By / 10 يونيو، 2019

مدخل لفهم النظام الدولي

يكثر الحديث في أوساط منتسبي التيار الإسلامي عن النظام الدولي، وجهوده ضد حركات التحرر وقوى التغيير، وقدرته على إعاقة أنشطتها، وتحطيم مشاريعها. وكذلك عن زيف الشعارات التي يرفعها من قبيل احترام حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة، وتقاسم السلطة، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بقضايا المستضعفين.

وفي الجهة المقابلة يتخوف العديد من المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين من التحديات التي تواجه النظام الدولي الحالي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والناتجة عن بزوغ قوى صاعدة ترى أن ذلك النظام لا يمثل مصالحها، مما يدفعها إلى تحدى عوامل استقراره، وهو ما يثير القلق من إفساح النظام الدولي الحالي المجال لنظام آخر يتمتع بعدد كبير من مراكز القوى، ويعمل باستقلالية كبيرة مع توجيهه لاهتمام أقل لمصالح الولايات المتحدة وأولوياتها.

ومن ثم حاول هؤلاء المفكرين صياغة مقترحات للتعامل مع انبعاث تلك القوى الجديدة، مثلما فعل مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبجنيو بريجنسكي في كتابيه (رؤية استراتيجية، أميركا وأزمة السلطة العالمية) و(الاختيار، السيطرة على العالم أم قيادة العالم). كما أدلى وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر بدلوه في نفس الموضوع في كتابه (النظام العالمي). أما مركز راند فقد عكفت ثلة من باحثيه تحت إشراف مكتب وزير الدفاع الأميركي لمدة سنتين منذ عام 2014 على إعداد مشروع بعنوان (بناء نظام دولي مستدام) يضم عدة دراسات متنوعة تهدف إلى فهم النظام الدولي الحالي، وتقييم التحديات التي تواجهه، ومن ثم تقديم توصيات بخصوص السياسات الأميركية المستقبلية المرجوة تجاه النظام الدولي للحفاظ على المصالح الأميركية.

وفي هذا الملف سنسعى عبر حلقات لتناول عدة محاور تختص بالنظام الدولي، وتشمل ما يلي:

  1. مدخل لتعريف النظام الدولي، ومكوناته، وآليات عمله، والتحديات التي تواجهه.
  2. إرهاصات النظام الدولي منذ صلح وستفاليا عام 1638 إلى نظام الوفاق الأوروبي في القرن التاسع عشر.
  3. النظام الدولي من انهيار نظام الوفاق الأوروبي إلى تعدد الأقطاب قبيل الحرب العالمية الثانية.
  4. النظام الدولي ثنائي القطبية منذ الحرب العالمية الثانية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990.
  5. النظام الدولي أحادي القطبية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي إلى أحداث سبتمبر.
  6. النظام الدولي منذ أحداث سبتمبر حتى الآن.
  7. آفاق ومستقبل النظام الدولي المعاصر.

تعريف النظام الدولي:

هو مجموعة القواعد والمعايير والأعراف التي تحكم العلاقات بين الجهات الفاعلة الأساسية في البيئة الدولية (1).  ويوصف النظام الدولي بأنه نمط مستقر ومنظم للعلاقات بين الدول، إذ يعكس جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأشكال الأخرى من التفاعل الذي ينشأ بين الدول.

أنواع النظام الدولي:

توجد عدة أشكال عرفها النظام الدولي منذ القرن السابع عشر الذي شهد بداية انفراد أوروبا برسم معالم النظام الدولي حتى اليوم، وتشمل:

-نظام توازن القوى بين الدول.

– نظام التوافق، مثل نظام دول الوفاق الأوروبي في القرن التاسع عشر.

– نظام القطب الواحد.

بنية النظام الدولي:

النظام الدولي الحالي ليس وحدة واحدة إنما يتكون من أنظمة فرعية اقتصادية وأمنية وسياسية، ولكل نظام فرعي نطاقات عضوية مختلفة، ومستويات شرعية مختلفة، وتأثيرات متنوعة على سلوك الدول. فتشارك الدول في ذلك النظام ويُعترف بها كأعضاء شرعيين به بمقدار تقيدها بمعايير وقواعد معينة. فمثلا توجد مؤسسات تشترط شروطا مسبقة لانضمام الدول لها مثل حلف الناتو الذي لا يضم روسيا والصين، أو الاتحاد الأوروبي الذي يرفض ضم تركيا لصفوفه، بينما وافقت مجموعة السبع على ضم روسيا لها، وليتحول اسمها إلى مجموعة الثماني ضمن مخطط دمج روسيا ببطء في النظام الغربي.

ويذهب باحثو مركز راند إلى أن النظام الليبرالي الذي يتسم به النظام الدولي المعاصر يعتمد على أسوبي بناء:

1-نظام التجارة: الذي ساهم في تحرير الاقتصاديات العالمية، وربط المجتمع الدولي معا في شبكات ارتباط موسعة وعميقة.

2- النظام الأمني: الذي لا يقتصر على التصدي للعدوان واسع النطاق فحسب، إنما يشمل أيضا صياغة استخدام القوة من خلال تقييدها حتى لا تتسبب في اندلاع صراعات غير ضرورية. أي أن النظام الأمني يحفز القوى الإقليمية والمركزية على اتباع قواعد اللعبة عبر استخدام القوة كأداة لإدارة العلاقات بين الدول، ومعاقبة من ينتهكون ذلك.

دور النظام الدولي:

توجد العديد من المتغيرات التي تؤثر على سلوك الدول. ويشمل ذلك أثر العوامل الحضارية، والتاريخية، والعرقية، والثقافية، وشخصيات القادة (مثل شخصية هتلر، وموسوليني، وترامب). ومع ذلك، فإن النظام الدولي يلعب دورا مهما في تنظيم الآليات التي تساهم في السيطرة على العلاقات والسلوكيات بين الجهات الفاعلة فيه.

فعلى سبيل المثال تمكنت الولايات المتحدة عبر استخدامها لقوتها العسكرية، ولآليات التعاون مع حلفائها من تأسيس نمط معين من العلاقات بين الدول يقوم على الهيمنة الأميركية، وإعطاء الأولوية لمصالحها. وهو ما يقر به باحثو مركز راند الذين يقولون أن أميركا تتعامل مع آليات النظام الدولي كأدوات لتحقيق مصالحها الذاتية، في ذات الوقت الذي تسعى فيه لاستخدام آليات السيطرة تلك لإقامة نظام دولي أكثر انتظاما. ويضيفون أن نهج الولايات المتحدة في النظام الدولي يتكون من 4 عناصر:

  1. نظام تجاري قائم على قواعد التجارة الحرة.
  2. تحالفات قوية، وقدرات عسكرية كافية تنهض بدور الردع بكفاءة.
  3. تعاون متعدد الأطراف، وقانون دولي لحل المشكلات العالمية.
  4. نشر الديموقراطية.

ومن المعلوم أن نشر الديموقراطية ما هو إلا شعار ترفعه الولايات المتحدة دون أن تلتزم به، فما أكثر الانقلابات العسكرية التي دعمتها أميركا ضد الحكومات المنتخبة بالبلاد العربية وأميركا اللاتينية.

عناصر النظام الدولي:

وفقا لمركز راند يتألف نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية من الكثير من الأجزاء التي يعزز بعضها البعض، وتشمل تلك العناصر قوة الولايات المتحدة ووصايتها، ومجموعة المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية فضلا عن الكثير من المنظمات ذات الاختصاص بمجالات وقضايا معينة مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ومجموعة من المعاهدات القانونية الدولية بداية من أنظمة التحكم في التسلح إلى قوانين الحرب. ويندرج ما سبق تحت 4 عناصر أساسية هي:

  1. العناصر الاقتصادية:
  • المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية، ومجموعة العشرين.
  • شبكات التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر.
  • الشراكات والشركات متعددة الجنسيات.
  • معاهدات التجارة الثنائية والإقليمية.
  • البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.
  • مؤسسات التنمية : مثل الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية(2) مثل (الصليب الأحمر الدولي، وأطباء بلا حدود).

2- العناصر السياسية والعسكرية

  • المؤسسات السياسية العالمية والإقليمية مثل: الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا(الآسيان).
  • التحالفات، مثل حلف الناتو.
  • مؤسسات الأمن الجماعي.

3- القانون الدولي، وحل المشكلات:

-المعاهدات، والأعراف الدولية، وحقوق الإنسان.

  • المنظمات الفعالة ذات الصلة بقضايا محددة، مثل المحكمة الجنائية الدولية.
  • شبكات عالمية من الخبراء.

التحديات التي تواجه النظام الدولي الحالي

حسب مركز راند، يشير تحليل سمات النظام الدولي المعاصر إلى ثلاث فئات من المخاطر المحتملة:

  1. بعض الدول الرائدة ترى أن الكثير من مكونات النظام مصممة لتقييد قوتها، والحفاظ على ديمومة الهيمنة الأميركية.
  2. التغيرات نتيجة انهيار الدول أو الأزمات الاقتصادية.
  3. تغير السياسات المحلية في عصر النمو البطيء، واتساع فجوة التفاوت.

ورغم تلك التحديات، فإن النظام الدولي المعاصر يمتلك مواطن قوة كامنة تتمثل في ترابط الدول الرائدة اقتصاديا، وتعاون الدول الغربية الديموقراطية التي تشكل قاعدة النظام الدولي الحديث في معظم القضايا الدولية مثل ما يسمى بقضية مكافحة الإرهاب.

الخلاصة

فيما سبق تم بإيجاز تناول تعريف النظام الدولي، وأنواعه، وبنيته، وعناصره، وأبرز التحديات التي تواجه النظام الدولي المعاصر، والتي في حقيقتها تحديات واجهت أنواع النظام الدولي المختلفة عبر العصور. وفي المقال القادم سيتم بإذن الله تناول إرهاصات نشأة النظام الدولي منذ صلح وستفاليا عام 1638 إلى نظام الوفاق الأوروبي في القرن التاسع عشر.


المراجع

  1. مايكل مازار وأخرون، فهم النظام الدولي الحالي، ط1(كاليفورنيا، مركز راند،2016) ص7.
  2. تعرف العقيدة المشتركة للجيش الأميركي المنظمة غير الحكومية بأنها منظمة خاصة تُدار ذاتيا، ولا تهدف للربح، وتكرس جهودها للتخفيف من المعاناة الإنسانية، و/أو تعزيز التعليم، والرعاية الصحية، والتنمية الاقتصادية، وحماية البيئة وحقوق الإنسان، وحل النزاعات، و/أو تشجيع إنشاء المؤسسات الديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني. (النشرة المشتركة 1 – 02).

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *