By / 22 فبراير، 2021

1-لبنان.. صراع طائفي وتدخل دولي وانهيار اقتصادي

على الرغم من أن لبنان من البلدان الفريدة في العالم العربي من حيث تعدد طوائفه وأديانه مقارنة بمساحته الصغيرة، إلا أن تللك الاصطفافات الطائفية دفعت البلاد لحرب دامت خمسة عشر عاما، كما دفع كل طرف للبحث عن حليف خارجي من أجل الحفاظ على حقوقه، فطالب النصارى بالحماية الغربية، وتمسك السنة بالعمق الإسلامي السني من حولهم، وارتبط الشيعة بالمشروع الإيراني.

وخرج الجميع مستنزفين إلا حزب الله المرتبط بإيران والذي دخل الساحة اللبنانية من بوابة مقاومة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان مما أضفى على وجوده في مراحل معينة شرعية وطنية وقبولًا شعبيًّا، وهو الأمر الذي أدخل لبنان لاحقًا مرحلة جديدة من الاضطرابات والأزمات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية.

وسنستعرض معكم المشهد اللبناني منذ بداية الحرب الأهلية عام 1969وحتى انهيار الاقتصاد اللبناني مطلع عام 2020.

 

الحرب الأهلية

هيأت الأجواء المشحونة على الساحة اللبنانية منذ عام 1969، والخلافات الطائفية التي سبقت تلك الفترة البلاد لدخول حرب من أوسع أبوابها، ولم يتمكن اتفاق القاهرة من إيقاف القتال، وكان كهدنة استغلها الجميع للتسلح وإعداد العدة، وكان حادث عين الرمانة في إبريل ١٩٧٥ منعطفا خلال الحرب المفتوحة، والتي قتل فيها فلسطينين أثناء مرورهم من منطقة الرمانة المسيحية.

اندلعت الاشتباكات في بيروت على إثر هذه الحادثة بين المسيحيين والمسلمين، رجحت المعارك كفة الحركة الوطنية ومعها منظمة التحرير الفلسطينية نظرا لتفوقها العسكري على حساب الجبهة اللبنانية، ووصلت المعارك إلى بيروت، فأرسل حزب الكتائب موفده في مارس ١٩٧٦ إلى فلسطين ليلتقي بمسؤولين صهاينة ويطلب منهم الدعم العسكري لمسيحي لبنان.

أراد صناع القرار الصهاينة دعم الأقليات من أجل أن تربط مصيرها ومستقبلها بمصير ومستقبل دولة الصهاينة في المنطقة، وتطورت الأمر لاحقا لدعم قيام حكومة يحكمها المسيحيون في لبنان ترضى بعقد معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني.

أما سوريا فقد حرصت على ضبط الساحة اللبنانية، فدعمت تارة منظمة التحرير وميليشيات الحركة الوطنية، ومع رجحان كفة الحركة الوطنية عسكرياًّ دعمت سوريا ميليشيا الكتائب بالسلاح، في محاولة منها للإمساك بمفاتيح الصراع اللبناني كورقة ضغط وتفاوض في مقابل توقيع مصر لكامب ديفيد، وأراد حافظ الأسد تكريس زعامته العربية بعد عبد الناصر.

أصبح لبنان ساحة حرب وتصفية حسابات، واجتاح الصهاينة لبنان عام ١٩٨٢ فوصلوا إلى بيروت وخرج ياسر عرفات من بيروت، في المقابل نجح بشير الجميل بدعمٍ إسرائيلي في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. وانتظر الصهاينة من بشير أن يوقع اتفاق سلام على غرار السادات، لكنها اصطدمت به، إذ أنه أصبح يطمح في الحصول على قبول من القوى والزعامات اللبنانية المسلمة، إلا أنه اغتيل بعد 21 يوما فقط من تنصيبه رئيسا.

كان اغتيال بشير الجميل نقطة تحول فارقة بالنسبة للساحة المسيحية في لبنان، فهو الذي أسس لها كيانها العسكري ونفوذها، وأعجب به الصهاينة، فشكل مقتله بداية مرحلة الانقسامات داخل الجبهة اللبنانية واستغل ذلك القوى الخارجية فبدأوا بتجاذب أركان القوات اللبنانية فبدأت تتفكك ودخلت في صراعات داخلية دموية أفقدتها شعبيتها وخسرت معاركها في جبل لبنان وحول مدينة صيدا.

 

اتفاق الطائف

استنزفت الحرب الأهلية اللبنانية كافة الأطراف، ودخلت البلاد مرحلة الانهيار الاقتصادي، واحتل الصهاينة أجزاء واسعة من لبنان، وأسسوا لكيان انفصالي في الجنوب يشرف عليه ضباط لبنانيون، وبسط السوريون سيطرتهم على أجزاء واسعة، وراح الجميع يبحثون عن مخرج من هذا الواقع يحفظ لهم المكتسبات.

في خضم هذه الأحداث جاءت مبادرة من مدينة الطائف السعودية حيث كان رفيق الحريري رجل الأعمال اللبناني وصديق الملك فهد يسعى لجمع الأطراف المتحاربة على طاولة الحوار برعايةٍ سعودية ورضا سوري وإشرافٍ أمريكي، حتى وافق الجميع على وثيقة اتفاق الطائف عدا قائد الجيش العماد ميشال عون ما دفع به لاحقا لخوض مواجهة عسكرية خاسرة مع الجيش السوري انتهت بهزيمته ولجوئه إلى باريس.

قلص اتفاق الطائف من صلاحيات رئيس الجمهورية (المسيحي) وأناط صلاحياته الإجرائية إلى رئيس الحكومة (السني) مما عزز دوره، كما كرس الدور السوري في لبنان والذي بات أشبه بوصاية وانتداب، وأحس المسيحيون بالغبن نتيجة السطوة السورية وعدم تطبيق كافة بنود اتفاق الطائف خصوصا المتعلقة بالسيادة.

أسس اتفاق الطائف لمرحلة جديدة في الساحة اللبنانية عنوانها السطوة الأمنية السورية وتحكمها بالمشهد السياسي اللبناني الأمر الذي سينتج عنه لاحقا العديد من الأحداث الأمنية الدامية، وتضخم دور حزب الله وحلفاء سوريا على حساب الأحزاب المسيحية.

 

 

ما بعد اتفاق الطائف

كانت فترة ما بعد الطائف بالنسبة للمسيحيين الموارنة أشبه بفترة من الضياع واًلانقسامات، حيث بات زعماؤهم بين معتقل ومنفي وقتيل، ويرجع البعض هذا بفعل الدعم الإسرائيلي للقوات اللبنانية والذي اعتبر خطأ استراتيجياًّ دفع الموارنة ثمنه، فقد عاش حزب الكتائب فترة من الركود والضعف، فيما أمضى كل من الرئيس السابق أمين الجميل والعماد ميشال عون تلك الفترة بالمنفى في باريس.

انكشف اتفاق الطائف عن سيطرة النفوذ السوري وحلفائه على المشهد اللبناني وانحسار لليمين المسيحي، وسلمت القوات التي كانت بإمرة سمير جعجع سلاحها الثقيل للجيش اللبناني وباتت حزبا سياسيا يمثل المسيحيين الموارنة، ونفذت حملة مداهمات واعتقالات طالت عناصر وكوادر من القوات، واعتقل سمير جعجع وتم الحكم عليه بالسجن المؤبد، وتم حل حزب القوات، الأمر الذي ضاعف الشعور بالظلم والإحباط لدى المسيحيين.

أما الساحة السنية فقد برزت وجوه جديدة غير تقليدية خاصة مع صعود نجم رفيق الحريري رجل الأعمال السعودي- اللبناني، حيث ساهم في إعمار بيروت وأسس العديد من المشاريع التنموية والتربوية والصحية التي انتشلت السنة من واقع البؤس والتهميش، وعلت شعبيته في بيروت تحديدا، وشغل منصب رئيس الحكومة لأول مرة بين عامي ١٩٩٢-١٩٩٨، وعاد مرة أخرى إلى رئاسة الحكومة عام ٢٠٠٠ حتى عام ٢٠٠٤.

أما السنة في شمال لبنان فقد فرض التيار الإسلامي نفسه في طرابلس والشمال ممثلا بكل من السلفيين والجماعة الإسلامية وحركة التوحيد الإسلامي، وعلى الرغم من سقوط إمارة التوحيد عام ١٩٨٥ إثر معركة عنيفة مع الجيش السوري إلا أن النشاط الشعبي والإجتماعي للإسلاميين استطاع التأثير في عموم الشباب الذين عاصروا تلك التجربة.

ومع انتهاء الحرب الأهلية استمر نجم الإسلاميين بالصعود شعبيا في طرابلس، خاصة في ظل اًلاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وفي عام ١٩٩٨ اكتسحت اللائحة الإسلامية الانتخابات البلدية في طرابلس بفعل القاعدة الشعبية الكبيرة التي حظي بها الإسلاميون آنذاك. ما جعل طرابلس حاضنة للتيار الإسلامي، كما جعل منها ساحة صراع مع الأجهزة الأمنية اللبنانية- السورية ونتج عن ذلك صدامات دموية راح ضحيتها العشرات فضلا عن اعتقال المئات من الإسلاميين.

أما الشيعة فقد كانوا أكبر المستفيدين من الحرب الأهلية التي أنتجت بفعل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان كيانا شيعيا أصوليا اسمه “حزب الله” يتبنى المقاومة المسلحة خيارا استراتيجيا، يسعى لتحويل لبنان إلى دولة إسلامية،  لم ينخرط في الحرب الأهلية وصب اهتمامه على الاحتلال الإسرائيلي، ودخل في صراع مع حركة أمل لسنوات من أجل زعامة الصف الشيعي حتى تراجعت أمل، واكتسب الحزب حاضنة شعبية.

ومع تصاعد عمليات الحزب ضد الاحتلال شعر معظم أطياف اللبنانيين بالتضامن مع الحزب ومقاومته، فانفتح الحزب تجاه المسيحين، وشارك لأول مرة في الانتخابات النيابية عام 1992 وفاز حينها،  وتصاعدت عملياته ضد الاحتلال في الجنوب، وانتهت بانسحاب الاحتلال وميليشيا أنطوان لحد التابعة له من جنوب لبنان في مايو ٢٠٠٠ فزادت شعبيته.

وعن الدرز فقد خرجوا من الحرب الأهلية ما بين قتلى ومشردين خائفين على مصيرهم، إذ أنهم أقلية منغلقة اجتماعيا محصورة في جبل لبنان، وقد تمحورت الزعامة الدرزية حول آل أرسلان وآل جنبلاط لتاريخهما السياسي العريق، إلا أن الحرب ألأهلية حملت إلى الصدارة اسم كمال جنبلاط -زعيم اليسار اللبناني آنذاك ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي- ومن بعده نجله وليد جنبلاط، الذي خاض معارك ضد اليمين المسيحي، غير أن تغاضي عن تورط النظام السوري في اغتيال والده كمال، وأسس علاقة وطيدة مع أركان النظام السوري.

بعد الطائف رفض الدروز الفدرالية التي كان اليمين المسيحي يطرحها لما لها من إضعاف وجودهم وتحجيم دورهم في المنطقة، بينما استمرت علاقتهم الجيدة مع سوريا، وسعوا للتوافق مع مصالح النظام السوري في لبنان، فعلى الرغم من بعض الخلافات الفرعية إًلا أن جنبلاط وأرسلان حافظا على علاقة وطيدة بأركان النظام السوري، غير أن وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد شكلت بداية الفتور بين جنبلاط والرئيس الجديد بشار الأسد، هذا الفتور سيتحول في المرحلة المقبلة إلى عداء صريح.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *