By / 20 يوليو، 2020

كيف يحاول السيسي طمس الهوية الإسلامية للشعب المصري؟

منذ أن تولى عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري حكم مصر، يسعى هو ونظامه لطمس الهوية الإسلامية للشعب المصري، بل وقد بدأ الأمر مبكرا منذ الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، حيث بدأت اللحظات الأولى للانقلاب بإغلاق عدد من القنوات الإسلامية، واعتقال العديد من علماء الدين والدعاء والشيوخ، ومن وقتها وحتى الآن تغلق وتهاجم المساجد ويهاجم الإسلام وتلصق تهم الإرهاب بالمسلمين.

هدم المساجد وإغلاقها

سجّل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي رقمًا قياسيًّا في الحرب على بيوت الله؛ حيث يثبت كل يوم أن هذه المساجد تمثل له عدوًّا يجب محاربته تصريحًا وتلميحًا وهدمًا، فمنذ الانقلاب العسكري تم هدم عشرات المساجد بدعاوى مختلفة، 

وأصدرت أوقاف الانقلاب العديد من القرارات بإغلاق مئات الزوايا بعدة محافظات من بينها 650 زاوية ومسجدًا بالإسكندرية بحجة مخالفتها الشروط والضوابط المنصوص عليها، كما تم تحرير عشرات المحاضر ضد أشخاص بزعم اعتلاؤهم المنابر للخطابة بدون ترخيص.

فحتى يونيو 2014 بلغ عدد المساجد والزوايا التي صدر قرارات بإغلاقها في الإسكندرية وحدها 909 مساجد وزاوية بدعوى مخالفتها الشروط والضوابط المنصوص عليها في القانون.

وفي يوليو 2016 وافقت الأوقاف على هدم 64 مسجدا على مستوى الجمهورية، لوقوعها ضمن نطاق توسعات مزلقانات هيئة السكك الحديدية، بينها 12 مسجدا في مركزي طلخا و شربين بمحافظة الدقهلية.

وفي مايو 2015 تعرضت خمسة مساجد للهدم في محافظة شمال سيناء بإشراف مباشر من الجيش، وسبق أن هدمت قوات الجيش مساجد أخرى في سيناء عبر قصفها بالطائرات المروحية -خصوصا في مدينتي رفح والشيخ زويد- بدعوى محاربة الإرهاب.

جامعة القاهرة هي الأخرى، طال مساجدها الهدم، ففي نوفمبر 2015 قال رئيس الجامعة -آنذاك- جابر نصار إنه “تم تحطيم جميع منصات إطلاق صواريخ التطرف والعنف والإرهاب داخل الجامعة من خلال افتتاح مسجد لأداء الشعائر داخل الجامعة، وإلغاء جميع المصليات التي كانت تستخدم في نشر الفكر المتطرف داخل الجامعة”.

كما صدر قرارا بمنع استخدام مكبرات الصوت في صلاة التراويح في غير الأذان والإقامة، وتم منع الصلاة في قرابة 25 ألف مسجد وزاوية بعدد من المحافظات، بدعوى عدم حدوث أي تشويش بين المساجد وبعضها، وتوفير راحة كاملة للمرضى وكبار السن

كما حظرت أوقاف الانقلاب بناء المساجد والزوايا أسفل العمارات السكنية أو بينها دون إذن مسبق من الوزير بدعوى عدم توظيفها لأغراض لا تتفق مع الخطاب الديني”.

استهداف المصلين والمساجد 

ووقعت في عهد قائد الانقلاب العسكري عددا من المذابح بحق مصلين، ففي يوليو 2013 وأثناء قيام المعتصمين أمام دار الحرس الجمهوري بأداء صلاة الفجر وبينما هم في الركعة الثانية من صلاتهم قامت قوات من الداخلية والجيش بمحاصرتهم من كافة الجوانب وبدأت بإلقاء الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي ما تسبب في عشرات الشهداء ومئات المصابين.

في الشهر نفسه وقعت مذبحة مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، حيث قامت مجموعات من البلطجية المسلحين بمعاونة الداخلية بمهاجمة المسجد بمن فيه وحصاره مما نتج عنه عدد من الشهداء والمصابين.

ومما كان أشد جرما، مذبحة فض رابعة، والتي تم خلالها اقتحام مسجد رابعة العدوية، وحرق أجزاء منه بمن فيها من مصابين وشهداء، وحيث تم حرق جثثهم، وظل المسجد مغلقا لأكثر من 6 سنوات بعد المجزرة.

لم تكتف قوات الانقلاب بمجزرة الفض، وبعد يومين فقط، هاجمت قوات من الجيش والشرطة المسيرات الرافضة للانقلاب أمام مسجد الفتح بميدان رمسيس وقاموا بإطلاق نار عشوائي على المتظاهرين لمدة تزيد عن ست ساعات متواصلة راح ضحيتها نحو 200 شهيد ومئات الجرحى وقد ظل المسجد مغلقا أكثر من 15 شهرا.

ولم يكف السيسي في خطاباته عن ربط المساجد بالإرهاب، ووصل الأمر إلى تنفيذ ذلك عمليا في حفل تخرج طلاب الكلية الجوية في يوليو 2016 وبحضور السيسي شخصيا، حيث نفذت طائرات حربية مصرية مناورة تحاكي عملية لـ”محاربة الإرهاب” تضمنت قصف مجسم مسجد بحجة أنه يؤوي إرهابيين.

واستخدمت في المناورة مروحيات عدة من أنواع مختلفة، إضافة إلى مجموعات قتالية من وحدات المظلات.

لكن المساجد ليست سواء في نظر السيسي، ففي حين شهد عهده هذا التعامل غير المسبوق مع المساجد هدما وحرقا إلا أنه افتتح مؤخرا مسجد “الفتاح العليم”، واختار له من بين أسماء الله الحسنى الـ99 اسم “الفتاح”.

خطوة رأى فيها البعض رسالة أنه يريد مساجد تتوافق مع رؤيته للخطاب الديني، حيث تشد إليها الرحال والرحلات حتى إن كانت في قلب الصحراء حيث يندر المصلون.

استخدام المساجد كفزاعة للغرب 

وقد واصل السيسي منذ الانقلاب العسكري حملته التحريضة على الإسلاميين، ملصقا بهم وبدور عبادتهم اتهامات الإرهاب والتطرف، ومحذرا دول أوروبا والعالم من خطر محتمل يأتي من الخطاب الديني داخل المساجد

وقبل شهر من “مذبحة المسجدين” في مدينة كرايست تشيرتش النيوزيلندية، دعا السيسي -في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن- الأوروبيين إلى مراقبة المساجد في الغرب، وحثهم على “الانتباه لما ينشر في دور العبادة”.

وشدد السيسي على ضرورة “تضييق الخناق على الجماعات والتنظيمات التي تمارس الإرهاب، أو الدول التي ترى في غض الطرف عنه -بل وفي حالات فجة تقوم بدعمه- وسيلة لتحقيق أهداف سياسية ومطامع إقليمية”.

ويرى مراقبون أن السيسي يمارس هذا الدور التحريضي على كل ما هو إسلامي نظرا لأن مقومات بقائه عند الغرب هو ما يدعيه من أن الإسلام والإرهاب وجهان لعملة واحدة وأنه لا مكان للإسلام في العالم وبخاصة أوربا وأمريكا.

كما رأوا أنه يسعى لمحاولة كسب الشرعية ورضا المجتمع الدولي بأنه أفضل من يخدمهم في مواجهة الإسلام، كما أنه يسعى للتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بعد المطالبة بفضح هذه الانتهاكات ومحاكمته عليها.

حارب المفاهيم 

“تجديد الخطاب الديني” تحت هذا المسمى خرج السيسي علينا في خطاباته زاعما أنه يريد القضاء على الأفكار الإرهابية المتطرفة، وأنه يريد الدفاع عن صورة الإسلام الصحيح الذي يدعّي أنه تشوه بسبب الإسلاميين وخاصة جماعة الإخوان المسلمين؟

واتسمت نبرة السيسي في معظم خطاباته للمصريين بالورع وكان يشدد على أن الخطاب الديني يكبل مصر ويحول دون انطلاقها، ومن بين ما قال: “أنا أتصور أن الخطاب الديني في العالم الإسلامي بالكامل أفقد الإسلام إنسانيته. احنا بالنسبة للعالم الاسلام… الأمر محتاج مننا ومن كل الحكام أن يراجعوا مواقفهم لأن احنا هنقف قدام الله سبحانه وتعالى ويقول لنا انتوا قدمتوني للناس إزاي”.

ومن بين خطاباته أيضا: “ثمة جانب ديني في شخصيته وفي الوقت نفسه هي أداة سياسية لتعزيز شعبيته وشرعيته بين المصريين المحافظين”، وتابع “لدي رؤية دينية من نوع ما للمجتمع”.

وقال السيسي إن الجماعات التي تتبنى العنف هي ستار للإخوان، وأن “قطاع السياحة أضير على مدى 50 عاما مضت بشكل متواصل نتيجة الخطاب الديني غير المرتبط بمفاهيم وتطورات العصر”.

ودعا السيسي إلى “ضرورة أن يكون هناك خطاب ديني مستنير لحماية المجتمع من الأفكار الدخيلة، وطالب علماء الدين بتفسير الإسلام بما يواكب العصر”. وقال إن الخطاب الديني تجمد لمئات السنين.

كما قال إن دور العبادة يجب أن تلعب دورا في إصلاح المشاكل الاخلاقية في مصر وإن القرارات الصائبة يجب أن تنسجم مع المجتمع وأحكام الدين.

ويرى مراقبون أن كثرة الإشارات الدينية في أحاديث السيسي ربما لتثبت أنه أكثر تقوى ظاهريا من أي من القادة ذوي الخلفية العسكرية الذين حكموا مصر منذ قيام ثورة 1952، كما أنه يحاول أن يحل محل الاسلاميين ويرد على الحجج التي تقول إنه معاد للإسلام.

وشبه البعض السيسي بأنور السادات الذي كان معروفا عنه التدين وأطلق عليه وصف الرئيس المؤمن، ومثل السادات تبدو على جبهة السيسي (زبيبة) من أثر السجود، كما ترتدي زوجة السيسي الحجاب.

الطرق الصوفية 

تحدثت تقارير صحفية إثر الانقلاب العسكري منتصف 2013، عن أن السيسي له جذور صوفية، وكان والده شيخا لطريقة “المرازقة الأحمدية” عن منطقة “الجمالية” بالقاهرة، كما قيل إن السيسي ينتمى للقبيلة “الصوفية”، التي ينتهي نسبها للإمام جعفر الصادق وقبيلة “الأشراف”.

الطرق الصوفية حظيت بفرصة كبيرة، وتمت المراهنة عليها بعد تراجع دور جماعات الإسلام السياسي و تموضعه في المشهد المصري، خاصة وأنها بعيدة عن العمل السياسي نوعا ما، إلا أنها حتى اللحظة لم تستطع أن تشغل حيزا على مستوى المجتمعي فضلا عن السياسي كما كانت تشغله قوى الإسلام السياسي.

وأيّدت الطرق الصوفية أحداث 30 يونيو وساندت الجيش في مواجهة ما يزعمون بـ”الإرهاب”. وفي انتخابات الرئاسة 2014، حسمت الطرق موقفها من مرشحي الرئاسة بدعم السيسي، كما دعمته بانتخابات 2018، حيث دعا مشايخ الطرق الصوفية بمولد القطب الصوفي أبو الحسن الشاذلي، الأتباع والمريدين لانتخاب السيسي، ومبايعته لفترة رئاسية ثانية.

وليس جديدا توظيف الأنظمة المصرية المتعاقبة على حكم مصر للطرق الصوفية سياسيا، بدءا من جمال عبد الناصر ومرورا بأنور السادات وحسني مبارك، وانتهاء بالسيسي، إلا أن البعض أكد أن الأخير له دورا أكثر تأثيرا بعد التغييب القسري لقوى الإسلام السياسي بمصر.

ويبلغ عدد الطرق الصوفية بمصر نحو 77 طريقة، منها 67 مسجلة بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية، وتتفرع جميعها من أربع طرق رئيسية: هي الرفاعية ، والبدوية، والشاذلية، و القنائية.

 ويتم انتخاب المجلس الأعلى للطرق الصوفية رسميا، وتحت إشراف مجلس الدولة بالتعاون مع محافظة القاهرة، وكانت آخر انتخابات في 24 2017.

اتهام الإسلام بالإرهاب 

“أنا مسلم ولكن الاسلام هو دين الإرهاب والتطرف ويجب مواجهته”.. قالها السيسي صراحة أن الإسلام دين الإرهاب، ليس في حواره هذا فقط، بل في العديد من الخطابات الأخرى كان في كل مرة يؤكد على أن الإسلام هو من جلب التطرف وأن الإرهابيون جميعهم مسلمون.

فنجده في كلمة له بمناسبة المولد النبوي الشريف يقول: إنه “ليس معقولا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها..لا يمكن أن يَقتل 1.6 مليار مسلم الدنيا كلَّها التي يعيش فيها سبعة مليارات حتى يتمكنوا هم من العيش”.

واستنكر الكثيرون تصريحات السيسي عن الإسلام، وطالبته بمراجعة عقيدته وبيان ملته بصراحة للناس، ورأوا أن صدور تلك التصريحات من من رئيس دولة مسلمة بمثابة كارثة كبرى، لا سيما وأنه اعتبر أن المسلمين مصدر الشرور والقلاقل في العالم، كما طالبت علماء الأزهر ببيان موقفهم منها.

ورأوا أنه من غير المقبول أن يَتهم السيسي المسلمين في أرجاء المعمورة بالإرهاب “فهذا كلام لا يقول به إلا جاهل بالمسلمين  ودينهم وتاريخهم وحضارتهم التي وسعت البشرية جميعا حين حكمت”.

كما استطاع السيسي تجنيد مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء إلى تبني ما سمتها دعوة السيسي لتجديد الخطاب الديني، إذ أكدت هذه المؤسسات أن الخطاب الديني تكتنفه معضلات كبرى هي الجمود و الانفلات والتسيب، ومحاولة السطو على الثوابت والخوف من التجديد أو التردد فيه.

وانتقد وزير الأوقاف مختار جمعة من يعتبر دعوة التجديد كفراً أو ارتداداً أو مروقاً من الدين، أو أن مجرد التفكير في التجديد خروج على الثوابت وهدم لها. وبين جمعة أن الإنسان لا يخرج من الإسلام إلا إذا جحد ما أدخله فيه وهو النطق بالشهادتين.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *