيا تحظى بدعم اللوبياليهودي الإسرائيلي.

وأكدت الولايات المتحدة، أن طاولة المفاوضات هي الحل الوحيد للأزمة، وأكدت على حتمية الحل السلمي عبر التسوية التفاوضية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، كما أكدت أنه لا مجال للحل العسكريعلى الإطلاق.

كما أنها اعتبرت أن اتفاقية المبادئ الموقعة عام 2015 وبيان الاتحاد الأفريقي في يوليو2020 هما بمثابة بنية تحتية أو ميثاق أساسي للبناء عليه، مما يصعب الأزمة على مصر.

من جهة أخرى، فإن أمريكا لن تتخلى عن مصالح دولة الكيان الصهيوني من سد النهضة، بعد أن أشارت العديد من الدلائل علىوجود دور للكيان الصهيوني في بناء السد النهضة، من بينها ماورد في تقرير مطوّل لقناة لؤومنوت العبرية، تؤكد أنّ الكيان الصهيوني يدعم إثيوبيا في بنائها للسد، ووقفت بجانبها خطوة بخطوة.

كما شهدت الفترة الأخيرة ما قبل بناء السد، وجودًا كبيرا للمهندسين الإسرائيليين، وزيارات متكررة، كما استقرت بعثة منهم  قيل أنهم ساهموا في بناء السد، إلى جانب استحواذ الشركة الأم المشغلة لهم، على الدور الأبرز في بناء ميناء جديد لأثيوبيا.

إلى جانب ذلك، الحديث عن الدور الإسرائيلي في المساعدة التكنولوجية في بناء السد، إذ وُجهت اتهامات واضحة لها ولم تنفهاإسرائيل“، موضحة أنها تبيع تكنولوجيا لكل العالم.

كذلك قام الكيان الصهيوني بالإشراف على تطوير الزراعة الإثيوبية، واشترطت أن يتم الاستمرار بذلك من خلال توفير حصة أكبر من المياه، ما دفع إلى التعجيل في بناء السد لتوفير المياه والطاقة، ويشار إلى أن شركات إسرائيلية ضخمة تقف وراء مشروع توليد الطاقة وبيعها مستقبلا.

كما كشف العديد من الخبراء الإسرائيلين عن العائد الذي يتوقعون تحقيقه من السد، وأنه سيكون له إضافات نوعية تُساهم بدورإسرائيلي متصاعد في المنطقة، وهو ما يسعى له الكيان الصهيوني.

علاوة على أن هناك مطالب تاريخية إسرائيلية منذ السبعينيات، أرادت أن يكون لها نصيبا من مياه نهر النيل، وقد قوبلت بالرفض، وبالنظر إلى العلاقة الإثيوبيةالإسرائيلية في الوقت الحالي، فقد قال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنها استراتيجية، وقال إنّ يهود إثيوبيا تحديدًا، يمثلون الحلم الصهيوني، وباتوا رافعا للدولة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *