By / 26 يناير، 2019

مسارات المقاومة… الخروج من التيه (1)

تحدثنا في المقال السابق عن الجانب النفسي بشكل أساسي حول طبيعة النضال والمقاومة؛ وكان المحور الرئيسي هو كيفية نشر ثقافة وروح التمرد والذي يعتبر أحد المصادر الرئيسية للمقاومة والنضال.

ويبدو للبعض أن هذا المصطلح أو ما يشابهه -لعدم وجوده في التراث والتاريخ العربي والإسلامي-هو مصطلح سلبي؛ هذا صحيح تاريخيا، ولكن عند مقارنة مصطلح ما وصورته الذهنية في عقول الجماهير والنخبة لابد من استعادة كل المنظومة السياسية والاجتماعية مع الصورة الذهنية للمصطلح، واستعادة المعنى اللفظي فقط للمصطلح دون سياقة السياسي والاجتماعي اعتقد خطأ كبير، وبل وربما يكون جريمة سواء بقصد أو بدون قصد، وعلى أية حال فمن وجهة نظري فإن أسباب التمسك بل الإصرار على هذا النمط والمصطلح هي نفسها أسباب رفضه سابقا وربما يحتاج هذا لتفصيل ليس هذا مجاله.

نعود للمقاومة، وكما ذكرنا هناك عدة مسارات للمقاومة بحيث يمكن لكتلة مقدرة من المجتمع الانغماس في المجتمع المقاوم، وقبل الخوض في تفاصيل تلك المسارات ينبغي أولا تحديد الشرائح المجتمعية المختلفة، وتحديد إمكانية انضمامها للعمل النضالي، وبالتالي تحديد الرسائل الواجب إرسالها لهم وكذلك الإجراءات الممكنة التي يمكن أن يقوموا بها، فمن الأخطاء المنهجية التي يمكن أن تقوم بها النواة الصلبة هو انتظار أن تقوم كل الكتلة الصلبة والكتلة السائلة بنفس الفعل في نفس الوقت، وهذا يجعل الأمور فوضوية ولا تنتج فعلا ثوريا متكاملا، قد تنتج فعلا ثوريا كبيرا وضخما، ولكنه في النهاية فعل مؤقت غير قادر على الاستمرار ويسهل علي الثورة المضادة احتواءه كما حدث في 2011 و2013.

ويمكن تحديد القطاعات المجتمعية الرئيسية كالتالي:

النواة الصلبة للثورة:-

وهي الكتلة غير القابلة للتفتيت وقادرة على تحمل الضربات العنيفة من الثورة المضادة، وغير قابلة للتخلي عن مسار الثورة تحت أي ضغط وفي أية ظروف، ولا تتأثر بالإحباطات ودعاية الثورة المضادة، وتملك إيمانا مطلقا وأبدي بحتمية النضال مهما كانت الظروف ومهما كانت النتائج، وهذا القطاع هو أمل الثورة وصانعها دائما، وهو لا ينتهي، فقد يكون كامنا ولكنه لا يختفي.

ومن أهم الرسائل وبالتالي المهام لذلك القطاع (سنتعرض للتفاصيل لاحقا) هي:-

  1. رفع راية الثورة الدائمة والمحاولة الدائمة للحفاظ على الصورة الذهنية للثورة مهما كانت الإمكانات والضغوط
  2. بناء أنوية التنظيم الثوري بفروعه الثلاث (الأمني – المعلوماتي – الميداني) بالاستعانة بالكتلة الصلبة، ولنعلم جيدا أنه لا ثورة بلا تنظيم ثوري وهو التنظيم الذي يشعل الثورة ويحرك الجماهير في المسارات الصحيحة، وسنتعرض لبنائه لاحقا
  3. توسيع النواة الصلبة للثورة وتثبيت منهجها الفكري وعلاقتها الواضحة بالآخرين، فالبعض يرى أن الميوعة في الأفكار أحد وسائل جذب الجماهير، إلا أن الواقع والتاريخ ونماذج فكرية وثورية مثل الشيخ حازم أكد أن هذا التفكير غير صحيح بل ومدمر، فالثورات الكبرى الناجحة لا يمكن إلا أن تكون مؤدلجة.
  4. صناعة القيادات الثورية وهذا ربما أحد الأمور الغائبة في مناهجنا الثورية، فارتباط الجماهير بالأشخاص في كل العالم وكل التاريخ واضح بلا مواربة، وصناعة القيادات أحد المفاتيح المهمة لإنتاج ثورة حقيقة، وتلك القيادات لابد أن تكون مرتبطة بالتنظيم الثوري والشارع وليست قيادات نمطية نخبوية.

الكتلة الصلبة للثورة:-

كتلة كبيرة رأيناها بعد انقلاب يوليو 2013 بالشارع في طول مصر وعرضها لفترات طويلة، وهي كتلة مؤمنة بالحرية والعدل وحتمية التغيير، وليست منتمية لطبقة اجتماعية محددة؛ بل لها امتداد طولي رأسيا داخل كل الطبقات الاجتماعية، وتمتلك الرغبة والقدرة على الفعل الثوري؛ إلا أنها تختلف عن الكتلة الصلبة أنها في الغالب تكون كامنة، ولا تتحرك ولا تنتظم في تشكيلات إلا عند نشاط النواة الصلبة، وتلك الكتلة تمتلك قدرات هائلة على التضحية والنضال ولكن بشرط الإيمان بقدرة النواة الصلبة على الفعل والثقة بها، وقد رأينا ذلك بداخل أجهزة الدولة بعد تولي الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية موقع الرئاسة وربما لا زال البعض موجودا، ولكن قبيل الانقلاب ظهرت توازنات القوى التي مالت بشدة لصالح الثورة المضادة فخسر الكثيرون مواقعهم ،ودخل الآخرون في حالة كمون وربما أظهروا عكس ما يبطنون حماية لأنفسهم، لذلك هذه الكتلة تنشط وتظهر عند ظهور أنياب للثورة ليس لعدم انتماءهم ولكن لضعف القوة الثورية، وقد أظهرت الثورة المضادة فهما لطبيعة الثورة أكثر من الثوار أنفسهم في طريقة تعاملها مع أي قوة تنتمي للثورة ولكن بدموية شراسة غير مقبولة أخلاقيا.

الجماهير:

القطاع الأوسع والأكثر تعرضا للظلم والأكثر احتياجا للثورة وغالبه ينتمي للطبقات الاجتماعية المطحونة وغير مؤدلجين في الغالب، وهي تتعرض للظلم ليس فقط من النظام ولكن أيضا من النواة الصلبة والكتلة الصلبة للثورة، ففي السنوات السابقة زاد خطاب الكراهية والاحتقار للجماهير من قطاع واسع من النواة والكتلة الصلبة، وهذا خطأ بالغ، فالجماهير لا يمكنها القيام بأفعال ثورية كما تفعلها الكتلتين السابقتين، فهي تعاني بشدة من أوضاع اجتماعية واقتصادية هائلة ولا يمكنها المغامرة ولا حتى في مساحة سنتيمتر واحد، فهي بالأساس لا تمتلك أي شيء لتقامر به، ويعيش يوما بيوم ولا يمتلك أي مقومات للبقاء إذا دخل في أي مغامرة حتى لو كانت محسوبة، وهي تعيش في ضعف مزمن ولا يمكنها عمل أي فعل مقاوم للقوة الغاشمة، بل تقوم في الغالب بحيل للدفاع النفسي حتى تتجنب الشعور بالظلم والقهر وأهمها الدفاع عن الطاغية والمستبد، إما تجنبا لشره أو امتلاك إحساس بأنه موجود يستطيع المشاركة ويستطيع أن يكون إنسانا ذو رأي ودور، ولذلك يتحرك دائما ويقف بجانب الأقوى لمحاولة حماية وجوده. وهذه الكتلة الكبيرة لا يمكنها البدء ولا المشاركة في الفعل الثوري إلا في وجود تنظيم ثوري قادر على معادلة القوة مع الثورة المضادة، في هذه الحالة فقط؛ يمكن أن تنضم الجماهير بمنتهى القوة والشراسة إلى الفعل الثوري، هذه مرحلة متقدمة من الثورة ولكن دخولهم للفعل الثوري يسحق النظام، وأحد أدوار النواة الصلبة والتنظيم الثوري المنشأ منها هو ضبط إيقاع الجماهير وتوجيهها في تلك اللحظات الحاسمة.

النواة الصلبة للثورة المضادة

وهي كتلة غير قابلة للتفتيت أيضا، وستقاتل حتى آخر فرد بها للحفاظ على السلطة وهي نواة بناء الثورة المضادة بعد أي موجة ثورية عاتية، وتعتمد قدرتها في إعادة بناء الثورة المضادة على قوة الموجة الثورية ، وكلما كانت عاتية وحاسمة وشرسة؛ كلما قلت قدرة النواة الصلبة للثورة المضادة على إعادة بناء نفسها واستعادة السلطة، وما حدث في موجة يناير يؤكد ذلك، فالحنان الشديد في هذه الموجة مع مركز الثورة المضادة “وهي في حالتنا أجهزة الدولة الرئيسية ومركزها المؤسسة العسكرية”؛ أدى إلى موجة ثورة مضادة عاتية وسريعة سحقت الموجة الثورية في 2011 ثم 2013، لذلك سحق النواة الصلبة للثورة المضادة – كما حاولت الثورة المضادة فعل ذلك مع النواة الصلبة للثورة – أحد الأهداف المركزية للتنظيم الثوري.
ويجب أن يكون خطاب الثورة لهذه الكتلة خطابا صداميا حاسما، لأن أي تراخي ولو لفظي تجاههم يجعلهم أقوى، أما الخطاب الحاسم فيصيبهم بالفزع والرعب وخاصة مع إظهار أنياب للثورة.
والجزء الأخطر منها هو الجزء المؤدلج بالعداء للنواة الصلبة للثورة، وتسعى الثورة المضادة دائما إلى تكبير هذا العداء وصناعة عدو واضح.

الكتلة الصلبة للثورة المضادة

وتتكون من شبكات واسعة للمصالح تحيط بالنظام وتستفيد من وجوده، ودفاعهم عن النظام مرتبط بمدى الحصول على مكاسب من ذلك، وهي ممتدة داخل كل طبقات المجتمع، وبالتأكيد تقل مع الوقت لعدم احتياج النظام لهذه الكتل البشرية الكبيرة بعد استخدامهم في موجة الثورة المضادة، ولهذا يمكن لجزء ما من هذه الكتلة أن يستخدم ليكون جزء من الفعل الثوري دون أن تكون من قلب التنظيم، وهي تحتاج أبضا إلى أن تشعر أن مصالحها ربما يعود جزء منها في حالة انتصار الثورة، ولكن دون أن تتخلى الحالة الثورية عن أي من ثوابتها، وهذا لابد أن يكون محور الخطاب الموجه لهذه الكتلة.

في كل الحالات يجب بناء حالة ثورية تنظيمية مؤدلجة صلبة غير قابلة للكسر، ربما تتعرض للصدمات؛ إلا أن بناء التنظيم وثوابته تجعله دائما قادرا على استعادة نفسه مرة أخرى، وفي اللحظة التي يتأكد فيها النظام باستحالة القضاء على التنظيم الثوري وأنه حالة مستمرة دائمة سيصاب بالكثير من الإحباط ويضعف من قوته الباطشة، ويعتبر الواجب الحالي للنواة الصلبة هو بناء تنظيم ثوري من الكتلة الصلبة للثورة.

نأتي للسؤال الأهم، هل تمتلك الثورة نواة صلبة الآن؟ وما دورها الواجب؟ وإذا كانت غير موجودة… فما هي الوسائل التي يمكننا بناءها بها. وكذلك الرسائل والإجراءات الواجبة تجاه كل القطاعات المذكورة بشيء من التفصيل.

ربما نحتاج لمقال آخر للحديث عن ذلك.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *