By / 19 أبريل، 2020

مذبحة كرداسة 21 أغسطس 1965

كتبه/ عمر فتحي

ارتكب الطغاة على مر التاريخ فظائع وجرائم يندى لها جبين البشرية، ومهما اجتهد الطغاة في إخفاء آثار جرائمهم ومحو ذكرها وأخبارها، يأبى الله إلا أن يذكرها التاريخ لهم حتى يعلم بأمرها الناس في كل زمان ويفضح الله جرمهم وزيف صورهم المهيبة التي يصنعها لهم سحرتهم وحاشيتهم. ومن تلك  المآسي والجرائم تلك التي كانت في عهد الطاغية جمال عبدالناصر والمعروفة “بمذبحة كرداسة”، ونحن إذ نعيد سرد القصة ونذكر بها، فذلك بقصد تذكير الناس بأن الطغاة مهما حاولوا تحسين صورتهم وتجميل قبيح أفعالهم إلا أنها تظل جرائم مخزية يندى لها جبين كل إنسان حر يحترم إنسانيته التي كرمها الله وقال: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.  

في يوم 21 أغسطس 1965 ذهبت الشرطة العسكرية للقبض على أحد أفراد جماعة الإخوان المسلمين ويدعى (السيد نزيلي) من قريته كرداسة، فلما وصلوا البيت لم يجدوه ووجدوا أخوه ولم يكن عضوًا في الجماعة، ويحكي أخوه (عبدالحميد نزيلي) ما حدث يقول: كان ذلك عند غروب الشمس يوم 21 أغسطس سنة 1965 وكنت واقفا أمام منزلنا، وإذا بثمانية رجال مفتولي العضلات مفتوحي الصدور يلبسون قمصانا على اللحم  وبنطلونات ضيقة دخلوا حارتنا ووقفوا أمامي وسألوني عن أخي السيد نزيلي الأخصائي الاجتماعي، قلت لهم : ” تفضلوا . . أنا أخوه”، وفتحت لهم الباب وأجلستهم في حجرة الضيوف وعملت لهم شايا ثم قلت لهم : ” إن أخي في القاهرة . . ولكنه لن يتأخر كثيرًا وسوف يحضر بعد قليل ” .

فجأة وجدت اثنين منهم وقفا على باب البيت واثنين آخرين اقتحما المنزل وصعدا إلى الدور الثاني حيث زوجة أخي ” العروس ” التي لم يمض على زفافها إلا تسعة أيام، فوقفت دهشا وقلقا وقلت لهم : من أنتم ؟ وماذا تريدون ؟ فتقدم مني أحدهم شاهرا مسدسه ووضعه في بطني وهددني قائلا :إذا تكلمت سأفرغ المسدس في بطنك. قلت لهم: من حقي إن أعرف من أنتم؟ وماذا تريدون؟

وفجأة وجدت نفسي ملقى على الأرض، وقفت بسرعة وجريت إلى صالة البيت، فلحق بي اثنان منهم شلا حركتي وجراني إلى الخارج فأخذت أصيح : أنتم لصوص، ماذا تريدون مني ؟ وزاد صراخي،  فخرج الناس من البيوت يستطلعون الخبر، ازدحم الناس من حولي يسألون في دهشة ولا جواب إلا صراخي: حرامية حرامية! وبدءوا يسيرون في شارع وسط البلد وتقدم بعض شباب القرية ليخلصوني من أيديهم فأخرج واحد من الرجال الثمانية مسدسه وأطلق الرصاص في الهواء لإرهاب الناس، واستمروا يجرونني على الأرض والناس يخرجون من بيوتهم وطلقات الرصاص تتوالى، وعلى بعد أمتار من ورائي كانت زوجة أخي “العروس” يجرونها هي أيضا وصرخات استغاثتها تتوالى، لقد ظننت في أول الأمر أنهم جاءوا لخطف زوجة أخي، وحتى هذه اللحظة لا أعرف أنهم من رجال الشرطة العسكرية لأنهم كانوا يرتدون الملابس المدنية ولم يأت معهم خفير من عند العمدة ولا عسكري بوليس من النقطة كما أنهم لم يذهبوا بنا إلى دوار العمدة ولا إلى نقطة الشرطة وإنما اتجهوا بنا ناحية أخرى كانت تنتظر فيها السيارات. أيقن أهل القرية أننا مخطوفون أنا وعروسة أخي القاهرية، فتقدم بعض شباب القرية ليخلصونا من أيديهم، فحدث اشتباك مع الرجال الخاطفين فتكاثر الأهالي على الرجال الثمانية واشتركت النساء والأطفال بضربهم بالطوب والحجارة، فهرب سبعة من الرجال الخاطفين وأصيب الثامن وأغمى عليه وتجمع الناس من حوله. تركت زوجة أخي تعود إلى المنزل وذهبت إلى نقطة شرطة القرية وعملت محضرا قلت فيه : أن ثمانية رجال هاجموا منزلنا وأرادوا خطف عروسة أخي وخطفي وأطلقوا النار للإرهاب واستطاع الأهالي أن يخلصونا من أيديهم وعندا سمع الشاويش النوبتجي من هذا الكلام طلب من العساكر الإسراع للقبض على الخاطفين فقلت له: إن واحدا منهم أصابته ضربة من أحد الأهالي ووقع على الأرض متأثرا بجراحه أسرع الشاويش النوبتجي إلى المكان فوجد الرجل مغمى عليه والناس من حوله يتحدثون عن قصة الخطف، انحنى الشاويش على الرجل المصاب وفتش جيوبه فأخرج من أحدهما بطاقته الشخصية فقرأها وقال لأهالي القرية : خربت يا كرداسة، مصيبة وحلت عليكم يا أهل كرداسة إن هؤلاء الرجال ليسوا لصوصًا إنهم من رجال الشرطة العسكرية .

وكان الشاويش (عبد الحكيم) يعرف جيدا أن الشرطة العسكرية هي صاحبة الحول واليد الطولي في هذا الوقت بيدها مقاليد الحكم وهي يد الحاكم الباطشة وسوطه الذي يلهب به ظهور أبناء الشعب، لقد فقدت وزارة الداخلية كل صلاحيتها حتى أصبح رجال الشرطة ( البوليس ) وحتى رجال المباحث العامة سخرية الشرطة العسكرية وقتئذ.

المرحلة الأولى من المأساة:

ولم تمض ساعة زمن حتى وصلت مجموعة من العربات المملوءة بالضباط والجنود أصحاب الباريهات الحمراء من رجال الشرطة العسكرية إلى مكان الحادث وكان الأهالي لا يزالون واقفين ولكن بعيدا عن الرجل المصاب، نادي أحد الضباط على بعض الأهالي ليسمع منهم كيف وقع الحادث، تشجع ثلاثة شبان من الأهالي وتقدموا إلى حيث الضباط بعد دقائق قليلة انهال الضباط على الشبان الثلاثة باللكمات وكان ذلك بداية الإرهاب الذي وقع على أهالي قرية بأسرها تفرق الناس، كل ذهب إلى منزله ولكنهم توجسوا خيفة مما يمكن أن يحدث، وتتابعت سيارات الجيش المحملة بالضباط والجنود.

لم ينم الناس ليلتهم، وكانوا يتسمعون من خلف الأبواب المغلقة ويرون من على أسطح المنازل الدبابات، والمصفحات وهي تزمجر في شوارع القرية وحاراتها، وحلقت الطائرات في سماء القرية ووصل إلى القرية وزير الداخلية وقتئذ عبد العظيم فهمي والفريق علي جمال الدين رئيس غرفة عمليات الجيش  وشمس بدران ومحافظ الجيزة ومدير الأمن ومأمور المركز، جاءوا جميعا ليشرفوا على عملية ” تأديب ” القرية لأن أهلها المسلمين استجابوا لاستغاثة زوجة أحد أبنائهم الكرام الذين عرفوا بالخلق الكريم والسيرة الحسنة فخلصوها من أيدي خاطفيها الذين لم يدخلوا من بابها فعمدة القرية لم يعلم بمجيئهم ولا شيخ البلد ولا أي خفير من الخفراء كما أن ضباط النقطة لم يكن عندهم علم كذلك بطلب القبض على السيد نزيلي بل لقد تبين للسيد نزيلي ومن معه أنه لم يكن هناك إذن بالقبض على أحد وقت القبض عليه، وحوصرت القرية من جميع الجهات وانتشرت المصفحات والدبابات والسيارات في شوارع القرية ودروبها وبدأت الأوامر تذاع من خلال مكبرات الصوت بفرض حظر التجول وسمع الأهالي أصوات الوعيد والتهديد لكل من يخالف الأوامر، وأحسوا بالهول وقبعوا خلف الأبواب المغلقة ينتظرون ماذا سيأتي به الصباح وبدأت عمليات القبض على عمدة القرية ومشايخ القرية والخفراء وشيخ الخفراء وجميع عائلة العمدة وهي من أكبر عائلات القرية، ربطوهم جميعا بحبال وساقوهم كالبهائم، النساء في قمصان النوم نصف عرايا يولولن والأطفال يصرخون والرجال في ذهول يجللهم الذل والعار، اتجهوا بالجميع إلى نقطة القرية وانهال الزبانية عليهم ” بالكرابيج ” والعصي بلا رحمة وبلا اعتبار لأي قيمة إنسانية، مزقوا ثياب الرجال وتركوهم عرايا كما ولدتهم أمهاتهم أمام الزوجات والأطفال.

ويروى جزءًا من المأساة (يوسف أيوب المكاوي) ابن عمدة القرية حينها قال :  سمعنا مكبرات الصوت تحذرنا من الخروج أو الدخول، طلبوا ممن في الداخل ألا يخرجوا ومن الذين في الخارج ألا يدخلوا وألا يغادر أحد مكانه، قبضوا على أخي العمدة (علي أيوب) وابن عمي شيخ البلد العجوز السيد (حمزة) رحمة الله عليه، وأخي (محمود فهمي) عضو مجلس النواب السابق وجميع رجال العائلة ونسائها وجميع الأطفال فوق سن 12 سنة، ساقونا جميعا إلى المدرسة الإعدادية التي اتخذتها الشرطة العسكرية مقر قيادتها لأنها تقع في وسط القرية وحولوها إلى ساحة تعذيب رهيبة، ربطونا جميعا أسرة العمدة من أيدينا ومزقوا ثيابنا ووقفنا عرايا، بكيت حزنا عندما رأيت أخي العمدة وأخي محمود عريانين كما ولدتهم أمي، تمزقت عندما رأيت ابن عمي الشيخ سيد حمزة نائب العمدة والبالغ من العمر أكثر من ستين عاما ليس عليه سروالا ومنهكا من التعذيب. 

لقد جردوني من ملابسي واطرحوني على الأرض ومزقوا جسدي بالسياط سلخوني سلخا ووضع الفريق علي جمال الدين – الذي قيل أنه قتل بالسم – إصبعه في عيني،  وبعد هذه الطريحة أوقفونا بعضنا أمام بعض وأمرونا أن يضرب أحدنا الآخر والذي لا يضرب بقوة يمزق بالسياط ثم أمرونا أن يبصق كل منا على وجه الآخر. كان بعضنا يضرب البعض الآخر وكنا نبكي لأن ذلك كان أقسى على النفس من ضربات السياط، ثم أنهكونا بالأمر بالقيام والجلوس وبعد ذلك أخذونا طابورا كطابور أسرى الحرب وأركبونا عربات مكشوفة وطافوا بنا شوارع القرية الرئيسية وكانوا يضربون النساء والأطفال بالسياط حتى يعلو صراخهم فيكون ذلك أمعن في الإرهاب لأهالي القرية”.

المرحلة الثانية من المأساة:

وبعد هذا الاستعراض الرهيب خرجنا في عربات مصفحة من قرية كرداسة واتجهت بنا المصفحات إلى السجن الحربي باستيل عبد الناصر، النساء يولولن والأطفال يصرخون في رعب والرجال في ذهول وصلنا إلى السجن الحربي حيث أقيمت أفظع مذبحة بشرية لخيرة شباب مصر ورجالها، إنني لا أستطيع مهما أسعفتني الذاكرة أن أصف تلك اللحظات الرهيبة المرعبة التي استقبلنا فيها ساحة السجن الحربي لقد كان في استقبالنا حمزة البسيوني جلاد مصر، والعميد سعد زغلول عبد الكريم قائد الشرطة العسكرية ومجموعة من زبانية السجن الحربي أمثال الصاغ رياض إبراهيم وجلال الديب ومحمد مصطفى الجنزوري وأركان حرب هاني إبراهيم وإحسان العاجاتي وصفوت الروبي الذي رقي من عسكري نفر إلى رتبة ملازم شرف مكافأة له على ما أزهقه من أرواح ومزق من أجساد في السجن الحربي.

لقد ساقونا كالبهائم والسياط تنهال على الجميع لا فرق بين طفل صغير أو امرأة حامل أو شيخ ضعيف حتى وصلنا إلى ساحة واسعة فتقدم من كل منا جندي من الزبانية وجردوه مما بقى عليه من الثياب وأوقفونا على شكل دائرة وأمرونا أن نسجد على الأرض وانهال كل جندي على ضحيته والنساء يشاهدن هذا المنظر المفجع ويبكين بكاء أخرسا. وبعد أن أغرقونا في دمائنا، وصبغت أجسادنا بالسواد من الضرب أخرجونا لعمل استعراض للأسرى والسبايا أمام الفريق أول محمد فوزي وأمامه أمرونا بالركوع فركعنا ثم أمروا النساء أن تركب كل واحدة على ظهر رجل ولم يستثنوا من ذلك حتى المرأة الحامل التي يعوقها حملها عن تنفيذ هذا الأمر فتوسلت بدموعها لهم، ثم أمروا كل رجل منا يختار لنفسه اسم امرأة ينادونه به، ثم احضروا مجموعة من الزبانية انهالوا عليه بالضرب وعددا من الكلاب تنهش فيه ويزداد نهشها كلما ازداد الضرب .

في النهاية ألقوا بنا في زنزانات حشرونا فيها حشرا وأغلقوا علينا الأبواب وجاء واحد من الزبانية بعد نصف ساعة وفتح الأبواب وبيده جردل ميكروكروم وبيده فرشة بياض كان يغمس الفرشاة ثم يمسح بها جسد كل منا، وفي الصباح أخرجونا من الزنزانات، وحلقوا لكل رجل منا ناحية من شنبه وحاجبا من حاجبيه ثم أعادونا إلى الزنازين وأدخلوا معنا الكلاب لمدة نصف ساعة تنهش فينا، ثم أخرجوا الكلاب وأخرجونا للتحقيق وعلقونا في الفلكة وأعطونا ” طريحة ” ثانية وقالوا لنا ” هذا غذاؤكم ” وحدث ذلك عند العشاء أيضا، واستمر حالنا على تلك الصورة تسعة وعشرين يوما داخل السجن الحربي ولما لم يجدوا علينا أية مسئولية أخرجونا من السجن الحربي وحملتنا العربات عرايا كما ولدتنا أمهاتنا حتى باب القرية.

وروى (عبد الرحمن القبلاوي) إمام وخطيب مسجد وهو من أبناء القرية قال:

“استبيحت القرية ثلاثة أيام من صبيحة الحادث يوم الأحد حتى ثالث يوم، فتشت جميع منازل القرية وخربت ومزقوا الفرش وحطموا كل شيء يمكن تحطيمه، ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم أفسدوا كل شيء داخل البيوت خلطوا الدقيق بالجبن بالحبوب بروث البهائم، قبضوا على الآلاف من الرجال والنساء والأطفال فرضوا حراسة على كل شارع وكل حارة وكل درب، انتشر الجنود في كل مكان وفرض حظر التجول طول الثلاثة أيام حتى نفذ الماء والطعام وجاعت البهائم وعطشت وجف لبن الأمهات ومات الأطفال الرضع ونهبت المحال التجارية وسرقت حلى النساء وأهدرت رجولة الرجال وأقاموا ثلاث ساحات تعذيب داخل القرية؛  في المدرسة الإعدادية، وفي الوحدة المجمعة، وفي نقطة البوليس.

يقول مدرس إعدادي بالقرية لم يذكر اسمه :

” لقد هاجموا الحقول ودمروا وخربوا ما فيها من زرع وقبضوا على من فيها، أخذوني أنا وأهلي واستولوا على كل ما نملك وقادونا إلى الوحدة المجمعة كانت قطعة من جهنم رأيت رجالا مضروبين حتى اختلطت ملامحهم وآخرين مصلوبين على جذوع النخل بعضهم مغمى عليه من التعذيب والبعض الآخر يجأر ألمًا وفزعًا “.

مات (صلاح رزق عبيد) في السجن الحربي ومات (أبو سريع جحا) ومات (محمد أبو السعود) في القرية وجن (أبو عميرة الصابر) وأصيب الكثيرون بالصرع. لقد بقيت جثث الموتى في البيوت لا تجد من يحملها إلى المقابر وعندما سمحوا بدفن (محمد عبد العزيز حيدر) لم يسمحوا إلا بأربعة يحملون “النعش” وقد ترك الجنازة بعض المشيعين وهربوا خوفًا من التعذيب من رجال الشرطة العسكرية.

ويقول (محمد الشامي) مدرس اللغة الفرنسية ومن أبناء القرية : “لقد عاشت القرية ما يقرب من ثلاثة أشهر يسيطر عليها الإرهاب وأغلقت المساجد ومنع الأذان وعطلت الصلاة داخل المساجد “. 

انتهت تلك المأساة بموت الكثير من أهل القرية وأصيب عدد منهم بالجنون والصرع، على إثر تلك المذبحة التي يندى لها جبين الإنسانية، وبالرغم من التكتيم الإعلامي والتأريخي لهذه المأساة إلا أنها قد عرفت ونشرت، ونحن بإعادة النشر حول هذه المأساة نقصد تذكير الناس بأفعال الطغاة ، ونذكر الطغاة ومن أيدهم أيضًا أن تلك الجرائم والفظائع مهما اجتهدوا في اخفائها إلا أنها تظهر ويسجلها التاريخ ليعلمها كل من أراد يكشف الوجه القبيح لأولئك المجرمين.

المصدر: جابر رزق، مذابح الإخوان المسلمين في سجون عبدالناصر، كتاب متاح على الشبكة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *