By / 6 يناير، 2022

لماذا تحشد روسيا قواتها على حدودها مع أوكرانيا؟

ترجمة زينب محمد

 

هنالك  احتمال حقيقي في غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا مع عمليات نشر القوات الأخيرة، لكن من المرجح أن تسعى موسكو إلى إذكاء حرب تخدم مصالحها، كما يوضح  سمير بوري بدلاً من السعي وراء صراع شامل.

حشدت القوات المسلحة الروسية ابتداء من تشرين الثاني (نوفمبر)، قواتها بالقرب من الحدود مع أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم المحتلة. وبينما يبدو أنها تستعد لغزو أوكرانيا، إلا أنه لا تزال نوايا روسيا غير واضحة.  فقد حدث انتشار روسي مماثل في مارس وأبريل ٢٠٢١، مما خلق ذعرًا من الغزو في وقت سابق. وزعم الكرملين في ذلك الوقت أنه حشد هذه القوات لإجراء مناورة عسكرية، ثم عادوا لاحقًا إلى الثكنات. ومع حشد كل طرف لقواته، سعت موسكو إلى التغلب على كييف بالقوات المسلحة الروسية الأكبر حجمًا.

لا تنجح التهديدات إلا إذا كانت ذات مصداقية، والحذر من حدوث غزو روسي واسع النطاق هو خطر حقيقي. كما أن هناك قلق ملموس في أوكرانيا يشعر به أيضًا شركاء أوكرانيا الدوليون. ففي قمة وزراء خارجية الناتو في ريجا في ٣٠ نوفمبر، قال الأمين العام لحلف الناتو جين ستولتنبرغ: “نرى إمكانيات ضخمة ونرى وحدات مدرعة وطائرات بدون طيار وأنظمة حرب إلكترونية ونرى عشرات الآلاف من القوات الروسية الجاهزة للقتال.”  وقال وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكين إن الولايات المتحدة لا تعرف ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اتخذ قرار غزو “أوكرانيا” أم لا، ولكننا نعلم أنه يضع قدراته في محلها، للقيام بذلك في وقت قصير، حال ما قرر ذلك”

 

بالإضافة إلى الخوف من الغزو الفوري، تكثر الأسئلة الآن حول ما إذا كان هناك نمط ما آخذ في الظهور. فهل ينبغي لأوكرانيا وشركائها الدوليين توقع رؤية حشود عسكرية روسية موسمية على الحدود الروسية الأوكرانية؟  وحتى لو لم توجه روسيا هذه القوات الإضافية للقتال، فكيف تؤثر تحركاتها العسكرية على الوضع الاستراتيجي في أوكرانيا؟

 

موطئ القدم العسكري الحالي لروسيا في أوكرانيا

 

لا تهدد روسيا بغزو أوكرانيا على حين غرة، بل هو تصعيد للحرب التي يشنها وكلاء موسكو في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا. كما يوضح تحليل مسح النزاعات المسلحة الذي أجراه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS في ٢٠٢١، دخلت الحرب في أوكرانيا عامها الثامن بعد اندلاعها في فبراير ٢٠١٤ ، عندما ضمت القوات المسلحة الروسية شبه جزيرة القرم وأنشأت الجماعات المسلحة الانفصالية في جمهورية دونيتسك الشعبية (DPR) وجمهورية لوهانسك الشعبية ( LPR). إذا كانت روسيا ستنشر الآن قوات إضافية في أوكرانيا، فيمكنها الربط بين قوات DPR و قوات LPR، اللتان تسيطران على أجزاء من منطقة دونباس.

 

 

يتطلب الوضع العسكري السائد في شرق أوكرانيا دراسة متأنية من أجل فك رموز الدوافع الحالية لروسيا لحشد قواتها بالقرب من حدودها. إنه ليس بأي حال من الأحوال نزاعًا مجمّدًا توقفت فيه الأعمال العدائية الفعلية. حيث تشير التقارير الميدانية اليومية التي تقدمها بعثة المراقبة الخاصة إلى أوكرانيا، التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والتي تضم فرقًا من المراقبين الدوليين غير المسلحين على جانبي خط المواجهة، تشير إلى استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار. فعلى سبيل المثال، كان هناك “٣٠٣ انفجارات تُعزى إلى نيران المدفعية وقذائف الهاون والدبابات” التي سجلتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في منطقة حرب دونباس في الفترة بين يوليو وسبتمبر ٢٠٢١.

كما أن الوضع في شرق أوكرانيا ليس حرب مناورة. فقد كان آخر تغيير رئيسي للسيطرة الإقليمية على طول الخط الأمامي في فبراير ٢٠١٥ عندما استولت قوات جمهورية دونيتسك الشعبية (DPR) والقوات المسلحة الروسية على مدينة ديبالتسيف، وهي مدينة مركزية استراتيجية للسكك الحديدية في منطقة دونيتسك. ومنذ ذلك الحين، اندلعت الحرب من خلال تبادل نيران المدفعية والتحقيق في الهجمات والقنص وغيرها من الأعمال العدائية، مما أدى إلى تعديلات طفيفة في السيطرة على الأراضي وأودى بحياة ١٤٠٠٠ شخص حتى الآن.

ما الذي يفسر التركيز الحالي للقوات الروسية؟

لا تزال حرب دونباس منخفضة الحدة ذات فائدة استراتيجية لروسيا، لأنها تمنح موسكو حق النقض الدائم على استقرار أوكرانيا. وقد تكون القوات الروسية على أهبة الاستعداد للحفاظ على هذا الوضع الراهن.

على الرغم من عدم وجود دليل على قيام الجيش الأوكراني باتخاذ أي خطوات لتغيير الوضع في دونباس، إلا أن أحد العوامل المحفزة المحتملة لعمليات الانتشار الروسية الأخيرة قد يكون اقتناء أوكرانيا لطائرات تركية الصنع مسلحة بدون طيار.

حيث سجل تقرير التوازن العسكري الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ستة طائرات بدون طيار من طراز بيرقدار TB2 متوسطة الارتفاع في ترسانة أوكرانيا، وقد اتخذت كييف خطوات لشراء المزيد. وقد وافق وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في شهر أكتوبر،على بناء مصنع في أوكرانيا لتصنيع المزيد من الطائرات بدون طيار التركية المسلحة.  مما أثار غضب روسيا، التي رأت فعالية الطائرات بدون طيار التركية في تصعيد حرب ناجورنو كاراباخ العام الماضي.

تخشى روسيا من أن هجومًا عسكريًا أوكرانيًا في المستقبل قد يطغى على مواقع قوات جمهورية دونيتسك الشعبية DPR وقوات جمهورية لوهانسك الشعبية LPR. وقد قارن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الوضع في أوكرانيا بالوضع في جورجيا في عام ٢٠٠٨، مشبها الوضع بالعملية التي قامت بها جورجيا من أجل استعادة الأراضي المتنازع عليها في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والرد العسكري الروسي الهائل الذي قامت به روسيا. وأشار لافروف إلى أن روسيا قد تشن حربًا أكبر للدفاع عن أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية DPR وجمهورية لوهانسك الشعبية  LPR في أوكرانيا.

 

معضلة أوكرانيا الأمنية الدائمة مع روسيا

 

تولى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منصبه في مايو ٢٠١٩ آملا في إنهاء الحرب. وقد كرر زيلينسكي مؤخرًا دعوته للحوار، مشيرًا إلى أنه “لن نتمكن من إنهاء الحرب دون إجراء محادثات مباشرة مع روسيا”. لكن المشكلة الأساسية ظلت على حالها منذ عام ٢٠١٤: ليس لدى روسيا سوى حافز ضئيل لإنهاء الحرب وليس لدى أوكرانيا سوى قدرة ضئيلة لفرض مثل هذه النتيجة.

 

يواصل بوتين دعم اتفاق سلام غير قابل للتطبيق وافقت عليه جميع الأطراف في ذروة حرب المناورة في عامي ٢٠١٤ و ٢٠١٥. وقد كتب بوتين مقالاً طويلاً في شهر يوليو، بعنوان “حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين” وصف فيه الحرب مع أوكرانيا باسم “صراع الأشقاء”.  صرح بوتين في المقال بقوله: “أنا مقتنع بأن [اتفاقيات مينسك للسلام لعامي ٢٠١٤ و ٢٠١٥] لا يوجد لها بديل حتى الآن. على أي حال، لم يسحب أي شخص توقيعاته من حزمة تدابير مينسك أو من البيانات ذات الصلة الصادرة عن قادة بلدان صيغة نورماندي”.

 

تريد موسكو تأجيج الحرب في  دونباس، بدلاً من إخمادها أو إشعالها في جحيم مستعر لحرب كبرى. السؤال هو إلى متى يمكن أن يستمر هذا، لكن يبدو أن التعزيزات العسكرية الروسية بالقرب من أوكرانيا هذا العام قد خدمت هذه الغاية.

 

ويدرك الكرملين تمامًا في الوقت الحالي، أن أقوى حق نقض يمكنه الاحتفاظ به بشأن الانجراف المحتمل لحكومة كييف غربًا إلى كيانات مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو هو الحفاظ على منطقة حرب منخفضة الكثافة في شرق أوكرانيا، بينما يلوح بين الفينة والفينة بـالتهديد بغزو كبير.

 

بقلم

سمير بوري

[email protected]

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *