By / 26 أكتوبر، 2020

لماذا تتجه أرمينيا وأذربيجان نحو الحرب؟

 

 بقلم جيمس بالمر |  28 سبتمبر 2020

ترجمة زينب محمد

 

 اشتد القتال على طول الحدود الأرمنية الأذربيجانية المؤثرة حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه ، مما أسفر عن مقتل العشرات و أسفر عن ادعاءات مزعومة بشأن تدمير مروحيات ودبابات، وقد استدعى البلدان قوات الاحتياط وأعلنا الأحكام العرفية في الداخل ، وكذلك حالة الحرب في بعض المناطق،  قد يكون القتال بين الدولتين أمر طبيعي ، مع وقوع مئات الحوادث على مدار السنوات القليلة الماضية، إلا أن هذه الجولة من العنف تنذر بالتمدد إلى حرب شاملة ، كما حدث في التسعينيات.

 

 انتظر، هل كان هناك حرب؟

 

 نعم، إنه الصراع الساحق المتغافل عنه والناتج عن التفكك السوفيتي ، حرب من ١٩٩٢ إلى ١٩٩٤ لا تزال تقض مضاجع كلا الدولتين  ، بينما بالكاد لاحظها شعوب الغرب على الرغم من مقتل ما لا يقل عن ٢٠٠٠٠ شخص وتشريد مليون شخص من خلال التطهير العرقي – حوالي ٧٠ بالمائة  منهم من الأذريين الفارين من الأراضي التي يسيطر عليها الأرمن ، بينما الباقون من الأرمن الفارين من الأراضي التي تسيطر عليها أذربيجان.

 

 قلب الحرب هو إقليم ناغورنو كاراباخ ،  منطقة مرتفعات جميلة – اسمه يعني حرفياً “الحديقة الجبلية السوداء” – والذي يتمتع بمكانة قوية في الخيال العاطفي لكلا البلدين،  وكجزء من الاستيلاء السوفياتي على منطقة القوقاز عامي  ١٩١٩ -١٩٢٠ ، تم تخصيصه ليتبع جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية، وعلى الرغم من وجود عدد كبير من السكان الأرمن،  لم تكن تلك مشكلة كبيرة طالما كانت كل من أرمينيا وأذربيجان جزءًا من الإمبراطورية السوفيتية؛ فقد عاش العديد من الأرمن في الجمهورية المجاورة لهم والعكس صحيح،  كما أن الاختلافات الدينية بين أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية وأذربيجان ذات الأغلبية الشيعية المسلمة كانت أقل أهمية في دولة ملحدة رسميًا.  ولكن عندما أصبحت الاحتجاجات العرقية والدينية أكثر قبولًا في الثمانينيات ، بدأ السكان الأرمن في الشكوى بقوة من وضعهم ، ومن حملة مزعومة لإرغامهم على الأذرية من قبل السلطات في باكو.

 

فاندلعت أعمال العنف عامي ١٩٨٩-١٩٩٠ في كل من ناغورنو كاراباخ ومدينتي باكو وسومقايت الأذريتين ، حيث أدت المذابح الموجهة ضد الأرمن إلى أن فرض الجيش السوفيتي الأحكام العرفية في محاولة لوقف العنف، ولكن دون جدوى،  وبحلول عام ١٩٩١، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت الحرب هي المصير المحتوم بين دولتين حديثتي النشأة على الأراضي المتنازع عليها – والتي أعلنت استقلالها عن أذربيجان من جانب واحد –  خاصة وأن القادة رأوا الشوفينية طريقًا سهلًا لتوطيد سلطتهم الخاصة.

 

 لقد كانت الحرب نفسها مأساوية وأحيانًا هزلية،  حيث أدى تفكك الجيش السوفيتي إلى ظهور أعداد هائلة من المرتزقة الروس، الذين قاتلوا على الجانبين، وفي بعض الأحيان تحولوا بين عشية وضحاها، وكثر المجرمون وسط الفوضى.  وكان اليوم الوحيد الذي أقلعت فيه الرحلات الجوية مرة أخرى بين باكو ويريفان عندما توفي رجل عصابة أرميني في عام ١٩٩٣، حيث رغب زملاؤه الأذريون في تأدية مراسم جنازته.  وبعد انسحاب أولي، استطاعت أرمينيا السيطرة، مما أدى في النهاية إلى وقف إطلاق النار بوساطة موسكو عام ١٩٩٤ ، والذي أتاح لأرمينيا السيطرة على معظم إقليم ناغورنو كاراباخ.

 

 هل واجهت أذربيجان الهزيمة برباطة  جأش؟ 

 

 على الاطلاق،  لقد تسببت خسارة الحرب في صدمة عميقة في أذربيجان، ليس فقط بسبب خسارة الأراضي ومعاناة الأذريين الذين طردتهم القوات الأرمينية ولكن أيضًا بسبب الحجم النسبي وقوة البلدين – حيث يبلغ عدد سكان أذربيجان ثلاثة أضعاف سكان أرمينيا.  أدى ذلك إلى مجموعة كبيرة من نظريات المؤامرة حول الخسارة ، بما في ذلك الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة قد دعمت الجانب الأرمني سراً.  في الواقع ، كانت القوات الأرمينية ببساطة أفضل قيادة وأقل فسادًا وأكثر التزامًا – وقاتل المتطوعون الأرمن بحماس أكبر بكثير من المجندين الأذريين المحبطين.  كما دعمت روسيا أرمينيا بشكل متزايد، بإرسال شحنات من الأسلحة وتقديم التدريب العسكري.

 

 ويمكن التحقق من عمق مرارة الهزيمة من خلال قضية قتل مخزية،  حدثت عام ٢٠٠٤ ، حيث أرسلت كل من أرمينيا وأذربيجان ضباطًا عسكريين إلى دورة للغة الإنجليزية في بودابست بالمجر، والتي يديرها الناتو للأعضاء من خارج الناتو، وفي منتصف الليل ، قتل الضابط الأذري راميل سفروف أحد الضباط الأرمن في نومه بفأس ثم حاول قتل آخر.  لم يخدم سفروف في حرب ناغورنو كاراباخ ولكنه كان من بلدة تحتلها أرمينيا الآن.

 

قد يكون هذا العمل في حد ذاته عملاً جنونيًّا فرديًّا.  ولكن بعد أن تمكنت أذربيجان من نقل سفروف من المجر إلى أذربيجان بعد أن قضى ثماني سنوات من الحكم المؤبد بتهمة القتل، عفا عنه الرئيس على الفور، ورفعه إلى رتبة رائد، ومنحه شقة والرواتب المتأخرة،  ووصفه وزير الخارجية بأنه “زُج به في السجن بعد أن دافع عن شرف بلاده وكرامة شعبها”.

 

 لماذا لم يتم حل أي شيء؟

 

 حافظت أرمينيا على ناغورنو كاراباخ كجمهورية مستقلة اسمياً بدلاً من دمجها في أراضيها من أجل الحفاظ على موقف أقوى في المفاوضات وتجنب مزاعم العدوان ، إلا أنه لا يكاد أحد يعترف بتلك الدولة العميلة، والتي يطلق عليها رسميًا جمهورية أرتساخ.  لعبت كل من الولايات المتحدة وروسيا دورًا بارزًا في تلك المحاولات طويلة الأمد والتي لا طائل منها إلى حد كبير لإيجاد حل دائم لهذه القضية.  أما على الجانب الأمريكي، فيمثل الأرمن الأمريكيون مجموعة ضغط ذات نفوذ معتدل ، لكن أذربيجان تتمتع باستثمارات مهمة في العلاقات مع شركات النفط الأمريكية.

 

 من الناحية النظرية، اتفق الجانبان على مبادئ مدريد في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وهي؛ أن تتخلى أرمينيا عن محيط الأراضي التي تحتلها حول ناغورنو كاراباخ نفسها ، ويعود النازحون إلى منازلهم ، وتضمن كل من الدول والقوى الخارجية حقوق سكان المنطقة المتنازع عليها، وفي النهاية يتم وضع حل للإقليم.  لكن أرمينيا ليس لديها رغبة في التخلي عن سيطرتها الفعلية ، وليس لدى أذربيجان حافز للتخلي عن مطالبها – خاصة وأن القومية تلعب دورًا حاسمًا في إبقاء القادة في السلطة في كلا البلدين ، حيث يعارض كلا الشعبين التسوية بشدة.  إنه ليس الصراع المجمد الوحيد في المنطقة، حيث خلف الانهيار السوفيتي وراءه العديد من الأراضي المتنازع عليها.

 

 ما الذي تسبب في تفاقم الأمور هذا العام؟

 

 حسنًا ، إنه عام ٢٠٢٠ حيث كل شيء سيء للغاية ، ولكن ثمة بعض الأسباب الأكثر تحديدًا.  شهد عام 2019 الكثير من الخطاب العنيف من كلا الجانبين حول ثبات مطالبهما، وعظمة الأمة ، وما إلى ذلك، وفي هذا الصيف، وبعد مناوشات دامية على طول الحدود – والتي يلوم كلا الطرفان  الآخر على بدايتها – بدأ السياسيون يلفون أنفسهم بالعلم أكثر من المعتاد ، خاصة وسط التوتر والفشل الاقتصادي الناجمين عن جائحة فيروس كورونا.

 

 هل ستغير الحرب الجديدة الأوضاع؟

 

 لقد مضى يوم واحد فقط على الصراع ، ولكن من الصعب رؤية انتصار أذربيجاني لاستصلاح ناغورنو كاراباخ.  لقد أزهقت التبادلات الأولية أرواحًا من كلا الجانبين ، ولكن أيضًا – وإذا تم تصديق لقطات المعركة الأرمينية – فقد شهدت تدمير عتاد على الجانب الأذربيجاني أكثر من العتاد الأرمني.  فأرمينيا تحتل المرتفعات، مما يجعل من الصعب للغاية التقدم الأذربيجاني إلى الأراضي الجبلية الوعرة، ولا تزال التقييمات المستقلة تضع الاستعداد العسكري لأذربيجان ضعيفا؛ فالجيش غير سعيد وفاسد وغير فعال ، مع معدل الهروب من التجنيد يقترب من ٢٠%.  وقد جلبت أرباح النفط استثمارات ضخمة في المعدات الجديدة بين عامي ٢٠٠٨ و ٢٠١٤، لكن انهيار الأسعار ترك البلاد تكافح مالياً وسط الاضطراب السياسي والقمع الوحشي، كما يفتقر الجيش إلى التدريب والعقيدة لاستخدام الأسلحة التي اشتراها بكفاءة.  

 

 قد يؤدي الاندفاع المفاجئ لأذربيجان إلى تدخل مباشر من قبل موسكو، على الأرجح لفرض وقف سريع لإطلاق النار، وقد عرضت كل من روسيا وإيران التفاوض من أجل إنهاء هذه الجولة الجديدة من الأعمال العدائية.  هناك أيضًا احتمال مقلق لانتشار الصراع – فقد خرجت تركيا، على سبيل المثال، بقوة لدعم باكو، وذلك بفضل العلاقات القوية بين الأذريين والأتراك وعداء أنقرة طويل الأمد تجاه الأرمن ، الذين يواصلون إثارة مسألة الإبادة الجماعية التركية للأرمن في عام ١٩١٥ التي لاتزال تنكرها تركيا. إن الجوانب الدينية للصراع الأصلي تظل أقل من قيمتها مقارنة بوهج القومية، ولم تصبح ناغورنو كاراباخ أبدًا قضية جهادية بالطريقة التي كانت عليها الشيشان. (قاتل حوالي ٢٠٠٠ من المجاهدين السابقين من أجل أذربيجان، ولكن لأسباب تتعلق بالمرتزقة بالكامل تقريبًا). قد يتغير ذلك هذه المرة.

 

 لكن الاحتمال الأرجح قد يكون حربًا مؤلمة وصغيرة نسبيًا يتبعها سلام آخر دون حل، ووفقًا لقوائم الضحايا حتى الآن، فإن معظم القتلى لم يكونوا قد ولدوا حتى عندما بدأ الصراع لأول مرة.

 

 جيمس بالمر نائب رئيس التحرير في فورين بوليسي. 

 تويترhttp://www.twitter.com/BeijingPalmer

 

 

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *