By / 7 فبراير، 2021

ليس ثم تراجع فيما بين الولايات المتحدة والصين

ترجمة : زينب محمد

وريوس في الصحافة من جامعة تكساس. كما يتحدث الاسبانية وبعض التايلاندية واللاو. حتى في ظل إدارة بايدن، ستشتد المنافسة من هَا هُنا.

بقلم

فيليب أوركارد

9 نوفمبر 2020

 

على مدى الأشهر التي سبقت الانتخابات الأمريكية، لم يكن ثمة نقص في التكهنات حول من تفضل بكين وجوده في البيت الأبيض في يناير. ولقد أصر المسؤولون الصينيون في العديد من المقابلات مع وسائل الإعلام الغربية (والتي لم يذكر مصادرها)، على أن الرئيس شي جين بينغ ودائرته المقربة لم يفضلوا أيًا منهم بقوة وعلى نحو خاص – حيث لن يقوم بايدن ولا إدارة ترامب الثانية بإعادة تشكيل مسار العلاقات الأمريكية الصينية بشكل أساسي.

ومع ذلك، فإن كل سلوك بكين الأخير تقريبًا قد أفشى توقعًا بأنه سيكون هناك ما هو أسوأ مع حدوث أي من النتيجتين – وأن أي نافذة قد تتيح فرصة بسبب الفوضى الانتخابية من المرجح أن تكون قصيرة جدًا للاستفادة منها. والسبب واضح فالضغوط الداخلية الهائلة لدى بكين وضروراتها الجيوسياسية التي لا ترحم هي ما يحبسها في مسارها الحازم على نحو متزايد. وهذا بدوره يؤدي إلى تشكيل إجماع متزايد من الحزبين في واشنطن على أن الصين التي يقودها الحزب الشيوعي هي التحدي الاستراتيجي والاقتصادي الأول في البلاد. ونتيجة لذلك، ستكون هناك بعض الاختلافات التكتيكية في ظل رئاسة بايدن، بالإضافة إلى بعض التغييرات في التحديات الخاصة ذات الأولوية بالنسبة للإدارة. ولكن بشكل عام، فالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين سوف تشتد من هنا.

 

توافق الحزبين الجمهوري والديمقراطي

لقد أصبح من المألوف الادعاء بأن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصين في ظل العديد من أسلاف ترامب كانت مبنية على تفكير ساذج وقائم على الأماني. فقد كان التركيز المستمر على مشاركة الصين وإدخالها في نظام التجارة العالمي متجذرًا في مزاعم حالمة أن مساعدة الصين على الثراء ستساعد في النهاية على جلب الديمقراطية إلى الصين وتحفيز بكين على الالتزام بقواعد ومعايير النظام القائم – أو كما تقول الادعاءات.

لكن هذه الادعاءات تخطئ قراءة السجل التاريخي. حيث توضح وثائق الإستراتيجية القومية الأمريكية من منتصف التسعينيات، جنبًا إلى جنب مع المناقشات المعاصرة حول دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية، أن إدارة كلينتون لم تكن موهومة بشأن شخصية الحزب الشيوعي الصيني و المشاكل الاستراتيجية والاقتصادية طويلة المدى الناتجة عن صعود الصين. (فرغم كل شيء كان القمع في ميدان تيانانمن تاريخًا حديثًا).

وبدلاً من ذلك، فإن سياسات إدارة كلينتون الودية نسبيًا بشأن الصين – وسياسات إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما – تشكلت من خلال ثلاثة نقاط رئيسية. كان أولها هو فهم أن الولايات المتحدة لم يكن لديها نفوذ كبير لجعل الحزب الشيوعي الصيني  يفعل أشياء لا يريد القيام بها، لا سيما أي شيء يعتقد الحزب الشيوعي الصيني أن من شأنه إضعاف سيطرته على الصين. والثانية هي إدراك أن تعاون الصين سيكون ضروريًا في المسائل الحرجة ذات الاهتمام المشترك مثل: الانتشار النووي، والإرهاب، والاستقرار المالي العالمي، والتهديدات البيئية والوبائية، وما إلى ذلك. والثالث، بالطبع، كان الاتجاه السائد بين مجتمعات الأعمال الأمريكية للنظر إلى الصين غالبًا من حيث الربح الإجمالي.

هذا العامل الثالث جعل من الصعب على الولايات المتحدة بشكل متزايد تغيير التوجهات بمجرد أن بدأت في الاندماج بشكل أكثر إحكامًا مع الصين. فقد كان لبكين عدد كبير جدًا من الأصدقاء واستولت على المصالح في الولايات المتحدة، مما يجعل التكاليف الاقتصادية والسياسية للفصل المفاجئ عالية جدًا بحيث لا تستطيع أي إدارة تحملها، خاصةً عندما تكون هناك مشكلات أكثر إلحاحًا تدعو للقلق (مثل الحرب العالمية على الإرهاب والانهيار المالي العالمي بعد عام 2008). لقد ذاق المستهلكون الأمريكيون أيضًا حلاوة الواردات منخفضة التكلفة ولم يكن أحد منهم حريصًا على التخلي عنها.

ومع ذلك كان عام 2017 بمثابة نقطة انعطاف، فبعدما أطلق ترامب الحرب التجارية، بدأت المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة في التوافق. فتم تدمير الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة. وتم نقل ملكية العديد من قطاعات الأعمال الأمريكية النيوليبرالية بسبب تشويه الصين للأسواق العالمية، وانتهاكها لالتزامات منظمة التجارة العالمية، ودعم بكين لأشياء مثل سرقة الملكية الفكرية. وقد بدا أن ظهور الصين السريع كمنافس عسكري واقترابها من كونها ندًّا مستعد وقادر على إملاء الشروط على معظم جيرانها، قد تسلل فجأة إلى مؤسسة الدفاع الأمريكية. وإلى جانب التآكل الملحوظ للمزايا التكنولوجية للبحرية الأمريكية والقوات الجوية، فقد أدى كل ما سبق إلى إثارة الشكوك بين الحلفاء حول التزامات الولايات المتحدة وأثار قلقًا واسع النطاق في العاصمة من أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لمنافسة القوى العظمى. ولقد قضت حملة القمع التي شنتها الصين في هونغ كونغ على أي تفاؤل متبقٍ بشأن التحول الديمقراطي الصيني، في حين أن معسكرات الاعتقال في شينجيانغ أثارت غضب أي إنسان لديه عرق ينبض.

بعبارة أخرى، هناك شيء ما حول الحزب الشيوعي الصيني تكرهه كل دائرة انتخابية قوية في الولايات المتحدة. لذلك يصعب على بكين أكثر وأكثر أن تستحوذ على المصالح في الولايات المتحدة، وتستغل الانقسامات الداخلية فيها، وأن تضمن أن المسار الأقل مقاومة لصانعي السياسة الأمريكيين يفضل دائمًا استمرار الوضع الراهن مع الصين. وقد حققت حروب الرئيس دونالد ترامب التجارية والتكنولوجية تقدمًا ملموسًا في عدد قليل جدًا من أهدافها الأساسية. لكن حقيقة أنه كان قادرًا على الحفاظ علي تلك الأهداف على الرغم من التكاليف الاقتصادية، حتى في ظل الانهيار الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا، تؤكد حقيقة أن ثمة نقلة نوعية تحدث.

 

 

 

الثبات على الدرب

لم تكن حقبة ترامب نقلة نوعية بالنسبة لبكين؛ بل كانت تأكيدًا للشكوك القائمة منذ فترة طويلة بأن الولايات المتحدة تركز بشكل فريد على إعاقة صعود الصين. فإذا كانت الحروب التجارية والتكنولوجية قد غيرت أي شيء في دوائر النخبة، فقد كان ذلك من خلال تضييق مساحة المعارضة وتهدئة من أصبحوا قلقين بشأن “دبلوماسية المحارب الذئب” الصينية والعداء المستمر لجيرانها قد يأتي بنتائج عكسية. وهذا هو سبب أهمية الثقافة المؤسسية الرقابية والصارمة والشاملة التي يتمتع بها الحزب الشيوعى الصينى. إنه يخلق غرف صدى، ويقمع التفكير المستنير والإبداعي، ويحفز كل من يريد النجاح الوظيفي على فعل ما يؤمر به. كما أنها تخلق اعتمادًا على تأجيج القومية بين مواطنيها، وبالتالي ترفع التكاليف السياسية للمساومة مع الشيطان الأكبر.

ولكن الأهم من ذلك، وناهيك عن أمن البلاد وازدهارها، فالقيادة الحالية تؤمن إيمانا راسخا بأن بقاء الحزب مرهون باستمرار معظم السياسات التي تثير غضب الولايات المتحدة أكثر. ومن أجل ذلك يضاعف الرئيس شي من المذهب التجاري الذي تديره الدولة، كما أوضح في خطاب ألقاه مؤخرًا. ولهذا السبب تبدو بكين راضية عن ردود الفعل العدائية على تحركاتها في الهند وأستراليا وتايوان وأماكن أخرى. وهذا هو سبب قيامها برهان شديد الخطورة في هونغ كونغ.

وقد تصادف أيضًا أن بكين تعتقد أن معظم سياساتها تنجح بشكل حاسم في رأيها، فعلى سبيل المثال، اجتازت اختبار الإجهاد النظامي النهائي الذي فرضه الوباء ، وتعتقد أيضًا أن الولايات المتحدة قوة عظمى متهالكة لكنها تنكر ما أصابها من انحدار. لا يرى الحزب الشيوعي الصيني سببًا قويًا لتغيير المسار، حتى لو كان ذلك يعني حصر نفسه في ردود فعل تقوي ذاته ضد الولايات المتحدة ووضعها على طريق محفوف بالمخاطر نحو المواجهة.

هذا هو التحدي الذي ورثه جو بايدن. حيث ستحافظ الاستراتيجية المثلى تجاه الصين على توازن القوى، وتقنع الدول ذات التفكير المماثل لتحمل مخاطر الانتقام من خلال الانضمام إلى تحالف مناهض للصين ضمنيًا، ومعالجة نقاط الضعف الاقتصادية والتكنولوجية المحلية دون إلحاق ضرر مفرط بالرفاه الاقتصادي للولايات المتحدة، وردع دوافع بكين الأكثر عدوانية دون جعل التعاون على المصالح المشتركة مستحيلًا – ودون الإخلال بالتهديدات الحرجة في المسار المحتمل نحو الحرب. حقيقة، العديد من هذه الأهداف تتعارض. وأي درجة من التقدم الهادف ستكون مكلفة، سواء من الناحية المالية أو السياسية. سيكون كلاهما في تناقص نظرًا للأزمات المحلية المتقاطعة التي سيضطلع بها بايدن.

لذا، بينما ستتحدث إدارته عن لعبة كبيرة حول التعددية وحقوق الإنسان وبذل المزيد من الجهد للبحث عن مصالح الأصدقاء والحلفاء في المنطقة، فإنها ستكافح من أجل دعمها. فسترغب على سبيل المثال في زيادة المساعدة الأمنية بشكل كبير للشركاء على طول بحر الصين الجنوبي، لكن كل شخص في واشنطن سيكون لديه أولويات أكبر في الميزانية. وسترغب إدارته في بذل المزيد من الجهد للدفاع المباشر عن المصالح المادية لشركاء الولايات المتحدة في المياه المتنازع عليها – وتحطيم اعتقاد بكين بأنها في طريقها لقلب ميزان القوى بشكل أساسي في غرب المحيط الهادئ – ولكن البحرية الأمريكية وخفر السواحل مرهقون بالفعل و في حاجة ماسة إلى إصلاح شامل. وقد تعقد صفقة سريعة مع بكين لتقليص الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية على الواردات الصينية التي تضر المستهلكين الأمريكيين بشكل غير متناسب، لكن بكين لن تتنازل كثيرًا.
سيظل النفوذ المطلوب للحد من النزعة التجارية الصينية وسرقتها للتكنولوجيا بعيد المنال، خاصة وأن الاتفاقيات التجارية مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ ستكون عديمة الفائدة على الصعيد السياسي. ولن يجبر الشركات الأمريكية التي لا تريد مغادرة الصين على المغادرة.

ومن ثم، فإن ما تختاره إدارة بايدن بالضبط لمنحه الأولوية في التعامل مع الصين، والتكتيكات التي تستخدمها في سعيها لذلك، لم يتخذ بشأنها قرار بعد. لكن لا عودة إلى الوضع الراهن. والسؤال الأساسي الآن هو أين يمكن لدولتين إيجاد توازن على الطيف بين المنافسة الاستراتيجية والحرب.

 

فيليب أوركارد

https://geopoliticalfutures.com/author/porchard/

فيليب أوركارد محلل في Geopolitical Futures. قبل انضمامه إلينا، أمضى السيد أوركارد ما يقرب من ست سنوات في ستراتفور، حيث عمل كمحرر وكتب عن الجغرافيا السياسية لشرق آسيا. ولقد قضى أكثر من ست سنوات في الخارج، في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية في المقام الأول، حيث اجتمعت لديه خبرات تأسيسية وفياضة مع المشكلات الناشئة عن الاضطرابات السياسية الجماعية والصراعات الأهلية والهجرة البشرية. حصل السيد أوركارد على درجة الماجستير في الأمن والقانون والدبلوماسية من كلية ليندون ب جونسون للشؤون العامة، حيث ركز على الطاقة والأمن القومي والسياسة الخارجية الصينية وتحليل المعلومات الاستخبارية والأمراض المؤسسية. كما حصل أيضًا على درجة البكال


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *