By / 17 مايو، 2021

لأن القبة الحديدة ليست بالقوة التي تصدّرها دولة الاحتلال

منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية ردها العسكري على ما حدث في المسجد الأقصى من قِبَل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أيام قليلة قبل نهاية شهر رمضان، تعالت الأصوات -داخل إسرائيل وخارجها- مؤكدة دقة منظومة “القبة الحديدية” (Iron Dome) الدفاعية التي تُشغِّلها دولة الاحتلال، وقدرتها على صد الغالبية العظمى من الصواريخ القادمة من غزة.

بشكل أساسي، القبة الحديدية(1) هي منظومة دفاع صاروخي متطورة تبدأ من رادار يُفعَّل إذا انطلق أي صاروخ في نطاق 5-70 كيلومترا من نقطة مركزها المنطقة التي تغطيها القبة، فيما يقوم الرادار بإرسال المعلومات إلى وحدة معالجة تدرس مسار الصاروخ، ونوعه، وما إذا كان متجها إلى منطقة مأهولة أم لا، وعبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تُقرِّر ما إذا كان الصاروخ القادم يستحق أن يُعترض أم لا.

تستخدم المنظومة الخاصة بالقبة الحديدية تحليل التكلفة والفائدة لاتخاذ القرار، بحيث تكون الأولوية لمنع الخسائر البشرية، وحينما تتخذ قرارها، ينطلق صاروخ مضاد من إحدى البطاريات التابعة للقبة الحديدية والموزعة بعناية في مناطق متفرقة داخل المدينة المطلوب تأمينها، بطول نحو ثلاثة أمتار وعرض يساوي 15 سنتيمترا، يستهدف الصاروخ القادم.

الادعاء الأساسي، الذي تبنَّته سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ الحرب على غزة عام 2012، وما زالت إلى الآن تُصدِّره دعائيا إلى كل دول العالم بوصفه انتصارا عسكريا وتقنيا غير مسبوق، هو أن كفاءة المنظومة(2) تتجاوز 84%، بمعنى أنه من بين كل مئة صاروخ تبدأ القبة في تتبُّعها، فإنها تعترض بنجاح 84 صاروخا على الأقل.

بدأت العملية العسكرية المُشار إليها بقتل أحمد الجعبري، نائب القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، نتيجة غارة جوية، واستمرت ثمانية أيام، كثَّفت خلالها فصائل المقاومة من هجماتهما الصاروخية على المدن الإسرائيلية، وأطلقت في المجمل نحو 1500 صاروخ على إسرائيل، وأكثر من مئة صاروخ داخل غزة نفسها.

في حرب 2014 على غزة، التي استمرت قرابة 50 يوما وتفجَّرت على خلفية الغضب الشعبي الذي أعقب خطف الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير وتعذيبه على أيدي مجموعة مستوطنين، تطوَّرت الدعاية الإسرائيلية لتقول إن قدرات القبة تخطت(3) بما لا يدع مجالا للشك حيز 90%، حيث صوَّر مؤيدو القبة الحديدية ذلك على أنه تطوُّر عظيم لمشروع بدأ العمل عليه قبل أقل من خمسة أعوام فقط.

خلال تلك المعركة أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية قرابة 5 آلاف صاروخ، لكن 960 صاروخا منها فقط كانت في نطاق القبة الحديدية، فيما سقطت بقيتها في مناطق غير مأهولة، وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن القبة اعترضت 735 صاروخا، وسقط 225 صاروخا في مناطق تقع ضمن مجال عمل القبة، 70 من هذه الصواريخ حاولت القبة التعامل معه لكنها فشلت، أما البقية فقد أفلتت تماما منها.

دفع ذلك ببعض المهتمين بنطاق العلوم العسكرية للقول إن قلة الخسائر الإسرائيلية تُشير إلى أن القبة الحديدية هي الدرع الصاروخي الأكثر فعالية والأكثر اختبارا الذي شهده العالم على الإطلاق(4). لكن على الرغم من أنك ستسمع وتقرأ هذه الادعاءات كثيرا على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المنافذ الإعلامية الأجنبية، خاصة أنها تتلقَّى دعما إعلاميا هائلا، فإنك لن تسمع أو تقرأ كثيرا عن الرأي الآخر الذي يُشكِّك في الدعاية الهائلة حول فاعلية المنظومة الإسرائيلية.

كان أول مَن أشار إلى أن الأرقام المُعلَنة من قِبَل السلطات الإسرائيلية ربما تكون غير صحيحة هو أستاذ من “معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا” (MIT) في الولايات المتحدة الأميركية، يُدعى ثيودور بوستول، ويتخصَّص في العلوم الهندسية ويهتم في أعماله بالشأن الهندسي المُتعلِّق بالأمن القومي. وبعد الحرب على غزة عام 2012 وفي أوج الدعاية الإسرائيلية، خرج بوستول ليقول(5) إن النِّسَب المُعلَنة حول فاعلية القبة الحديدية غير صحيحة، وأن نِسَب اعتراض الصواريخ القادمة من غزة أقل من 10%.

 

تتبَّع بوستول عددا كبيرا من مقاطع الفيديو والصور التي عرضها مواطنون في دولة الاحتلال الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي للحظات اعتراض صواريخ القبة الحديدية لصواريخ أخرى قادمة من غزة، ثم عكف على دراستها من وجهة نظر مختلفة، حيث يرى أستاذ الهندسة أن الأمر لا يتعلق فقط بأن تعترض صاروخا حربيا، بل يجب أن تقابله رأسا برأس.

لكي تتمكَّن من تدمير صاروخ ما، فإنه من الواجب أن تُدمِّر الرأس المُتفجِّر الخاص بالصاروخ، الذي يوجد في مقدمته، أما اذا ضربته ضربة جانبية فإنك قد تُسقطه لكنه سيظل قابلا للانفجار بمجرد وصوله للأرض، وركّز بوستول خاصة على ما يُسمى بـ “الفتيل الليزري”، وهو أشعة ليزر تخرج من رأس الصاروخ المُعترِض في كل الاتجاهات، وما إن يمر إلى جوار صاروخ قادم من غزة حتّى ينفجر صاروخ القبة ويُفجِّر الصاروخ القادم معه.

حسابات بوستول أشارت(6) إلى أنه من النادر أن نصل إلى تلك النقطة التي يقف فيها الصاروخان بحيث يكون رأس الصاروخ القادم من غزة في نطاق التفجير، وهو ما وصل به إلى نتيجة مفادها أن كمًّا كبيرا من الصواريخ التي أسقطتها منظومة القبة الحديدية لا يمكن حسابها على أنها خطر تمت تنحيته لأنها ستسقط داخل مجال القبة وتنفجر على الأرض، ومن هنا توصَّل إلى أن النتيجة الحقيقية لفاعلية القبة الحديدية لا تصل حتّى إلى 10%.

لا يُعَدُّ بوستول المُشكِّك الأوحد في فاعلية المنظومة الدفاعية العبرية، حيث أيَّده العديد من الخبراء(7) مثل ريتشارد إم لويد، خبير الرؤوس الحربية سابقا في شركة ريثيون، وآخرون من داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه، مثل روفين بيداتسور، الطيار المقاتل السابق في جيش الاحتلال وأحد مؤيدي الأنظمة الدفاعية القائمة على الليزر، وموردخاي شيفر الحائز على جائزة الدفاع الإسرائيلي، وجميعهم قدَّر فاعلية هذه المنظومة بين 5% إلى 40% بحدٍّ أقصى.

في تلك النقطة يرد التيار المؤيد لفاعلية القبة الحديدية بأن النتائج على الأرض يمكن أن تحكم لصالحها، وفي تلك النقطة فإنهم يقارنون بين متوسطات معدلات التلف التي تُحقِّقها الصواريخ المعادية (صواريخ المقاومة) في أثناء الحروب قبل استخدام القبة الحديدية وبعدها، تحديدا في أثناء حرب لبنان الثانية 2006 مقارنة بالعمليتيْن العسكريتين ضد غزة في 2012 و2014.

لكن حتّى تلك الحجة تفتقر للدقة(8)، لأنه إذا وضعنا إحدى العمليات العسكرية، وهي الحرب على غزة بين ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009، التي أطلقت فصائل المقاومة خلالها مئات الصواريخ على أهداف داخل دولة الاحتلال، فإن المعادلة تهتز ويبدو أن النتائج لا تتجه باستمرار ناحية تقليل الضرر، ما يعني أنه قد تكون هناك أسباب أخرى بجانب قوة منظومة القبة الحديدية، مثل نوعية الصواريخ التي أُطلقت في كل معركة من أطراف الحرب (حزب الله من جانب لبنان، وفصائل المقاومة في فلسطين، على اختلاف تسليحها).

من جانب آخر يقترح كلٌّ من بوستول ولويد(9) أن انخفاض أعداد القتلى التي تسبَّبت بها الصواريخ القادمة من غزة، أو أي مكان آخر، لا علاقة له فقط بقدرة القبة الحديدية، ولكن في المقام الأول بسبب نظام الإنذار المبكر الذي يخبر الناس على الأرض أن صاروخا يسير في اتجاههم، وكذلك منظومة الملاجئ التي رُتِّبت بحيث يمكن للأفراد الوصول بسهولة إليها في غضون عشرات الثواني من الإنذار.

خلال الحرب العالمية الثانية، كان أحد العوامل التي قلَّلت الضرر جدا في عدة مدن إنجليزية هو رفع عدد الثواني المتاحة بعد تحذير المواطنين، قبل سقوط أي صاروخ على المدينة، وقد طُوِّرت قدرات هذه المنظومة القائمة على الإنذار المبكر في دولة الاحتلال، والتابعة للقبة الحديدية، بحيث وصلت هذه المدة 15 ثانية(10) في المدن المجاورة لقطاع غزة، وأكثر من 90 ثانية في المدن البعيدة مثل القدس أو مناطق مثل بئر سبع.

إلى جانب كل ذلك، فحتّى لو تأكَّد نجاح منظومة القبة الحديدية فإن هناك أضرارا قائمة لها علاقة بطبيعة المنظومة ذاتها التي تفشل في التعامل مع أنواع بعينها من الصواريخ، خاصة(11) الصواريخ قصيرة المدى (5-7 كيلومترات)، حيث لا يمكن للقبة الحديدية أن تتعامل بفاعلية مع هذه النوعية من المقذوفات، ما يترك مدن الاحتلال الواقعة على حدود غزة مُهدَّدة.

وحتى لو كانت القبة الحديدية تنجح في صد الهجوم بنسبة 90% كما تزعم إسرائيل، فإن الحل سيكون إطلاق عدد أكبر من الصواريخ من قِبَل المقاومة، ويرى “يفتح شابير”(12)، متخصص العلوم العسكرية من جامعة تل أبيب، أن هناك حدًّا أقصى، غير مُعلَن، لقدرات هذه المنظومة على التحمُّل، وإذا تم تجاوز هذا الحد، فإن جميع الصواريخ سوف تمر إلى عُمق الأراضي المحتلة.

أضف إلى ذلك أن إطلاق صاروخ واحد فقط من منظومة القبة الحديدية يُكلِّف نحو 50 ألف دولار أميركي، مقارنة ببضع مئات من الدولارات فقط للصواريخ القادمة من غزة، بالتالي فإن ألفَيْ صاروخ قادم من غزة، حتّى ولو لم تتسبَّب في تلفيات كبيرة، فإنها ستؤثر لا شك على ميزانية الدفاع في دولة الاحتلال.

وبعد كل تلك التكلفة، فإن الصواريخ القادمة من غزة لا تزال فعّالة بغض النظر عما إذا كانت قد أصابت أهدافها أم لا، وذلك لأن المواطن داخل دولة الاحتلال يجد نفسه مُجبرا على ترك ما في يديه مع أول إنذار والهرب فورا إلى أحد الملاجئ، كذلك فإن هناك حاجة إلى إيقاف خطوط الطيران طوال المعركة، وبالتالي فإن حجم الضرر “النفسي”، وربما الاقتصادي، لا يزال كبيرا.

كل هذا ونحن نتحدث عن منظومة متطورة جدا، تستخدم آليات الذكاء الاصطناعي، في مواجهة صواريخ فصائل المقاومة الفلسطينية التي تكون عادة محلية الصنع أو ذات قدرات ضعيفة، فماذا إذا علمت أن الباحثين في هذا النطاق لا يتوقَّعون أن تستمر الأمور كذلك؟ يوما ما ستصل فصائل المقاومة إلى تقنيات صاروخية أكثر تطوُّرا، سواء باتباع الصواريخ مسارات مُعقَّدة لا يمكن التنبؤ بها، أو استخدام صواريخ تتمكَّن من المناورة، وهي موجودة بالفعل ولكن بقي أن تصل إلى أيديهم في وقت ما.

بالطبع يمكن أن نفهم سبب المبالغة في الادعاءات القادمة من دولة الاحتلال الإسرائيلي، فالأمر لا يتوقَّف فقط عند حدود محاولة إرهاب فصائل المقاومة، لكن أيضا له أغراض سياسية كاستعراض القوة التقنية على دول المنطقة، وطمأنة المواطنين داخل دولة الاحتلال، وكذلك غرض اقتصادي، حيث تعمل دولة الاحتلال على بيع هذه المنظومة لعدة دول أخرى، وكانت دول مثل أذربيجان ورومانيا والهند والولايات المتحدة قد عقدت بالفعل اتفاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي للحصول عليها.

في النهاية، فإن القبة الحديدية هي قطعة تقنية مُتفوِّقة وقد تشهد في المستقبل تطوُّرا كبيرا، هذا شيء لا يُنكره أحد، وقد ساهمت في تقليل خسائر دولة الاحتلال، لكن نجاحها “الهائل” المزعوم مشكوك فيه، لأنه يعتمد في جانب كبير منه على ضعف موارد الفصائل الفلسطينية المُقاومة، كما أن حسابات بعض المتخصصين في هذا النطاق تُشكِّك بالدرجة الأولى في الأرقام الإسرائيلية حول مدى فاعليتها، وفي كل الأحوال فإن الجميع يتفقون على أنها، مهما بلغت من قوة، ستظل حلا مؤقتا سرعان ما سيُتجاوز مع تطوُّر القدرات العسكرية للمقاومين.

___________________________________________________

مصادر:

  1. Israel’s Iron Dome, explained by an expert
  2. Israel’s Iron Dome: Doubts over success rate
  3. Operation Protective Edge
  4. Iron Dome: A Missile Shield That Works
  5. An Explanation of the Evidence of Weaknesses in the Iron Dome Defense System
  6. المصدر السابق
  7. How Many Rockets Has Iron Dome Really Intercepted?
  8. As missiles fly, a look at Israel’s Iron Dome interceptor
  9. Israel’s Iron Dome proves successful against Gaza rockets
  10. Future Challenges for Israel’s Iron Dome Rocket Defenses
  11. Lessons from the Iron Dome
المصدر : الجزيرة

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *