By / 5 أغسطس، 2019

مصر ـ التديُن الشعبي وتقديس السلطة

الكاتب/ صهيب زهران

دور السلطة في إدارة التسويق السياسي من خلال التدين الشعبي

في الثاني من أبريل الماضي أطلق1 المتحدث باسم وزارة الأوقاف المصرية، جابر طايع، تصريحًا أثار الكثير من الجدل وردود الأفعال والأقاويل التي دارت بشأنه. وكان مفاد التصريح هو تشبيه جابر طايع لقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيادة أجور العاملين في جهاز الدولة الإداري بمعجزة الإسراء والمعراج. وقد زعم طايع في مداخلته الهاتفية مع برنامج “صباح الورد” على قناة “Ten” الفضائية أن “معجزة ليلة الإسراء والمعراج تتحقق في الأعوام جيلًا بعد جيل، حيث جاءت الانفراجة بعد ضيق وشدة، وشاهدها المصريون عِبرة في قرارات السيسي الأخيرة برفع الأجور وكذلك كانت رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام للمسجد الأقصى، بعدما تكالبت عليه الكُرب وجاءه الفرج”.

هذا التصريح بصفةٍ خاصة كما فجّر حلقات من النقاش الاستنكاري للوضع الذي باتت عليه مؤسسات الدولة المصرية الدينية وعملها على التقرُب من مؤسسة الرئاسة، أيضًا أخذنا إلى قضيةٍ أكثر عموميةً وشمولية وهي الخاصة بتقديس السلطة وتنزيهها عبر موجةٍ جديدة من التديين المُمثَّلة في التديُن الشعبي والذي قد لا تمثِله بالضرورة أجهزة الدولة الدينية بل قد تكون أكبر من هذا وتصبح فلسفة خاصة بالنظام يحاول تعميمها وتوطيدها يستخدم فيها فاعلين أكثر تعدُدًا وذوي خطاباتٍ ذات انتشارٍ أُفقيّ واسع تحقق هدفه.

 وسيشرع النظام إلى استجداء واستجرار مفاهيم كــ “الناس على دين ملوكهم”، و”الدين أفيون الشعوب”، لتفعليها وإلى ما يُسوِّق لنفسه كنظامٍ سُلطوي يُعيد بعث مفاهيم القرن السادس عشر في الحكم عبر العقد الآلهي والاستخلاف في الأرض غير المنضبط بأي معايير، وأيضًا لآليات حكمه التي يُضفِي عبرها شرعية دينية على سلوكياته أيًّا كانت.

ومن أجل تبيين الصورة بشكلٍ أوضح سنتجه نحو شرح المفهومين المؤسّسين للورقة وهما التدين الشعبي والتسويق السياسي.

التدين الشعبي:

يُعَد التدين بصورةٍ عامة سلوكًا طبيعيَا وإنسانيًا، كما أنه في مجملهِ ظاهرة تاريخية اجتماعية تعبر عن التجلي العملي والنسبي لعلاقة الإنسان الوجدانية والروحية بالإله عالم الغيب؛ وهو يكشف عن كيفية فهم الناس لدينهم، واستيعابهم له وترجمتهم له في إطار سلوكيات ومواقف حياتية بحسب الخصائص والأوضاع المشتركة والمتباينة لهم2.

ومن ثمّ فهو يعتبر وعيًّا وممارسة فردية واجتماعية ومؤسسية، وهو صيغة اجتماعية لانبثاقه من واقع اجتماعي موضوعي، وهو محدد بأبعاد هذا الواقع السياسية والاقتصادية والثقافية في سياقاتها التاريخيةوبالتالي فهناك علاقة وثيقة قائمة بين التديُن والواقع؛ إذ يقوم الأول بتأدية أدوار ووظائف محددة ومتباينة تُلبي حاجات متباينة أيضًا داخل الواقع الاجتماعي3.

وتُوجَد ثلاثة أنماط من التدين تعد في جوهرها مظلات عقائدية تفرض أنماطًا سلوكية ومواقف اجتماعية سياسية بعينها، كما تفرض منظومات جزائية تتناسب وتتباين، هذه الأنماط ممثلةً في الآتي4:

1- التدين الرسمي المؤسسي: أي تديُن الدولة، حيث الدين بكل مؤسساته الرسمية كأحد أجهزة الدولة الأيديولوجية، حيث أن الدولة مؤسسة طبقية تفرض السيطرة على المجتمع بأكمله، وتنظم هيمنة طبقة بعينها أو تحالف طبقي معين على طبقات المجتمع الأخرى. والدين هُنا لاعب وورقة؛ حيث يُوظّف كآلية ضبط وسيطرة وإضفاء شرعية وتبرير وتسويغ سياسات وممارسات تصل حتى إضفاء قداسة دينية مزعومة استنادًا إلى احتكار النص الديني واحتكار تأويله إذ إما يتم التأكيد والتشديد على نصوص دينية بعينها وإهمال نصوص أخرى في عملية اختيار انتقائي وتحكمي يُخرج النصوص من سياقاتها ويبسط سُلطانها على الواقع الراهن. ويكون الخطاب النابع من صُلب هذا النوع من التديُن خطاب استسلام يطالب المُخاطَبين بالإذعان والخضوع؛ خطاب يُعبِر عن نمط العلاقة الذي يجمع الدولة بمؤسساتها الدينية. إذ تقوم المؤسسات الدينية على إثر تبعيتها للدولة عبر سائطها ووسائلها في صياغة الوعي الديني للجماهير لخدمة مصالح السُلطة. إذ تتمثل مهمة التديُن الرسمي وهدفه وغايته في ترسيخ وتقديس أنساق القيم والمعايير السائدة التي تضمن بقاء علاقات السيطرة والخضوع على المستويين السياسي والاقتصادي. وهدفه أيضًّا ممارسة رقابة دينية اجتماعية تحقق ضمان خضوع أفراد المجتمع وامتثالهم للقيم والمعايير السائدة، وتعطيل طاقاتهم للحيلولة دون ممارسة حقهم في التجديد والإبداع. 

2- التدين السياسي المعارض: وهو ينقسم إلى فئتين:

أ. تدين نصيّ مؤسسيّ معارض وهو تديُن فريق من فقهاء ورجال الدين الرسميين داخل المؤسسة الدينية الرسمية، ولكنهم على خلاف مع أطروحات هذه المؤسسة رُغم انتمائهم العضوي لها.

ب. تدين جهادي انفصالي وهو تدين يجعل من النص الديني وعبر تأويله وقراءته قراءة معينة إطار مرجعيًّا وأيديولوجيًّا له، فيصوغ على إثره مشروعا اجتماعيّا له، ويشيد حركةً تنظيميّة. ومن ثمّ ينطلق صوب المفاصلة والجهاد لإحداث قطيعة معرفية ووجودية مع المجتمع لإحداث تغيير في بُنية المجتمع والدولة، اللذين تراهما غير مشروعيّين لجاهليتهما. وهذا النمط يعمل على تجاوز الوضع الراهن، برفضه والتمرد عليه والانفصال عنه على المستويين الشعوري أو الوجودي، ويُوجِد لنفسه رموزه وقيمه وثقافته وأساليب معاشه الخاصة التي تؤكد هذه المفاصلة أو العُزلة. وعادةً ما يرتبط التدين الجهادي بحركاتٍ وتنظيمات تحاول فرض مشروعها وتفعليه، إما عبر الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي البُنيوي الدولتي، وإما من خلال عملٍ جهاديٍّ عنيف وقوي ومباشر لتدمير النظام “الجاهلي”.

3- التدين الشعبي / Popular Relıgıosıty5: وهو الصيغة التي مالت إليها القطاعات الشعبية الفقيرة الواسعة على اختلاف تكويناتهم الطبقية في مِصر، وهذه القطاعات كانت بالفعل على نحوٍ عمليّ وإجرائي خارج الصراع المحتدم بين الدولة وخطابها الديني من جهة وبين الجماعات الدينية الجهادية من جهةٍ أُخرى، رُغم محطات الحرمان والعوز والفقر والتهميش والقهر والعسف التي لحقت بهذه الطبقات حتى بات شعور هذه الطبقات بما يلحق بهم هو قدرٌ محتوم.

ويكاد أن يكون هذا النمط الديني هو استمرار لما كان سائد في عصور الانحطاط، وهدف هذا النمط هو تسجيل الهروب من مواجهة واقع اجتماعي شديد القسوة والعداء يحفل بأنواع الحرمان والاسبداد السياسي والظلم الاجتماعي؛ واقعٌ تتسيده حداثة حُرِموا ثمارها، وتشيع فيها أيديولوجيات تتسم بالكذب والنفاق. 
عدّ الباحث أن التدين الشعبي ما هو إلا محصلة لتكيُف تاريخي بنائي متبادل بين الرسالة الدينية بعقائدها وعباداتها وطقوسها ومعاملاتها والهياكل والأبنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع من جهةٍ أخرى، والمحصلة هي مجموعة من الظواهر الاجتماعية البشرية المتغيرة من مكانٍ لآخر ومن آنٍ لآخر؛ وهي في مجموعها ليست من الدين الإلهي بشيءٍ سواء كانت موافقة لثوابت هذا الدين أم مخالفة له.

تديُن كما يُعاَش ويمارسه الناس في حياتهم اليومية، يتعارفون عليه خلال هذه الممارسات من رؤى وتصورات وأعراف وتقاليد ألحقها الناس بالدين وهي ليست منه.

تدين صادر عن الظروف الحياتية لا كنظامٍ معياريّ مرصودٍ في الكتب والأسفار والنصوص المقدسة، بل دين تاريخي اجتماعي متضمن في ثقافة المجتمع يتخلل كل بنياته، حتى أنك تستطيع أن تجد طبعاتٍ محلية للإسلام داخل المجتمع الواحد في البلد الواحد، وتؤثر في الناس وتسير حياتهم جنبًا إلى جنب مع الإسلام الرسمي المؤسسي الإلهي.

تديُن يفرض نفسه كإلزامٍ جماعيّ أكثر من كونه واجب فردي يخضع لمنطق التماثل والظروف التاريخية المعاشة والواقعية التي يعيشها الأفراد والجماعات أكثر من خضوعه لحاكمية النصوص الدينية المقدسة، بل إنه يعبر عن وجوده في مواقف وسلوكيات أنظمة تحكمها العادات الاجتماعية تكون أشد صرامةً وحاكميةً من أحكام الدين ذاته.

يرتبط التديُن الشعبي بصورةٍ كبيرة بقدرٍ هائل من الارتباط بالماضي الأسطوري والممارسات الطقوسية والرؤى الكونية والتصورات المخالفة لخطاب الأجهزة الدينية الرسمية وقد كان ذلك على إثر شيوع الأميّة في أوساط الطبقات المتبنيةِ له، وبقدر احتكار المؤسسات الدينية الرسمية والجماعات الجهادية الانفصالية للنص الديني ولتأويلهِ، يشير الباحث إلى أنه لم يتبق لهذه الطبقات من الدين ونصوصه إلا أشباح مُبهَمة تتذكرها في المناسبات الدينية6.       

أمرٌ هام في قضية التديُن الشعبي في مِصر؛ وهو أن المصريين صهروا أديانهم بثقافتهم القومية إلى حدٍّ جعل الفواصل بينهما غير موجودة من الأساس، حتى يصير الشيئان شيئًا واحدًا، يصعُب التمييز بينهما، بين الأصل الديني والمنتج الثقافي، هذه الساحة البرِحة شكّلت الإيمان العميق بالوسيط كالأولياء والقديسين تبركًا بهم وتحقيقًا لأمانيهم وآمالهم وطموحاتهم وهو ما سيستتبع بالضرورة تشكيل منظومة التحليل والتحريم والتي لن تكون موافقة للدين بالضرورة في أحيانٍ كثيرة. وقد وصل التدين الشعبي في مِصر لقمة الانتشار الأُفقي على حساب التدينين الرسمي المؤسسي والجهادي الانفصالي. وهذا ما أوجد بُنىً اجتماعية صلبة تشكلت على إثرهِ أكثر قوةً وتماسُكًا من البُنى التنظيمية التي شكلتها الدولة ذاتها.

ويشير أحد الباحثين المضطلعين بهذا الأمر، إلى 3 أسباب في تأويل استمرارية التدين الشعبي في مِصر7:

أولًا: لأن هذه الظاهرة تعد نتاجًا ضروريًا لاستمرار علاقات الإنتاج قبل الرأسمالية داخل التكوينات الاقتصادية الاجتماعية الطرفية والتابعة التي تحويها هذه المجتمعات، فهذه التكوينات تعجز عن القضاء على علاقات الإنتاج السابقة للرأسمالية بكل ما تحمله من بنياتٍ تحتية وفوقية، متعايشة معها بل تجددها وتعيد إنتاجها.

ثانيًا: ما تحويه منظومة التدين الشعبي من عقائد وطقوس وممارسات صارت آليات وأدوات بديلة تحقق تماسكًا للوحدات الاجتماعية والدنيا، معلنةً تميزها عن المؤسسات الرسمية الحديثة، بل قد تصبح في حالات بعينها ممارسات تحد وصراع لهذه الوحدات الاجتماعية التقليدية والدنيا في مواجهة السلطة السياسية.

ثالثًا: لأن المعتقدات والممارسات والطقوس المُشكِّلة لمحتوى التدين الشعبي، على مستوى بنيته الذهنية وأُطُره التنظيمية تعود بالخير على نُظُم الحكم التي تستخدم هذا النمط من التديُن لصالحها؛ لتشكيله مهربًا من الواقع لا يندفع إلى الخروج على النظام أو مواجهته، ومن ثمّ فأنظمة الحكم تسعى إلى استمراريته بل إعادة إنتاجه وتكريسه.

التسويق السياسي8:

التسويق بصورةٍ عامة على حد التعريف المُعتمَد من قِبل جمعية التسويق الأميركية، هو عملية تخطيط التصور، والتسعير، والترويج، والتوزيع، للأفكار والسلع والخدمات وتنفيذه لخلق التبادلات التي تلبي الأهداف الفردية والتنظيمية.

بينما التسويق السياسي هو إقامة العلاقات مع الناخبين وصيانتها وتعزيزها على المدى الطويل محققة الفائدة للمجتمع والأحزاب السياسية، وبحيث يجري استيفاء أهداف الجهات السياسية الفردية والمنظمات المعنية، وذلك عن طريق الوفاء بالوعود. وهذه هي المفاصلة الحاكمة للتفرقة بين التسويق السياسي والتسويق الانتخابي، إذ أن التسويق السياسي يستلزم مرحلة الوفاء بالوعود لا بوصول النظام لهدفهِ فقط.

وقد سارت أحد التعريفات التي تناولت التسويق السياسي؛ أنه ليس فقط متمثلًا في الدعاية الانتخابية والانتشار الحزبي والخطب الانتخابية لكنه يحتاج إلى كافة الأدوات الاتصالية للترويج عن الحرب، وأنه أصبح جزءا لا يتجزأ من الاتصال السياسىي، فالاتصال السياسي تشمل عملية التسويق بأكملها من دراسة مبدئية للسوق -الجمهور المستهدف- واختباره واستهدافه. ومن ثمّ فالتسويق السياسي نشاط أو مجموعة أنشطة تستهدف تعظيم وتنظيم عدد المؤيدين لمرشح سياسي أو لحزب معين تؤدي فيما بعد إلى نجاحه.

والتسويق السياسي يضرب بجذوره في التاريخ السياسي منذ القرن السادس عشر حيث كتابات نيكولا ميكيافيللي السياسية التي ظهرت مع عصر النهضة في أوروبا، ولكن التسويق السياسي دخل حيز التفعيل مع استلام الولايات المتحدة الأمريكية سُدة قيادة العالم والتربع على عرشه. بل قُبيل هذا شكلت الولايات المتحدة نقلة نوعية لإدخال التسويق مضمار جديد وهو السياسة. وقد دأب رؤساء كُثُر على استخدامه كروزفلت، وأيزنهاور، وويلسون، وريجان، وجورج بوش الابن. وقد انتقل مجال التسويق السياسي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى قلب أوروبا حيث بريطانيا في عُهدة مارجريت تاتشر حيث حملتها الانتخابية عام 1987. 

وللتسويق السياسي عناصر محددة9:

1/ المنتج السياسي: وهو مجموع الصفات الشخصية وغير الشخصية، كخصائص المرشح وصورته، وصورة الحزب الذي ينتمي إليه، ووعوده للجماهير التي تشبع حاجاتهم ورغباتهم. والمنتج السياسي على ثلاث صور:

  1. منتج سياسي مرن: وهو البرنامج أو الرؤية التي يقدمها السياسي، وهو مرن؛ لأن التحكم فيه ممكن.
  2. منتج سياسي شبه مرن: وهو كاريزما السياسي ومظهره الخارجي، وهو أكثر ممانعة للتحكم فيه وتغييره.
  3. منتج سياسي صلب: تمثلها الأيديولوجيا التي يحملها السياسي ويحاول تسويقها، وهي عصية على التحكم بها. وهذا ما يمكن تلخيصه في الاتساع والعمق والترابط.

2/ الناخب والمؤيد: وهو حسب مفهوم التسويق، هو المستهلك، والذي يُعمَل على تجنيده واستنفاره، عن طريق معلومات تهُمه هو ومستقبله ودائرته الخاصة، وهذا يستلزم جُهدًا من قِبل المنتج السياسي لتطويع هذا المؤيِد. وهذا عبر خطابٍ خالٍ من الأخطار.

3/ إيجاد الفارق: عبر التنظيم الجيد للحملة الانتخابية وجديتها، وعن طريق قدراته الشخصية في الاتصال بالآخرين. والتي تُبنى حسب مميزات نفسية وغير عقلانية، كما أن هذا الاختيار ناتج أيضًا عن الفارق الذي أحدثه المرشح، المدعَم بتسويق سياسي.

4/ البيــع: وهو في التسويق السياسي، يمثل التصويت الانتخابي وهي طريقة التعبير عن الإرادة الحرة في الاختيار، وهو حق وواجب لكل مواطن يتمتع بالأهلية العقلية وعمره، فالمواطن له حقوق سياسية ومدنية، ويملك جزءًا من السيادة يمارسها عن طريق الانتخاب، ومن ثمّ فبيع المنتج السياسي هو توصيل البرنامج أو الفكرة للجماهير المستهدفة وإقناعهم بها، أي إحداث التأثير المستهدف على الرأي العام لجمهور الناخبين.

5/ الفوز والانتشار: وهو قدرة المرشح أو الحزب للترويج إلى أفكاره وزيادة عدد مؤيديه وإقناعهم برسالته وأهدافه، بحيث يصبح له شبكة مؤيدين ويظهر الفوز في نتائج الانتخابات والاستفتاءات.

وتُضاَف أو تُصاَغ عناصر أخرى على هذه العناصر أو تحمل مضامينها مثل10:

  • الترويج: وهو يرتكز على ثلاثة بارمترات؛ الشكل، واللغة، ونوع الشخصية، وتُستخدَم هذه المرتكزات ليزيد المُنتِجين السياسيين من أسهمهم لدى الناخبين، وقد كان هذا دليلًا قاطعًا على التحول الذي حدث لدى وسائل الإعلام البصرية من الاهتمام بالمضمون وجعله ثانويًّا إلى الاهتمام بالشكل وجعله رئيسيًّا.

ومَفادُ هذا هو تشكيل انطباعات إيجابية لدى الجمهور، ومخاطبة العامل العاطفي عِوضًا عن مخاطبة العقل وجعل الناخب أسيرًا لهذه الحالة ودفعه للنقاش عنها.

  1. اللغة: وهي القدرة البلاغية للسياسي، ويحرص السياسيون على استخدام خطاباتٍ مُصاَغة بشكلٍ خاص وتعج باللهجة والنبرة العاطفية لجذبه والاستئثار به. بالإضافة إلى أنها نبرة تتسم بالمجازية وتتيح إخفاء أشياء وإظهار أشياء أخري. وقد وصل الأمر إلى أنه أصبحت هناك مؤشرات قياس للخطابات السياسية وتفنيدها لمعرفة الوزن النسبي الخاص بمخاطبة العقل ومخاطبة العاطفة. حتى أنه قيل إن التيار اليمينيّ يميل أكثر لاستخدام الخطاب العاطفي على عكس التيار اليساري الذي يميل لاستخدام الخطاب العقلاني.
  2. الشكل: وهو السمت الظاهر للسياسيّ والذي يحمل دلالة عن هُويته وانتمائه، بالإضافة إلى الشكل الجسدي ذاته، لأن الجمهور ذاته ينسب صفات شخصية للسياسي استنادًا على مظهره فقط، وهو ما دفع السياسيون إلى إدخال تغييرات على مظاهرهم الخارجية. وليس أدّل على هذا من أن مارجريت تاتشر أجرت تغييرات عدة على مظهرها خلال الأعوام التي قضتها رئيسة للوزراء. وأيضًا برلسكوني رئيس وزراءإيطاليا السابق عندما كان يعمد لعرض برنامجٍ جديد لحكومته فقد كان واضحًا أنه أجرى لوجهه عملية شد لإخفاء أمارات الشيخوخة من عليه. جورج بوش الابن ذاته أثناء منافسته في الانتخابات لجون كيري وقد كان فارق الطول لصالح كيري، ونظيره بوش قصير القامة فقد كان يخفي هذا القِصر عبر الوقوف على قطعة مرتفعة من الأرض لكي يبدو أطول. ولمحورية الشكل فقد أكدت دراسات أن الإدراك السياسي للصغار لا يختلف كثيرًا عن الإدراك السياسي للبالغين. 
  3. الشخصية: وتختلف أنماط الشخصية لتتعدد بكثرة وتصبح لها أشكال مختلفة، فمنها الطموحة والجريئة والمنفتحة والجسورة والودية وغيرها، وتُدرًس عبر حقولٍ عديدة كالحقل الإدراكي والسلوكي والتعبيري والشخصي، ويُستخدَم هذا البارامتر لتعديل الصورة المدركة لدى الجمهور عن الشخصية. فعلى سبيل المثال؛ الشخصية المنفتحة تلقى قبولًا لدى العوام عن الشخصية الانطوائية.

هذه العناصر تُنذِر بتدمير الديمقراطية ونسفها، لأنها أحالت التركيز على المضمون إلى الوراء وصدّرت التركيز على بارامترات لا تناقش المضمون تحت أي صورة. وسيتم خداع الجمهور بصُورةٍ عاديّة في سبيل الحصول على صوته، وتُداَرُ عملية تزييف كُبرى لعقول العوام تسيطر فيها ثقافة الصورة والمنطق الإعلامي في صوغ السياسات في عصر العولمة. ومن ثمّ خلفت هذه الحالة تفريغا لمفهوم الديمقراطية الذي شيّده الغرب وتشويه لوظيفتها، وتحويل المواطنين لمستهلكين سياسيين، وتحويل الأحزاب السياسية والسياسيين بصورةٍ عامة إلى علاماتٍ تجارية، أي ماركات.

لا يتوقف الأمر عند هذا تستمر الصورة في الانغلاق، لأن الأحزاب والسياسيين الذين أصبحوا “Brands” قد أصبحوا يتلاعبون بالخطاب السياسي والرسالة الخاصة به يؤدي هذا إلى وجود رأي عام مائع لا يتصف بالتماسُك، وتُختزَل عمليات البحث من المعلومات إلى الصور والرموز والإشارات. ومن ثمّ تعكف الأنظمة الاستبدادية الأوليغارشية إلى وسم خطاباتهم وحملاتهم التسويقية بهذه الصورة السالفة، فيصبح المستهلكون العوام ليس لديهم وقت للاستماع لمناقشة الخطاب السياسي، وبالتالي تتوحد الاستجابة للقضايا، وانتهاج منهج اختيار لا عقلاني.   

3/ التوزيع: من خلال وظيفة التوزيع يقدم السياسي للناخب مداخل للوصول للمعلومات المتعلقة بالمنتج السياسي، ومن خلالها تختار قنوات الاتصال التي تربط بين السياسيين والجمهور، ومن الضروري أن تكون قنوات الاتصال ملائمة لأيديولوجيا السياسي ورؤيته، وأهم وظائف التوزيع إنجاز الوعود.

4/ التسعير: وهو إتاحة المعلومات للناخب دون تكلفته ماديًّا، ولكن تكلفة الناخب تصبح الأمل الذي يتبناه آملًا في تحسُن أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وقد يكون سقف الأماني لدى الناخبين مرتفع للغاية بالتوازي مع سقف الوعود، فتكون تكلفة الناخبين وقتئذٍ باهظة، ويصبح الإحباط هو المناخ العام لدى الناخبين المخدوعين11.

هل استمد المجلس العسكري من التدين الشعبي ما أمكنه لتسويق نفسه سياسيًّا ما بعد مرحلة الإسلاميين في الثالث من يوليو 2013؟

كان المجلس العسكري ممثّلًّا في المشير عبد الفتاح السيسي -والذي كانت صورته مُوغِلة وممتدَة بصورة أفقية على قطاعات واسعة من الجماهير والتي مثَّلته بطلًا شعبيًّا حال دون وقوع البلاد في هُوة الحرب الأهلية وما إلى ذلك من السرديات التي كانت شائعة آنذاك، كما أهّلته تلك الصورة التي سُوِّقت من قِبل الجماهير بصورةٍ أسرع من تسويق مجلسه ونظامه الناشئ لتوه له شخصيًّا- قد أعد الصورة اللازمة لاستغلال المفهومين الاستغلال الأمثل لإيصال رسالته لأبعد مدى مُمكِن، لأن خطاب الجيش خطاب موجَّه للجموع الغفيرة ومحاولة للتأثير فيها، وغرضه تعبئة شرائح واسعة لكي تكون متحمسة لمقولاته، وليس مجرد تحييدها بشكلٍ إيجابيّ لمصلحته12. ومن ثمّ كان يحتاج المجلس العسكري في لحظة البيان إشعار تلك الجموع الغفيرة أن مؤسسات الدولة متكاتفة وفي حالة توحد تام على الهدف الذي أرادته تلك الجموع والتي قد نزلت على رغبتها هذه المؤسسات وعلى رأسها الجيش، وكان المشهد مُرتَّبًا ومتزامنًا مع اللحظة التي أنتجها الجيش. ومن ثمّ استدعى هذا الأمر وجود العناصر الدينية الرسمية وغير الرسمية لرفع اللبس عن الجماهير بأن معركة النظام مع الإخوان ليست معركة دين، وقد غلبت صورة أحمد الطيب، وتواضروس الثاني، وجلال مُرة على المشهد برُمته بل تعدت صورة العسكريين ومُمثل جبهة الإنقاذ، وعُضوي حركة تمرد.

وقد كان الأمر للدلالة على تسويق البيان عبر هذه الرموز الدينية التي كان لها باع كبير في الشارع ولو كان رمزيًّا، فقد أعاد الجيش إنتاج الموقف والظرف والسياق المناسب لإعادة ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، “رأس المال الرمزي” لدى تلك الأطراف الدينية؛ أي مقدار المشروعية المختزنة لدى هؤلاء الفاعلين في المجتمع13. وقد كان حزب النور يحوز آنذاك مشروعية عالية في أوساط السلفيين، والأزهر أعاد إنتاج خطابه والذي قادته المعارضة الليبرالية والعلمانية نفسها وصدرته للعوام لمحاربة الخطاب الإسلامي السياسي الحركي.

وبات تقديم البديل العسكري للحكم بصورةٍ مباشرة هو “الجَميل” أو القُربان الذي لا بُد من تقديمه للمجلس العسكري من قِبل الفاعلين الدينين بمختلف أطيافهم تقريبًا عدا المعارضين للنظام، لذلك ظهرت صورة سعد الدين الهلالي في الندوة المشهورة عقب الانقلاب وتوصيفه للسيسي بنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام14، وظهور أيضًا المقطع الوسائطي الذي ضم عمرو خالد وسالم عبد الجليل وعلي جمعة الذين كانوا يحثون الجنود من أفراد القوات المسلحة والشرطة على إطاعة الأوامر العسكرية ومواجهة المعتدين15؛ وقد أُوِّل إلى قتل المتظاهرين المعارضين من أنصار محمد مرسي، وكانت طريقة إخراج المقطع بهذه الصورة وهذا النمط مع اللغة الدينية كنايةً عن توظيف سياسيٍّ لأمورٍ دينية في مرحلة ما بعد الثالث من يوليو، لا سيما أن خطاب المقطع كان مُوجَّها في الأساس إلى جنود الأمن المركزي المعروفين بثقافتهم الفكرية الخاصة بهم والدرجة المجتمعية المنتسبين لها.

امتد الأمر لتوظيف الأزهر بصورةٍ أكبر عندما أصبح أسامة الأزهري مستشار الرئيس للشؤون الدينية ووكيل اللجنة الدينية في البرلمان بالتزكية وقد صُدِّر أسامة للمشهد الإعلامي الديني ليقم بجهودٍ مكوكية منذ لحظة الانقلاب حتى عامين سابقين قبل أن تطفئ جذوته تدريجيًا، وكانت الجهود هي تفتيت الرؤى الحركية والأدبياتية للإسلام السياسي لتمهيد الأرض وتفريغها من أية عناصر سياسية من الممكن أن تُمثِّل إزعاجًا للمرشح العسكري الأمني ذي الخبرة الاستراتيجية والانضباط والذي سيصل لكل مكان في الدولة لاحقًا وليس بالأخص الرئاسة. دورًا متوافِق مع سياسة وزارة الأوقاف والتي أحكمت قبضتها على المساجد والزوايا لإبعاد الخطاب المعارض عبر سلسلة متوالدة من القوانين وتشكيل وُفود الخُطباء من الناحيتين العقلية والفكرية وتوهين عُرى خطابات الفصام مع النظام وظهور الخطاب الفقهي الداعي إلى الحكم لمن غلب والذي تسيده “السلفيون المداخلة”.

علي جمعة أيضًا كان علامة فارقة في هذه الفترة وكان دوره من أبرز الأدوار التي غطت هذه المرحلة في الترويج للسيسي والمؤسسة العسكرية، وجدير بالذكر أن علي جمعة لم يكن يحمل أي أهلية وظيفية رسمية تؤهله لهذا الحجم والدور الذي ظهر به في ندواتٍ ومؤتمراتٍ والمساجد والجوامع وأيضًا القنوات الفضائية والتليفزيون الرسمي ذاته.

يُعيدنا هذا إلى أمسٍ قريب لا يتجاوز السنتين إلى الثلاث سنوات، عندما أصبح الجيش مُمثَّلًا في مجلسه العسكري عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير طرفًا أصيلًا في المعادلة السياسية الثورية الناشئة، متنصِلًا من كونه ضابط الإيقاع الرئيس لحكم مبارك وحارس معبده الأمين إلى حارس الثورة والقائم الأساسي بنُصرتها وتدعيم رؤاها وقد كان هذا على أساسين أولهما امتلاكه للقوة المُسلَّحة “قوة النار”، وثانيهما العقيدة الراسخة في عقول المصريين بنُخبِهم السياسيّة أن الجيش جزء أصيل من الشعب لا الأنظمة الحاكمة.

في هذه الفترة عندما تململت التيارات والشرائح الثورية “اللاإسلامية” بليبراليّها ويساريّها من أسلوب إدارة المجلس العسكري للأمور في البلاد، وعدم اضطلاعه بمحاسبة رموز وأذرع النظام المباركي بأسلوب “المفاصلة”، أُكّد لهذه التيارات أن المجلس العسكري أظهر وجهه الحقيقي الذي أخفاه طيلة فترة الثورة وما بعدها، وبات لديهم أنه ممر آمن لرموز نظام مبارك وحديقة خلفية للفساد الدولتي برُمته الذي ينتفعون هم بشخوصهم ومؤسساتهم منه وظهر هتاف “يسقط يسقط حكم العسكر” على الساحة.

في هذه الفترة كان المجلس العسكري قد حمل على عاتقه استخدام قوة النار خاصة لمواجهة خطاب العلمانيين الثوريين16 وطرق تفعيلهم لهذا الخطاب عبر المظاهرات والاحتجاجات التي لا تتوقف مهما كانت درجة ضآلتها، استند في هذا الأمر على خطاب الإسلاميين الديني بدرجةٍ مباشرة؛ والذين كان جُل اهتمامهم موضوع في استلام مقاليد الحُكم والسيطرة على مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية، وقد كان خطابهم الديني السياسي يُعضِّد خطاب الجيش ويمثِّل له رافعة، وهذا يعني أن الإسلاميين وفروا غطاءً شعبيًا للحملة العسكرية الشاملة ضد الآخرين من تجاوزاتٍ واعتقالاتٍ17.

وكان هذا يعني أيضًا أن خطاب الجيش يتعافى عبر أصدقائه السابقين وأعدائه الحاليين من الإسلاميين، خطاب الإسلاميين كان يُفنِد حجج الخطاب العلماني الثوري ويهاجمها في ظل رغبة الإسلاميين في تهدئة الأوضاع وتصفير النزاع مع المجلس العسكري للحصول على السلطة، وفي سبيل ذلك جاروا خطابيًا وسياسيًّا على زملاء الميدان وعسفوا بهم وهذا ما قد أسّس الوضع الأول وصنع الصورة التي ستنطلق منها التيارات العلمانية في تعاملها مع الإسلاميين والتي كُلِّلت بوضع أيديهم في يد الجيش للإطاحة بحكم الإسلاميين المنتخَب ديمقراطيًّا ولو عبر انقلابٍ عسكريّ.

كانت ماهيّة الخطاب السياسي للإسلاميين آنذاك -عدا تيار الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل- دينية بحتة وهو ما تجلى في سردية “وقالت الصنادبق للدين نعم” التي حقّقت رواجًا وأصبحت وصم يُوسِم به العلمانيون الإسلاميين كدليلٍ على فقر خطابهم السياسي، لكن لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل على الجانب الآخر، لم يعترف المجلس العسكري بجَميل الإسلاميين له في قدرتهم على تهدئة الأوضاع في عموم البلاد عبر شرائحهم الواسعة، ودعمهم السياسي الديني له، وما إلى ذلك من الخدمات التي قدّموها له لتيسير مهام سيطرته على البلاد شريطة تسليم الحكم لمدنيين، وقد كان الإخوان المسلمون بالأخص أكثر التيارات السياسيّة تنظيمًا وتهيؤًا وثقةً في الوصول إلى سُدة حكم البلاد.

عبر المجلس العسكري الفترة الحرجة بفضل الإسلاميين -تلك الفترة التي عاشها على إثر هزيمة خطابه أمام خطاب الثورة- وبدأ يتحرك بفلسفته الخاصة وهي القوة، والقوة وحدها واللغة التي يجيدُ استخدامها، فسحق حركة “حازمون” وفضّ اعتصامها في العباسية بالقوة، وحل مجلس الشعب الذي كان يسيطر عليه الإخوان والسلفيون للخلاص من الصداع السياسي الذي يُسبِبه له ووأد أية أفكار لسيطرة المدنيين على القوات المسلحة ومراقبة ميزانيتها والحد من نفوذها في المجال العام المدني، وإصدار الإعلان الدستوري المُكمِّل للحد من صلاحيات الرئيس القادم لمصر18، كما هيأ الوضع الإعلامي للمرحلة الجديدة وأسّس حالةً من الهجوم المُنظم عبر عشرات القنوات الفضائية وبرامج التوك شو من خلال عشرات المُقدِّمين ومئات الضيوف وآلاف من ساعات البث؛ للحديث عن الإسلاميين بحالتهم الكُلية وتسليط الضوء بشكلٍ مكثَّف في أشد صوره على أقوال وأفعال الإسلاميين بنُخبهم وعوامهم ولا تفرقة.

بالنظر للاستنباط بين فترة ما بعد فبراير 2011، وما بعد يوليو 2013، سنجد أن المجلس العسكري لم يُخفِ رغبته المنهجية الرئيسة في السيطرة على مقاليد حكم البلاد ولكنه كان يُسابق الوقت في تطوير أساليبه وآلياته للوُلوج للمجتمع كمُخلِّص مُنقِذ لا حاكم، وعكف على تحقيق أعلى استغلال من الظروف والسياقات والمواقف والأحداث التي توفرت له لتحقيق السيطرة وإخراج مشهد صحيح.

ولكن ثمة فوارق بين الفترتين، فسنجد أنه عقب ثورة 25 يناير 2011 كان في حالةٍ لا تُمكِنه من السيطرة على حكم البلاد بشكلٍ مطلق لأسبابٍ غنية عن الذكر أبرزها كونه طرفًا من أطراف دولة مبارك، ومن ثمّ فقد كان مُجبرًا على تسليمها لمدنيين ولكنهم سلّموها إياهم بطريقة “السُم في العسل” ليضمنوا استدعائهم مجددًا بعد فترةٍ ما، ولكن ما بعد 3 يوليو 2013، كان المجلس موفور القُوى، متعافى من الهزائم، متهيئ للحظة ومستعد لها، لسببٍ بسيط وهو أنه هو من أعد المشهد، صنع مقدمات ثابتة ليصل إلى نتائج مُحقَّقة.

الفارق الآخر هو أنه تعلم من درس يناير جيدًا، لن يُسلِم السلطة لمدنيين، كما أنه لن يحتاج لمن يبرر خلع أو ارتداء البزة العسكرية لمرشحه عندما يصل للرئاسة. الفارق الجديد وهو أن المشهد الأول -25 يناير- استغل رفقته بالإسلاميين وهو الأمر الذي صنع كل ما بعده من مواءماتٍ واتفاقاتٍ وتسوياتٍ كضمان الحفاظ على نفسه ومركزه في الدولة وعدم النيل من أفراده وعدم فتح السجلات القديمة لهم ولا النبش فيها كفضهم للاعتصامات والمظاهرات بصورةٍ دموية. لكن ما بعد 3 يوليو كان الأمر مغايرًا تمامًا فهو قد أتى للخلاص منهم جميعًا، وإثنائهم من المشهد كله سياسيًّا واقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وهذه ليس رغبةً منهم في فعل ذلك بل التفويض وطلب القطاعات من الشعب ذلك الأمر.

هذه هي القطاعات ذاتها التي دُجِّنت وامُتَص غضبها بفعل الإسلاميين الحركيين بعد الخامس والعشرين من يناير، نجح الجيش في تجنيدها لضرب الإسلاميين لا رفضهم خطابيًّا فقط أو تحييدهم، لتدور دورةٌ زمنيةٌ وجيزة ويطحن السيسي ونظامه عبر سياساته وآلياته هذه الطبقات ويقمعها قمعًا شاملًا، وأحّل النظام جيشًا جديدًا من الإسلاميين والدُعاة الذين يجيدون اللعب على المزاجات الدينية لهذه الطبقات وحفظ استقرارها وضبط إيقاعها لعدم الخروج عليه.    

التحليل: مقاربة تاريخية:

يحمل النظام الحاكم في مصر بقيادة السيسي رؤىً قديمة جديدة في مشروعه السياسي الديني، والتي يُفعِّلها لرفع سقف سيطرته على الأمور في البلاد، هذه الرؤى تعيد للأذهان مشروع محمد علي للحكم، والذي حكم مِصر في الفترة ما بين 1805 إلى 1840، أي أن المقاربة التاريخية عنصر فاعل في تحقيق المشابهة كما أن المقدماتٍ المُوحّدة في المشروعين ستعطي لنا نفس النتائج، وهذا ما يؤكد أن الفكرة الشمولية السُلطوية بنظمها قاطبةً في مختلف البِقاع والبلاد مُوحّدة الهدف ومتوارثة متعاقبة لا تأتي بجديد ولا تستحدث أيديولوجيا، ولكنها ناجعة إلى أقصى مدى في تغيير أساليبها وتجديد طُرُقها وتحديث ميكانيزم توليد نفسها مرةً بعد أخرى وتأهيله وتطويره بما يواكب عصرها.

  • سنجد أن كلتا الشخصيتين كانت تؤمن أن الدين أو الصبغة الدينية هي الأيديولوجيا الحاكمة لعلاقة الدولة بالمجتمع سياسيًّا ودينيًّا، كما أنها هامة في تقديم الغطاء الشرعي لممارسات السُلطة الحاكمة، كما سنجدهما حريصان على الاستعانة بالرموز الدينية في تشكيل مشهد توليّهما للحكم والسيطرة؛ فعكوف محمد علي على الاستعانة برموز الأشراف ومشيخة الأزهر والمذاهب الأربعة والطريقتين الصُوفيتين الرئيستين آنذاك في تأطير مشهد الحكم عبر الضغط بهم على الخلافة العثمانية لتعيين محمد علي حاكم لمِصر وعدم تغييره في مرتين الأولى عند عزل خِسرو باشا دون فرمان من الباب العالي، والثانية عندما منعوا من تنفيذ فرمان لباب العالي مجددًا بنقل محمد علي لولاية سلانيك عام 1806، بل نجح محمد علي في وضعهم في خدمته عندما كان يستخدمهم كوسطاء لتحصيل أموال من الملتزمين والفلاحين لسداد رواتب الجُند19.  أمرٌ لم يغِب عن السيسي عندما أعد مشهد بيان الثالث من يوليو / تموز لعام 2013، بوضع الصورة الدينية بأقطابها وتشعُباتها في المشهد الذي صاغه.
  • يتفق الشخصان أيضًا في أمرٍ هام وهو يعرج بنا صوب خصائص التسويق السياسي ذاتها، حول ماهيّة المنتج السياسي والترويج والبيع والانتشار، محمد علي طبّق الأمر هنا عبر السياسات التي كان ينتهجها كشخص يؤهل نفسه للحاكمية والرئاسة، وقد ظهر هذا عبر ترويج نفسه للعلماء وللأعيان والطوائف الدينية على أنه الحاكم الذي سيسُد باب الفوضى، ويُوقِف تيار الظُلم، بل وصل إلى نقطة أنه مسلم زاهد في السلطة، وسخّر نفسه وجُنده لإيقاف العبث الذي كانت يحدِثه المماليك والأتراك والألبان في حق العوام المصريين من قتلٍ وخطفٍ واغتصابٍ وسرقة، بل كان يعاقب جنده إذا اعتدوا على المصريين ويُقطِّع رؤوسهم، وتودد إلى العلماء وكان يشاركهم في تأدية الفروض الدينية20.

أمرُ لم يغب عن السيسي ومجلسه؛ والذي كان طافقًا على اقتراف نفس الفِعال كمنتج سياسي استمر تأسيسه زهاء عامٍ واحد من فترة إعلان الانقلاب إلى ترشحه للرئاسة طوال هذه المدة وقبلها كان السيسي حريصًا عل الولوج للطبقات الشعبية بالأخص عبر سياسات التدين التي استثمرها في طرح نفسه كرجُلٍ لا يريد السُلطة ولكنه ما كان ليصل إلى فقرة خلع البزة العسكرية إلا بعد فترة التأسيس، فحرصهُ على تأسيس صورة “المُخلِّص أو المُنقِذ21“.

وهي صورة تحمل رمزية وهالة مرتفعة للغاية تعبر بمراحل صورة الرئيس أو الحاكم، وقد حُقَّق الارتباط بين رمزية الخلاص والتدين عبر الأوصاف التي لحقت بالسيسي بأنه رسولٌ من عند الله، وأنه مبتعَث من قِبل الله لتأدية الرسالة في حِفظ الوطن وإنقاذه من الحرب الأهلية المزمع آنذاك وقوعها، كما أكّد هذا حرصه على الإكثار من التلفظ بالقسّم والحلف أنه ما أتمّ أمره إلا لإنقاذ البلاد، توازى هذا مع الدور الذي حقّقته وزارة الأوقاف التي دُفِع لها مختار جمعة في بسط السيطرة على مساجد البلاد، وسحب البساط من أسفل أقدام تيارات الإسلام السياسي الحركي التي كان لها باع وتأثير وسيطرة على الزوايا والمساجد والجوامع أعلى من الأوقاف والأزهر نفسهما22.

وتقديم خطاب جديد يشمل الاستسلام للواقع وتبيينه للجماهير كما أن الدفة تحولت إلى التيار المدخلي23، الذي يمثّله أتباع محمد سعيد رسلان في الأعم، والذي نستطيع أن نُثبِته أن خطاب المداخلة -الذي كان يعتمد تفنيد حجج الإخوان والسلفيين الحركيين الشرعية في عزل مرسي- قد تعدى مُريدي المدخلية أنفسهم وباتت قضية “الحاكم المتغلِب” تنتشر في صفوف العوام والجماهير حتى دون علمهم من الأساس بماهيّة معنى الحاكم المتغلب أو وزنها في الفقه. لم يتوقف الأمر عند هذا بل نجح السيسي في استقطاب الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور والذين كانت لديهم القدرة على تعبئة أعداد مهولة من الجماهير الذين يدينون لهم بالولاء والتبعية، وهؤلاء لم يدخلوا مع السيسي ولا نظامه في أية مفاصلة بل دجَنوا خطابهم لخدمته24.

  • جمع أيضًا الشخصيتان، تدمير  رفقاء الطريق وإبعادهم عن الساحة والتفرُد بالسُلطة والحكم المطلَق، عكف محمد علي على التخلص من ضغط العلماء الذين شكّلوا حجر عثرة في تفردهِ بالسلطة فقام بنفي عمر مكرم عام 1809 إلى دمياط بعدما نجح في تفتيت قوة العلماء ووحدتهم بل ونجاحه في استصدار فتوى منهم بفساد شخص عمر مكرم، كما نسف محمد علي البُنى المالية والحواضن الشعبية للعلماء عندما صادر أراضي الوقف وأراضي الالتزام وفرض ضرائب على أراضي الرزق وعندما اشتعل الاحتجاج ضده في تحالفٍ بين الشعب والعلماء للهبّة ضد محمد علي الذي فنّد حججهم الدينية وضرب شرعيتهم عندما رد عليهم بأن إجراءاته الاقتصادية ما هي إلا تمويل لعملية الجهاد لتخليص الكعبة والنبي من أيدي “الخوارج” قاصدًا الحركة الوهابية التي كانت آخذةً في التنامى في الجزيرة العربية، بل استند إلى أن فتح مصر كان عَنوة ومن ثمّ فعليها جزية وله أن يفرض ما يشاء من ضرائب25

لا يختلف الأمر كثيرًا لدى السيسي الذي انتهج نفس الخُطى عندما أعاد ترسيخ دور الأزهر في التبعية وإحضاره في المشهد، وعمل على جذب الدعوة السلفية عبر ذراعها السياسي حزب النور والذي كان حضور ممثله جلال مُرة، هو ضربة موجهة لصف الإسلاميين الحركيين، وفصلهم عن الأُطر التعبوية لهم لإثبات أنهم ليسوا أصحاب قضية موحّدة. هي نفس الجهات وذات الشُخوص الذين سيشُن عليهم السيسي موجة من الانتقادات اللاذعة تهيئةً لإخراجهم من المجال العام26.

فالرئيس لم يتوقف عن التعريض بشيخ الأزهر أكثر من مرة في قضية تجديد الخطاب الديني، وقضية الطلاق، وتغيير التراث مشتملًا السُنّة النبوية، والسماح للأذرُع الإعلامية بالهجوم مرةً بعد أخرى على المؤسسة الأزهرية مما فجّر حالةً من المَناخ المشحون بالحديث عن النيّة المبيَّتة لدى مؤسسة الرئاسة لإقصاء شيخ الأزهر من منصبه27، لكي يتصل بوزير الدفاع السابق صدقي صبحي، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، هشام جنينة، اللذان تم عزلهما من منصبيهما، وهو أمرٌ لم يُسدّد فيه الرئيس حتى الآن ليس لسبب سوى أن العديد من مناطاتِ القُوى تقف خلف شيخ الأزهر كولاء جامعة الأزهر له، وتأييد الطُرُق الصُوفية له، ونفوذه بين رجالات الدولة28.

وعلى رأس كل هذا دعم الإمارات العربية له، والتي تقف خلف شيخ الأزهر وتحول دون أي إجراء للمساس به أو عزله وتجلى هذا الأمر في حذف مادة الأزهر من التعديلات الدستورية وهو ما يُفسر أيضًا حالة الهدوء التام تجاه الأزهر حاليًّا29.

ولكن هذا لا يغير من وضع المؤسسة في الوقت الآني والتي فقدت قدرًا كبيرًا من تأثيرها في الجمهور. أما الدعوة وحزبها فهما قد دخلا تحت مظلة “أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض”، إذ أن النظام عندما طوّق التيار الإسلامي بعمومه ووجّه إليه موجة القمع الشاملة، وهو ما نستطيع أن نُشبهه بما عبّر عنه كارل شميت بـــ “حالة الاستثناء”30، قد كسح هيمنة الخطاب الحركي بعموميته ولم يُفرِق بين ما يجب أن يُزاَل وما يجب أن يبقى لفترةٍ ثم يُزال هو الآخر، وبالتالي ذهبت الرياح بسُفن حزب النور ودعوتهم، وتأكد لدى عموم الشباب السلفي مدى خطأ دعوتهم وحزبهم فحدث الانفصال والشقاق، وأصبحت الدعوة والحزب شبه بلا ممثلين، ومن ثمّ أصبحت الدعوات تتعالى في ساحات القضاء وأروقة الإعلام من حينٍ لآخر للقضاء على حزب النور مهما بذل مُمثِّلوه من رضوخ لسياسات النظام الحاكم والموافقة عليها والتبرير لها عبر مدخلات المذهب السلفي.

نحو تحليلٍ أكثر حداثية

كتب ضابط عسكري فرنسي في الجزائر في تقريرٍ عن انتفاضةٍ أخمدتها قواته بين عامي 1845-1846 قائلًا:

“إن هناك طريقتين لتأسيس سُلطةٍ سياسيّةٍ على سكانٍ ما: طريقة القمع وطريقة التربية. والأخيرة بعيدة المدى وتعمل على العقل، أما الأولى فتعمل على الجسم ولا بُد أن تأتي أولًا”.

“الشيء الجوهري بالفعل هو أن نجمع في مجموعات هذا الشعب الموجود في كل مكان وليس في أي مكان، الشيء الجوهري هو أن نجعل منهم شيئًا يمكن أن نُحكِم قبضتنا عليهم وحين نملكهم في أيدينا، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الأشياء المستحيلة تمامًا بالنسبة لنا اليوم والتي ربما سمحت لنا بأن نأسِر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم”31.  

وهذا هو الأساس الذي امتثل له نظام الثالث من يوليو 2013، عندما أسّس لموجة عنفٍ شاملة تطلبت التمثيل بأشلاء الجميع تقريبًا32، وجعلها أساس لما بعد ذلك، وقد كان السيسي يعي هذا الأمر جيدًا الذي دفعه مرارًا وعلى فترات متباعدة التذكير ذلك بأحداث رابِعة والنهضة وما تلاها وما كان قبلها؛ للحيلولة دون تكرار أحداث 25 يناير مجددًا وكانت لغة التهديد هي السائدة33. وهو ما كان يعني تشييد ذاكرة العُنف34 والخوف في عقول الجماهير التي ستتجنب أي صدام مع أجهزة النظام الأمنية التي خلّدت أحداثًا دامية في الذاكرة السياسيّة والإنسانية لهؤلاء لم تُظهِر فيها أي رحمة مع خصومها. وهذا ما كان مقدمةً لأسر العقول وتطويعها لخطابٍ إخضاعيّ ستجد السُلطة له أصداء واسعة من القبول به نظرًا لميل النفس الإنسانية في حالات هزيمتها وضعفها إلى إيجاد مبررات لاستكانتها وانعزاليتها. وهذا ما يتحقق عبر الخطاب الديني السُلطوي الذي سيزلف إلى الطبقات الشعبية ومناهجها الحاكمة وطرقها في التعبير عن الدين برؤاها.

ونحو تأسيسٍ أكثر لورقتنا، سنجد أن دولة مثل مِصر حسب تصانيف العلوم السياسية المعاصرة تُعَد من فئة الأنظمة السُلطوية “النيو أبوية وراثية”35؛ أي غير الأبوية الوراثية وهي التي يستغل فيها الحكام الدولة في ظل حكم ديكتاتوريّ لكنها ليست مُلكًا لهم وليس ثوريثها لأفراد عائلتهم بمضمون وإن جرى له التخطيط مسبقًا، وهذه الدول هي التي يتميز جهازها بأسبقية تركييه وتقاليده واستمرارية تاريخه على حكم هذه النُظم وهؤلاء الحكام أنفسهم، أي أن الدولة أولًا ثم الحاكم وهذا على سبيل المثال تمثّل بارزًا في إطاحة القوات المسلحة لمبارك، وانقلابهم على مرسي.

وفي ظل هذه النوعية من الدول، يصبح مبدأ أرشميدس هو الأصل الحاكم إذ تصبح النظم المتعاقبة في ظلها كقمة جبل الجليد التي إذا تهاوت أو انهارت تطفو فوق سطح الماء قمة أخرى لا تختلف نوعيًّا عن سابقتها36. وتصبح عُرى هذه الدولة قائمةً على الاستبداد والسُلطوية والفساد الذي ينخر أجهزتها ولكن أهم ما يميزها أن الحاكم مُضطَر للمساومة مع أجهزتها لتحقيق السيطرة وقد ظهر هذا في بدايات حكم السادات عام 1971، كما أن هذا هو ما دفع السيسي لانتهاج نفس المنحى عندما كان يُحقِّق نوعًا من المعادلة في الاستئثار بالحكم عندما أعطى للجيش الضوء الأخضر بالانتشار السريع والمُنظَّم في المجال العام المصري بجميع حالاته السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية وتصفية مراكز النفوذ المحتمَلة لمعارضته كما أشرنا سلفًا، عبر الإطاحة بهشام جنينة من الجهاز المركزي للمحاسبات، ثم الإطاحة بصديقه صدقي صبحي من وزارة الدفاع وصهره محمود حجازي من رئاسة الأركان، وإشعال الحرائق مع شيخ الأزهر تمهيدًا لعزله.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سعى لتصفية وإعادة إحلال وتجديد معظم القوى الرئيسة في الدولة وامتد الأمر إلى تصفية المجلس العسكري نفسه الذي ساعده ودعَمه في حركة 3 يوليو / تموز 372013، وكان آخر الضحايا اللواء محمد أمين نصر مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية والذي قد تمت الإطاحة به من منصبه وأصبح مستشار السيسي للشؤون المالية38.

وأطلق يده في جهاز المخابرات العامة لإعادة هيكتله وتأهيله عقب موجات التطهير الواسعة التي أطاحت بقرابة 200 من الضباط والقيادات الرفيعة بالجهاز عبر قرابة 18 قرار جمهوري وانتهى الأمر بتسليمه الجهاز لرجله الثاني في الدولة عباس كامل39، كما وضع يده بصورةٍ شبه تامة على القضاء وتجلى هذا في تأسيس دوائر الإرهاب التي تخيّر لها نخبة من القضاة المُتعسكِرين، بالإضافة إلى سيطرته على مراكز التشريع القضائي وتعديله للقوانين المنظِّمة لها40.   

وعلى طُرق كل هذا مراكز الدعوة الدينية ممثَّلةً في مؤسسات الأوقاف والإفتاء والأزهر كجهاتٍ رسمية، والمتصوفة والسلفيون المداخلة والسلفيون الدعويون والقنوات الفضائية الدينية كجهاتٍ غير رسمية.

كان يدور في الفلك ذاته الخاص بمركزية الدولة وأسبقيتها معرفة السيسي لهذا الأمر وتأكيده عليه، عندما طلب من الفرع الإعلامي لدولته خلال إحدى المؤتمرات الشبابية بتدشين رسالة تعظيم فوبيا سقوط الدولة المصرية لدى عموم الجماهير في مصر41.

تلقف السيسي دعوة تعظيم الفوبيا تلك، وعمل عليها وفق رؤيته، وهي رؤية مُستلهَمة بقدرٍ كبير من النموذج الناصري الذي شيّده جمال عبد الناصر وجمع فيه بين الشخصية الكايزماتية والبيروقراطية الدولتية42 وعبر من خلالها عبد الناصر لحُكمٍ استمر 17 عامًا، حاول نُظرائه في بُلدان الإقليم والمحيط العربي على تأسيسه، وهو ما يريده السيسي بدقةٍ ولكن لاختلاف السياقات الزمنية بالإضافة إلى الاختلافات الفنيّة بين النموذجين بالكُلية حال دون تحقيق السيسي لذلك الوضع على المصريين. وهو أمرٌ يظهر بالضرورة في موجات التهكُم والتنكيت التي تتلو تصريحاته في كافة أماكن حضوره سواء على المستوى المحلي أو الدولي والتي عملت على تدمير واغتيال رمزيته كرئيسٍ للبلاد.

ومن ثمّ ولج السيسي لمنهجٍ آخر من السُلطوية، بدأ منذ لحظة تصدره للمشهد في نهايات سنة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي. هذا المنهج أشارت كارين آرمسترونغ لمسبباته في كتابها “حقول الدم: الدين وتاريخ العنف”، إذ تذكر أن إخراج الدين من الدولة ممكن ولكن إخراجه من الأُمة غير قائم، إذ استهدف العسكريون “علمنة” دُولهم ولكنهم وجدوا شعوبهم أُممًا متدينة ترى في الإسلام العلماني تناقُض لهُويتهم وتنكيسًا لها؛ ومن ثمّ أعلن هؤلاء الحكام الحرب على المؤسسات الدينية أو بالأحرى ما تبقى منها أو ركنوا لفعلٍ آخر وهو دمج المؤسسات الدينية في صُلب الدولة لتصبح الصوت الشرعي لأفعال النظام وهو أمرٌ لا غنى عنه43.

وقد وُضِع علماء الدين المحسوبون على المؤسسات الرسمية بين حجري رحى، فقدوا سُلطتهم وهيبتهم المعنوية بين عموم الجماهير عندما رأتهم الجماهير كأُناسٍ غير مسؤولين امتثلوا صف الدولة ضدهم من جهة، كما أنهم باتوا لا يُؤبَه لهم من قِبل الدولة التي جندتهم لصالحها وحالت دون قيامهم بمهامهم الأصيلة المَنوط بهم تنفيذها44. لكن عدم توقف السيسي عند هذه المرحلة هو الأمر الجديد المُستحدَث؛ وهو التوجه نحو قيادة دفة الخطاب الديني بنفسه والتعريض به في خُطبهِ واستعمال منظومته المفاهيمية التي يسعي لنقض عُراها وتأسيس أُخرى جديدة على أنقاضها. ما يمكن تشبيهه بمحاولته لملء الفضاء العام غير الطبيعي الذي وُجِد على إثر سحق السيسي للمجال العام الذي كان يملؤه الإسلاميون لاسيما في المنحى الاجتماعي والديني. لكن السيسي لم يعلن حربه على الإسلاميين فقط بل شنها بلا هوادة على قلعة الخطاب الديني الرسمي؛ الأزهر، الذي عبر عن تملمُله منه مرارًا وتكرارًا في الاحتفالات الدينية متهمًا إياه بشكلٍ ضمنيّ وغير مباشر أن خطابه التراثي العتيق هو مفرخة للإرهابيين وحَملة رؤى الإسلام الحركي المفاصلون لأنظمة الحكم في المنطقة بأسرِها، حتى طالبه بصورةٍ مباشرة القيام بثورةٍ دينيّة على هذه الرؤى والمعتقدات والأفكار التراثية45

في حالتنا تلك نجد أن إحدى أهم مميزات التدين الشعبي للنظام الحاكم أن المعتقدات والممارسات والطقوس المُشكِّلة لمحتواه على مستوى بنيته الذهنية وأُطُره التنظيمية تعود بالخير على ذلك النظام الذي يستخدم هذا النمط من التديُن لصالحه؛ لتشكيله مهربًا من الواقع لا يندفع إلى الخروج عليه أو مواجهته، ومن ثمّ فأنظمة الحكم تسعى إلى استمراريته بل إعادة إنتاجه وتكريسه46.

ومن ثمَّ نجد أن السيسي ونظامه حاول مزج مفهوميّ التسويق السياسي والتدين الشعبي في قالبٍ واحد، فقد كان المُنتج السياسي الرئيس والبضاعة السياسيّة الرائجة له هو الإرهاب47 على الصعيديّن المحلي والدولي، وكافة المفاهيم المرتبطة به كالرغبة في الحفاظ على المصريين، وحمايتهم من الوقوع في أخطارٍ مشابهة للأخطار التي حاقت ببُلدان الإقليم والمنطقة، وتحقيق أولوية الاستقرار السياسي والأمني، وتعد سياسات “شد الحزام” والتقشُف والصبر التي طالب بها النظام والمنطلقة من سياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي هي عارض جزئي على قضية الإرهاب الكُليّة. وسُعِّر السيسي وتم تعليبه في صورة “الرئيس الاستثنائيّ”، عبر سياسيةٍ تسويقيّة كان يقم بها الإعلام وأجهزة الدولة قاطبةً والتي كان عليها أن تشيّد صورته بسيلٍ من الأغاني والمقاطع الوسائطية والبوسترات واللافتات والمُلصقات وأساليب الدعاية غير الطبيعية التي صوّرته كبطلٍ مغوار أنقذ مصر في لحظةٍ على المحك من تاريخها. وانتشرت صوره بالبزة العسكرية وبجواره “أسد” تعبيرًا عن التشبيه الضمني للقوة والسيطرة.

عقب التسعير تأتي سياسة الترويج، والتي كان لا يحتاج إليها السيسي بصورةٍ ضخمة أو بالأحرى كان لا يحتاج إلى خصائصها نظرًا للصورة الذهنية الخاصة به في عقول الجمهور، الناتجة عن سياسة التسعير له، فهو مُكلَّف لم يأت للمنصب ولم يطلبه، ولكن الشعب هو من طلبه48، سياسة ستستمر من لحظة ترشحه إلى الوقت الحالي، مع الاختلاف في بعض المحددات والأُطُر الحاكمة لها، فاليوم يلجأ السيسي لسياسةٍ بخلاف ما كانت حملته الانتخابية تُروّج له قُبيل 2014. منذ منتصف فترة رئاسته الأولى وامتدادًا للفترة الحالية، فقد أصبح الدين أحد أهم محاور حديثه في اللقاءات الدينيّة وغير الدينيّة، وسيُعبر عن محتوى جديد سيقوده كما وضّحنا ليخاطب به القطاعات الممتدة أُفقيًّا التي لا تحمل رؤى المؤسسات الرسميّة أو الحركات الدينيّة المعارضة، وسيجيدُ هذا الأسلوب مع هذه الفئات والفئات مع الناس، حيث أشارت إحدى الدراسات الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات أن السيسي أثناء ترشحه للرئاسة عام 2014، شرع في تجزئة السوق الانتخابي والتركيز على فئاتٍ نوعية تمثل الصفوة أو النخبة  في مجالات وحقول مختلفة مثل: الإعلاميين والأساتذة الجامعيين وعلماء الدين، وكذلك الشخصيات العامة، والشباب. وهي استراتيجية تراهن على التأثير الهرمي الذي يعتمد على جهود وطاقة -دعاية- مجموعة قيادية تقود الآخرين لتحقيق الأهداف، والترويج لبرنامج المرشح. وربما هذا ما يفسر حرص السيسي على تسويق نفسه لقادة الرأي لاسيما الإعلاميين، ومؤسسات استطلاع الرأي؛ لأنه يدرك تأثيرهم في السوق الانتخابي49. استخدام نفس السياسة مع قطاعاتٍ أخرى كان هدفه، وسيعود ليناقض كلماته التي صرّح بها في 30 من يونيو / حزيران عام 2017 عندما قال: “شعب مصر لا يقبل ولن يقبل سطوة أية جماعة أو فئة، حتى لو تسترت برداء الدين”50.

الأشباح المبهَمة من بقايا ومخلفات الخطاب الديني غير المنضبِط في عقول هذه القطاعات سيغزوها السيسي وسيُعزِّز من وجودها، وهذا ما وجدناه في مثالين شاهدين لسياستيّن تسويقيّتين، وهما “سياسة ومتلازمة القسم51”  لديه وهي سياسة ستعُد عبر الجمهور العام المُهمَّش غير المتخصص ستعتبر دليل على عفوية الرئيس، وإيمانه الواسع بخالقه في تسيير الأمور ، وسياسة “القفز فوق الوقت”، والتي ستُعَد هي الأُخرى ثقةً شديدةً في التوكل بعد الأخذ بالأسباب، والقوة في اتخاذ القرارات، وما إلى ذلك من السرديات التي بناها وشيّدها الإعلام في عقول الجمهور.

فبادئ ذي بدء نجد لسياسة القَسم حضورًا طاغيًّا على كل الأصعدة تقريبًا فعلى سبيل المثال:

  • في أمور الدبلوماسية والسياسة الخارجية، عندما ظهر مع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وطالبه بقول والله 3 مرات بعدم نيّته إيذاء المصريين فيما يخص حصة مِصر من مياه النيل52.
  • وفي تهديدٍ حاد للمعارضة، وإنذار لها في رسالةٍ مرئيةٍ غاضبة، أقسم بالله قائلًا: “قسمًا بالله اللي هيقرب لمصر هشيله من على وش الأرض”53.
  • وأقسم السيسى مجددًا لإبانة عدم اعتماد المشروعات التي يُدشِنها في أنحاء مصر على الموازنة العامة، عندما قال: “أقسم بالله العظيم ولا جنيه أخذته الحكومة من المشروعات المقامة حاليًا”54.
  • o    ورغبةً في تبرئة ساحته وعدم تنفيذه لأمر الانقلاب أقسم عدة مرات، ابتدأت عبر: “مش عايز أحلف بس أقسم بالله تاني”55، وانتهت: “أنا بفكر نفسي وبفكركم إن لازم يكون عندنا ثبات على أهدافنا، هل كان فيه تآمر من الجيش على النظام السابق علشان يسقطه، بقسم بالله لم يكن هناك أي تأمر لإسقاط النظام السابق في الوقت ده”56.
  • وأقسم مجددًا عندما كان في مدينة دمياط مهدّدًا الذين وضعوا أيديهم على أراضي الدولة قائلًا: “طول ما أنا عايش على وش الدنيا، قسماً بالله ما هسيب حد ياخد حاجة، واللى عايز يتحدانى يبقى ياخد حق من حقوق ربنا في الأرض”57.

هذه المتلازمة عبّر عن جدواها وفائدتها بكل وضوح عندما صرّح في واحدةٍ من الندوات التثقيفيّة للقوات المسلحة بأنهم -الجموع الحاضرة والغائبة على حدٍّ سواء- لا يُصدقوه القول إلا عندما يضطر للقسم لهم، وأن معضلته الكبرى هي صدقه وشرفه وأمانته المتناهية58.   

ومثَّل السيسي لسياسةٍ تسويقيّة أُخرى لديها قدرًا كبيرًا من النجاعة عند الجمهور المصري على مر العصور، وهي القفز فوق الوقت والرغبة في الإنجاز والإتمام في مددٍ وجيزة أقل بمراحل من المُدد الرسمية المُخصَّصة لإتمامها والانتهاء منها، ظهر هذا الأمر عندما طالب بإتمام بناء العاصمة الإدارية الجديدة في مدة 5 سنوات أو أقل بدلًا من سبع سنوات إلى عشر سنوات59. وأيضًا عندما كانت الحملة المُخصَّصة لمكافحة والقضاء على فيرس سي والمُقدَرة لمدة سنتين من قِبل وزارة الصحة طالب بإنهائها في مدة سنة واحدة وبمعاونة القوات المُسلّحة60. أمرٌ لم يغِب عنه عندما طالب الفريق وزير الدفاع محمد زكي بالانتهاء من مقاتلي التنظيمات المُسلّحة في سيناء في مدة 3 أشهر فقط61.   وعلى هذا المنوال وبرسم خط أفقي كانت تتكرر مطالب السيسي لأجهز نظامه بالقفز فوق الوقت، دون إعارة الانتباه لعوامل الجودة والكفاءة والإتقان.  

وكان هذا بُناءً على ما صرّح به من أن قضية الالتزام بالمواقيت القائمة على دراسات الجدوى، وجعل هذه الدراسات المعيار الحاكم للقيام بالمشروعات وحل المسائل، كان سيُحقِّق ما يُقدر بـ 20-25 % مما تم تحقيقه فعليًّا62، مما أثار جدلًا حول تسفيه نظام السيسي للمسار العلمي التخطيطي رُغم نفي السيسي نفسه لذلك عقب إطلاق التصريح بثوانٍ، وأسَّس لمفاهيم “البركة” والركض دون النظر أسفل القدمين.       

خاتمة:

تصبح حالة التسويق السياسي عبر مدخلات التدين الشعبي متغلغلةً في فكر السلطة التي تعكف على إزلافه إلى سوق العوام في مصر، إذ أن النظام الحاكم والذي يتسم بالأوليغارشية والشمولية والديكتاتورية المطلقة التي لا حدود لها يريد أن يضمن التحكم بصورةٍ كليّة في هذا الفاعل وتطويعه مهما كانت عدم درجة إيمانهِ به، وعدم تشكيله جزء في مشروعه الأُم لتشكيل عالم جديد بالكُلية.

عالم تحدث فيه حالة من اختزال الدين وتضخيم ذاتيته كتديُن، إذ يُختزَل الدين في ذاتهِ ويُجرَّد من مميزاته، وهو ما يؤول إلى صياغة دينٍ إنسانيّ عام كبقية الأديان الوضعية أو حتى السماوية التي وقع عليها التحريف، والتديُن سيصبح في حالةٍ أكبر ضخامة كنتيجةٍ طبيعية وتناسُبٍ عكسيّ لاختزال الدين. بل تشتد صورة الأمر حتى تصل إلى تقزيم روح التدين؛ إذ أن التديُن نفسه يصبح أمرًا ثانويًّا وأي قضية مُثاَرة مهما كانت أهميتها في صُلب الدين فإنه يتم التغاضي عنها والتخلص منها63.

تبعات وتداعيات هذا الأمر تكون مع الوقت كبقعة الزيت، التي تتسع بحجمٍ أكبر وتنساح لتنتشر رُغم بدايتها الضئيلة والتي كانت تحت السيطرة والتحجيم قِبلًا، تداعيات تتفاوت في مديات تأثيرها، وفي فاعليّها ومُوجِديّها.

  • فعلى سبيل المثال نجد أن مقدار التفلُت من السيطرة الدينية والخطاب المتكرر الذي يحمل الفحوى السياسية السُلطوية سيزداد بصورةٍ اطرادية، ويصبح التملمُل سمتًا عامًا لاسيما بين الفئات الأصغر سنًا وتتبنى هذه الفئات خطابات مغايرة وتغييريّة في آنٍ واحد والتي قد ضربتها الدولة من قبل في البدايات وجففت منابعها، ولكن الصورة ستتجه للاختلاف في ظل مرض الشيخوخة الذي لا بُد أن يضرب أجهزة النُظُم السُلطوية التي لا تحتفظ بنضارتها وسيولة دمائها كثيرًا، وسيبيت التطرف الديني -المنتوج المباشر لقمع التيارات الإسلامية- في كثيرٍ من الأحيان في علاقةٍ تكافلية مع علمانية النظام كما أشرنا سلفًا، وسيحكم الاطراد هذه العلاقة فكلما زاد قمع وعلمانية الدولة على حدٍّ سواء زادت الرؤى المتطرفة في الازدهار والنمو64، وتنظيم الدولة الإسلامية أبرز دليل على هذا الأمر.      
  • الدولة تحقق حتى الآن نجاحًا باهرًا في ضبط الإيقاع العام لأن التسويق السياسي عبر التديُن محكوم بأمرٍ هام لا سيما في دولة مثل مِصر، إذ أنه يتصف بعدم المعيارية والميوعة، لا سقف له، يتوازى هذامع أمر أشد تخصيصًا وهو انتشاره الأفقي في قطاعاتٍ واسعة من الجماهير التي عبر تأثيرٍ متواصِل من الإعلام عامةً والإعلام الديني خاصةً ستقتنع أن السيسي كان مبعوث الله لإنقاذ الوطن من الكوارث التي كانت ستحيق به، وقد كان السيسي يُشيد هذه الرسالة بنفسه عندما عبّر عن نفسه بأنه الفيلسوف، والطبيب صاحب التشخيص الممتاز  للمرض، وأنه الذي يُشاَر إليه بالبنان من قِبل القادة وأصحاب الرأي في العالم الذين يُوجِهون للسماع لآرائه وأقواله، بل أنه قد أوجده الله لإنقاذ مصر من مدارك الانحدار التي كادت أن تهوي إليها على يد حكم جماعة الإخوان المسلمين65.
  • سيُنتَج على إثر الوضع السالف حالة من الاستقطاب على المدى الطويل والذي تشكلت نواته بصورةٍ واضحة منذ منتصف عام 2013 وستستمر في النمو والازدياد، هذا الاستقطاب تشكّل على إثر حاجة النظام لحاضنةٍ شعبيةٍ، تُحقق له الوجود أولًا، وتتبنى خطابه ثانيًا، وتُفعِّله وتقُم بتنفيذه ثالثًا، أمرٌ بلا شك كان يحتاج لمُقومات كالدين، الذي يُحقق قابليّة في عقول العوام، وهذا على سبيل المثال ما دفع كما يُقاَل عنهم “المواطنون الشرفاء” بالمساهمة في فض اعتصامات ومظاهرات معارضي السيسي ما قد يكون بدرجةٍ أكبر من الشرطة نفسها.   
  • يصبح نتاج الاستقطاب بالضرورة عُنف66 وليس أي عُنف ولكن عُنف مزدوج، الدولة طرفه الأولى والتي ستمارس بالضرورة سُلطتها لعدم صعود أي خطاب ديني آخر غير خطابها، والمجتمع طرفه الثاني، الذي سيُمارِس عنف بنيويّ مؤسسيّ على إثر عنف الدولة والذي كانت تُطوره بصورةٍ تلقائيّة ليصل لمرحلة العنف البُنيوي تلك، يدخل هذا العنف في مساحاتٍ جديدة لاسيما في العلاقات الاجتماعية ودوائر العمل ومجالات الاقتصاد، ويصبح أساس ومدخل لحل الصراعات المجتمعية أو إثارتها67، وتتحقق القابلية للعنف وتبني خطابه واستجدائه دون الحاجة لولوج دوائر أخرى للحل.    
  • سار السيسي ونظامه في معركةٍ طويلة النفس والمدى انتقلت من مرحلة عض الأصابع إلى مرحلة تكسير العِظام فعليًّا مع خُصومه السياسيين -في ما يُشبه ما صرّحت به الفيلسوفة حنا آرندت في كتابها “في العنف” قائلةً: “إن الشكل الأكثر تطرفًا للسُلطة هو الذي يعبر عنه شعار الجميع ضد الواحد، أما الشكل الأكثر تطرُفًا للعنف هو الذي يعبر عنه شعار الواحد ضد الجميع”68-،الذين باتوا يؤرقون فترة حكمه رُغم سيطرته الشاملة عليهم، ويسحبون من أسفل قدميه الراحة السياسيّة التي يريدها عبر رفضهم -على حد ما صرّحت به “ميدل إيست آي” من مصادرها69– كافة طُرق المصالحة مع النظام، وعدم موافقتهم على الأطروحات التي وضعتها جهات الدولة العُليا لخروجهم في مقابل تسوياتٍ وعلى رأسها حل جماعة الإخوان المسلمين ذاتيًّا والتوجه نحو العمل الدعوي والمجتمعي والانفصال عن العمل السياسي. وهذا يصل بنا إلى أن تحطيم بُنى المجتمع المدني -والتي كان يحتكر القيام بها الجماعات الإسلامية بأطيافها، الذين كانوا يقومون بالعديد من المهام ويصلون إلى طبقاتٍ واسعة من المجتمع لا تصل إليها يد الدولة70– بات شوكة في جسد النظام الذي يستنفذ طاقاتٍ جبارة في تطويع هذه الطبقات والسيطرة عليها وضمان ولائها والنجاح في تحييدها وربطهم به كنظام، وهذا ما يتطلب بالضرورة إلى أعوانٍ ورفقة غير أجهزته وأذرعه.

توصيات

سيجدُر هنا الإشارة إلى كيفية معادلة دور السُلطة في استعمال التدين الشعبي، وهذا ما نعده محاولةً استدراكية للحول دون الوصول إلى منظومة النتائج التي أشرنا إليها بالأعلى أو حتى الوصول إلى مدىٍ أبعد أكثر حديةً وعنفًا مما قد يعتقده البعض.

نستطيع أن نُورِد التوصيات على منحيّين، منحىًّ عام، ومنحىًّ خاص.

المنحى العام:

وهو الرؤية السياسيّة والبرنامج السياسي للفاعلين المغايرين للنظام المِصري، فبناءً على ما قدمته المعارضة المصرية وعلى رأسها الإسلاميون من أنموذج فريد في الضعف والفشل وغياب الوعي وضحالة التخطيط والتشتُت والانقسامات وفساد المقاصد فضلًا عن تنافي قدراتها على التعبئة والحشد والأُطر التمثيليّة لها.

خصائص ستُشكِل غياب للمشروع السياسي الصحيح الممتد شعبيًّا وجماهيريًّا لدى التيارات المعارضة وعلى رأسها التيارات الإسلاميّة، ومن ثمّ فسيتطلب هذا وجود فاعلين أساسيّين قادرين على بناء خطابٍ مُغايِر يُقوِّض قضية ارتباط الدولة بالنظام والتي أشرنا إليها في أمر “تشكيل رسالة الفوبيا من سقوط الدولة المصريّة”، وتدمير قضية أن انهيار النظام مرادف لتدمير الدولة، وهي القضية التي يُغذيها الرافد الأساسي العناصر الدينية المحسوبة على النظام والممتدة في أوساط الطبقات الشعبية وقاعدة الهرم الاجتماعي المصري. خطابًا لا بُد أن يحمل في بذوره القدرة على الهيمنة والقدرة على التفكيك وإعادة البناء والإحلال والتجديد بخطواتٍ سابقة لخطوات النظام71.

المنحى الخاص:

الإسلاميون، وهم عليهم العبء الأكبر في تصحيح التخبُط والصورة المزاجية الفاسدة التي تكونت عنهم في ظل أفعالهم ذاتها والأفعال التي لُفِّقت لهم على حدٍّ سواء. انهيارٌ كبير تجلى في العديد من العناوين التي شكّلت مأساة تيار الإسلام السياسي، كظاهرة سقوط الرموز الدينية72، وانهيار عصر الشيوخ، والخلاص الفردي، وتنامي الشك والإلحاد، وتبدُد اليقين العقدي. نتائج ورثها أبناء الفكرة الإسلامية باختلاف مشاربهم على إثر الهزيمة النكراء التي تعرض لها جماعاتهم وأحزابهم. سيتطلب هذا رجوع التيارات الإسلامية إلى أساساتها الأولى لتبني خطابًا جديدًا بالكلية لا يستند لخطابات الماضي التي تآكلت هيمنتها تمامًا، خطابًا يتعدى مفرداتهم المتوارثة، ويصوغوه ليتخط مقاصدهم وأهدافهم السياسيّة ولا سيما الحُكم، يرفعوا فيه من سقف الجوانب التوعويّة والإدراكيّة والتثويريّة لتبديد خطاب التديُن الشعبي وما يقوم عليه من تصورات فاسدة، وأساس هذا لأمرٍ هام ألا وهو أنه قد رُسخّت صورة ذهنية لدى الجماهير أن الإسلاميين لا يطلبونهم إلا بغرض الحصول على أصواتهم في صناديق الانتخابات أو لشيءٍ ما. ومن ثمّ فسيكون على الإسلاميّين دونًا عن غيرهم من أطياف العمل السياسي بناء موقف تأسيسيّ لتلك القضية. والعودة إلى تأسيس خطاب التديُن المجتمعي الصحيح، وسيصبح المنطلَق هو محاضن هذه التيارات التي لا بُد أن يبتدئ التأسيس بها ولملمة أبنائها حول الفكرة73. مع التأكيد في نهاية الأمر على شيءٍ هام وهو ألا تنزلق التيارات الإسلامية إلى المنحدر الذي تعيشه حركات النهضة التونسية، والعدالة والتنمية المغربية من تزلفٍ للسُلطة وتسوياتٍ أعادت إنتاج أوضاع ما قبل 17 ديسمبر في تونس، و20 فبراير في المغرب على الترتيب.          

المصادر:

  1. الأوقاف المصرية تشبه قرارات السيسي بمعجزة الإسراء والمعراج: “انفراج بعد شدة”، 2 أبريل 2019، الرابط
  2. (2) د. عبد الله شلبي، التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر: بحث في آليات المصالحة والقبول والرضا والتحايل، العدد الأول من المجلد الثامن من مجلة كلية التربية – القسم الأدبي، جامعة عين شمس، 2002.
  3. المصدر السابق.
  4. (4)  المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.
  6. المصدر السابق.
  7. المصدر السابق.
  8. مفهوم التسويق السياسي، الموسوعة السياسية، الرابط
  9. المصدر السابق.
  10. التسويق السياسي النظرية والممارسة بين عالمين، وحدة الأبحاث الاجتماعية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 15 يناير / كانون الثاني 2018.
  11. المصدر السابق.
  12. (12) محمد مصطفى – بلال علاء، زمن الوحوش الضارية: بحث في صراع الخطابات في مصر في سنوات الضباب والثورة والدم، منتدى العلاقات العربية والدولية، الطبعة الأولى 2016.
  13. بيير بورديو، الرمز والسلطة، النسخة العربية، دار توبقال للنشر، الطبعة الثالثة 2007.
  14. أستاذ بالأزهر يشبه السيسي وإبراهيم بموسى وهارون، الجزيرة نت، 8 أغسطس 2014، الرابط
  15. فيديو مسرب لعمرو خالد وعلي جمعة وسالم عبد الجليل بفتوى قتل المتظاهرين، 23 أغسطس 2013، الرابط
  16. محمد مصطفى – بلال علاء، زمن الوحوش الضارية: بحث في صراع الخطابات في مصر في سنوات الضباب والثورة والدم، منتدى العلاقات العربية والدولية، الطبعة الأولى 2016.
  17. المصدر السابق.
  18. المصدر السابق.
  19. نجلاء مكاوي، التوظيف السياسي للدين والقانون في مشروع محمد علي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2018.
  20. المصدر السابق.
  21. (21) الانتخابات المصرية: استراتيجيات التسويق السياسي، مركز الجزيرة للدراسات، 21 مايو 2014.
  22. محمد مختار جمعة: “سيطرنا على المساجد الكبرى والمؤثرة في كل المحافظات”، جريدة الشروق، 13 أبريل 2016، الرابط
  23. التيار المدخلي: مآلات التوظيف وقراءة في توصيات مراكز الأبحاث الغربية، تبيان، 17 مارس 2018، الرابط
  24. (24)  انفراد.. الأسباب الحقيقية وراء تأييد «السلفيين» للسيسى، موقع مبتدا، 10 مايو 2014، الرابط
  25. نجلاء مكاوي، التوظيف السياسي للدين والقانون في مشروع محمد علي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2018.
  26. أفول الأحزاب الإسلامية في مصر هل بات وشيكًا، وكالة الأنباء للأناضول، 27 فبراير 2018، الرابط
  27. محطات في الصراع بين السيسي وشيخ الأزهر، جريدة العربي الجديد، 14 ديسمبر 2018.
  28. شيخ الأزهر ضد السيسي.. مسرحية إعلامية أم مواجهة خطرة؟، منصّة ميدان، 27 نوفمبر 2018، الرابط
  29. كيف نجا شيخ الأزهر من التعديلات الدستورية، مدى مصر، 25 فبراير 2019، الرابط
  30. چورچو أغامبين، حالة الاستثناء، مدارات للأبحاث والنشر، 2015. 
  31. تيموثي ميتشل، استعمار مصر، مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الرابعة، 2016.
  32. (32) عبد الفتاح لوكاشينكو السيسي، ميدان، 22 فبراير 2018، الرابط
  33. (33) الرئيس السيسي: أنا مش سياسي.. واللي حصل من 8 سنين في مصر مش هيتكرر تاني، 31 يناير 2018، الرابط
  34. بناء ذاكرة العنف: كيف تعيد شعبًا متمردًا إلى حظيرة الطاعة، ساسة بوست، 14 أغسطس 2017، الرابط
  35. (35) جلبير الأشقر، بحث “هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟: تأمُل في المعضلة الرئيسة للانتفاضة العربية”، الفصل الأول، كتاب “الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2018.
  36. المصدر السابق.
  37. عبد الفتاح لوكاشينكو السيسي، ميدان، 22 فبراير 2018، الرابط
  38. السيسي يطيح برئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة، عربي 21، 27 يونيو 2019، الرابط
  39. السيسي يعيد هيكلة المخابرات العامة ويخطط لعزل 40 ضابطًا، جريدة العربي الجديد، 1 فبراير 2018، الرابط
  40. قبيل الانتخابات الرئاسية… السيسي يُحكم قبضته على القضاء،6 أغسطس 2017، الرابط
  41. فوبيا إسقاط الدولة…الرئيس يكشف بمؤتمر الشباب كيف نجت مصر من مصيدة العوز: ارتباط وثيق بين الإصلاح الاقتصادى ومواجهة الدولة الفاشلة.. السيسى: عينى على هدم مصر من 2011.. ويطالب الإعلام بأسبوع لمناقشة تلك الملفات، اليوم السابع، 25 يوليو 2017، الرابط
  42. رايموند هينبوش، بحث “مقاربة في علم الاجتماع التاريخي لفهم التباين في مرحلة ما بعد الثورات بين الدول العربية”، الفصل الرابع، كتاب “الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2018.
  43. حقول الدم: الدين وتاريخ العنف، كارين آرمسترونغ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2016.
  44. المصدر السابق.
  45. السيسي يطالب الأزهر بثورةٍ دينيّة، قناة الجزيرة، 2 يناير 2015، الرابط
  46. د. عبد الله شلبي، التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر: بحث في آليات المصالحة والقبول والرضا والتحايل، العدد الأول من المجلد الثامن من مجلة كلية التربية – القسم الأدبي، جامعة عين شمس، 2002.
  47. الانتخابات المصرية: استراتيجيات التسويق السياسي، مركز الجزيرة للدراسات، 21 مايو 2014.
  48. المصدر السابق.
  49. المصدر السابق.
  50. كلمة عبد الفتاح السيسي بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة 30 يونيو، 30 يونيو 2017، الرابط
  51. السيسي ومتلازمة القسم أن تحلف أكثر، الجزيرة نت، 25 يوليو 2018، الرابط
  52. السيسي يُحلِّف رئيس وزراء أثيوبيا على الهواء بعدم الإضرار بحصة مصر في مياه النيل، 10 يونيو 2018، الرابط
  53. السيسى اللى هيقرب من مصر هشيلوا من فوق وش الأرض، 24 فبراير 2016، الرابط
  54. السيسى: أقسم بالله العظيم.. ولا جنيه أخذته الحكومة من المشروعات المقامة حاليًا، 28 يوليو 2018،الرابط
  55. المشير السيسى: اقسم بالله انا اتقالى من الرئيس السابق احنا جاين نحكم 500 سنة، 4 مايو 2014، الرابط
  56. السيسي: “أقسم بالله مكانش فيه أي تآمر لإسقاط الدولة في عهد مرسي” ،29 يوليو 2018، الرابط
  57. السيسى: “منبقاش رجالة لو حد خد أرض مصر.. ومن يتحدانى يقف ضد حقوق الله”، 23 مايو 2017، الرابط
  58. كلمة الرئيس السيسي في الندوة التثقيفيّة للقوات المسلحة بمناسبة يوم الشهيد، 10 مارس 2019، الرابط
  59. السيسي لرئيس تنفيذ العاصمة الإدارية: عشر سنين مين؟؟ ولا سبع سنين كمان، 14 مارس 2015، الرابط
  60. السيسي يوجه بالقضاء على مرض فيروس سي خلال عام، 23 مايو 2017، الرابط
  61. بعد أوامر السيسي…كيف يمكن استعادة الأمن بسيناء في 3 شهور؟، 18 نوفمبر 2019، الرابط
  62. السيسي: “لو مشينا بدراسات الجدوى كنا حققنا 25 % من الإنجازات”، 9 ديسمبر 2018، الرابط
  63. محمد حشمت، نظرية الدين والتدين الفهم والوهم، مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2018. 
  64. حقول الدم: الدين وتاريخ العنف، كارين آرمسترونغ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2016.
  65. السيسي يصف نفسه بالطبيب المنقذ لمصر، 6 يونيو 2016، الرابط
  66. مروة يوسف محمد عرابي، بحث “أثر عنف الدولة في المجتمع المصري بعد الثالث من يوليو 2013: جماعة أجناد مصر أنموذجًا، القسم الثاني: العنف السياسي في السياقات العربية المعاصرة: نماذج وحالات، الفصل الثامن، كتاب “العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة: مقاربات سوسيولوجبة وحالات: الجزء الأول”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2017.
  67. المصدر السابق.
  68. حنا آرندت، كتاب “في العنف”، دار الساقي، الطبعة الأولى 1992.
  69. مسؤولون مصريون هددوا مرسي قبيل أيام من وفاته، 25 يونيو 2019، الرابط
  70. محمد مصطفى – بلال علاء، زمن الوحوش الضارية: بحث في صراع الخطابات في مصر في سنوات الضباب والثورة والدم، منتدى العلاقات العربية والدولية، الطبعة الأولى 2016.
  71. جلبير الأشقر، بحث “هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟: تأمُل في المعضلة الرئيسة للانتفاضة العربية”، الفصل الأول، كتاب “الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2018.
  72. (72) “سقوط الرموز الإسلامية: كيف أسقطت الثورات عصر الشيوخ؟”، ميدان، 10 فبراير 2019، الرابط
  73. المصدر السابق.

المصدر: المعهد المصري للدراسات


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *