By / 6 أغسطس، 2019

مصر ومسارات التغيير(1)

عبر مئات وربما آلاف السنين استطاعت الشعوب إحداث تغيير جذري في الكثير من المعارك التي خاضتها ضد السلطة بأشكالها المتعددة سواء كانت دينية كنسية أو رأسمالية طبقية أو إقطاعية، وتحتاج الشعوب للكثير من الوقت والجهد والتضحيات.

ويمكن اختصار مسارات التغيير المحتملة من جملة التاريخ إلى عدة مسارات ولكن قبلها نحتاج لتحديد العوامل التي تحكم المسار واختياره. 

  1. مدى ارتباط المجتمع وقواه الحية وتتمثل في العائلات الكبيرة والنقابات والأحزاب والقبائل وجماعات المؤدلجة واتحادات الطلاب وغيرها من القوى المجتمعية القادرة على الحشد والتوجيه والتجمع والتأثير في القرار 
  2. قوة النظام السياسي الحاكم ومدى قدرته على تكوين طبقة حاكمة منفصلة عن المجتمع 
  3. القوى الإقليمية الحاضرة في المشهد ومدى قوتها وقدرتها على التأثير في الوضع المحلي 
  4. النظام الدولي ومدى قدرته على الحسم بالداخل وسيطرته على مفاصل السلطة 
  5. الاستقلال الاقتصادي للدولة والمجتمع على السواء وقدرة المجتمع على توفير احتياجاته الرئيسية لفترة زمنية مقبولة إن حدث صدام مع النظام الحاكم 

وهذه العوامل لابد من التفكير بها وتقييمها قبل اختيار المسار أو المسارات المناسبة للتحرير، وهذه المسارات يمكن تحديدها كالتالي 

  • أولا: التغيير الناعم: وهو يعني التوغل برفق داخل مؤسسات الدولة، وهذا يعتمد على وجود مساحات من العمل العام تسمح للقوى المجتمعية بالوصول إلى داخل بنية النظام السياسي ومؤسسات الدولة، ويكون ذلك شديد الصعوبة في حالة تكون طبقة حاكمة منعزلة عن المجتمع تختار أعضائها من بينها وتقوم بعمل حواجز اجتماعية واقتصادية وأخلاقية تحول دون قدرة الكيانات المجتمعية على التوغل بداخلها، وكذلك تقوم أجهزة الطبقة الحاكمة بتأميم المؤسسات المجتمعية من نقابات وأحزاب واتحادات طلاب وتسيطر على العائلات الكبرى، مما يجعل هذه المحاولة تفشل قبل أن تبدأ في الغالب.

وهناك نموذجين مختلفين لتوضيح الصورة وبيان الفارق، ففي حالة تركيا لم تتكون طبقة حاكمة بشكل حاسم شديد الانفصال، وبقي دائما هناك مساحة شديدة الاتساع من العمل المجتمعي يكون قادرا دائما على الصعود لرأس السلطة ولا يتم حرمان الشعب من ذلك أبدا، كما أن هناك معايير واضحة دائما للعمل العام غير قابلة للهدم، وهذا يأتي من إحساس من يحكم تركيا أن السلطة دائما للشعب.

أما على الجانب الآخر في حالة مصر فالانفصال الطبقي يزداد حدة مع الزمن حتى وصلنا لحالة من العزل التام تقريبا، كما أن هناك إحساس عند الطبقة الحاكمة بحقها المطلق في حكم مصر، مما يزيد من الأزمة الخاصة بمصر، لذلك نجحت محاولة التغيير الناعم في تركيا حتى الآن ولم تنجح في مصر سابقا ولا يتوقع نجاحها مستقبلا، وخاصة مع استمرار وجود الطبقة الحاكمة الحالية في مصر، ولذلك لا يمكن عقلا أن نتوقع احتمال حدوث ذلك في مصر خاصة بعد أحداث السنوات الست السابقة.

وقد قامت الطبقة الحاكمة بمصر بحصار العوامل المهمة التي ينبغي توفرها لمسارات التغيير الناعم، فقامت بتفتيت كافة القوى المجتمعية التي يمكنها المقاومة أو على الأقل دعم المقاومة وكذلك دعمت سيطرة الطبقة الحاكمة على مفاصل السلطة بكافة مؤسسات الدولة، وتحصل – حتى الآن – على دعم إقليمي ودولي غير مسبوق وتغطية معلنة على كل الجرائم التي تقوم بها في حق الشعب المصري، وأخيرا تتعمد إفقار الشعب والسيطرة على كافة مقدراته الاقتصادية.

لذلك ربما يكون احتمال التغيير الناعم في مصر في الوقت الحالي هو درب من الخيال، ومن يحاول الدعوة للتمسك بهذا المسار فعليه توضيح كيف يرى أي إمكانية لنجاح ذلك المسار إلا لو كان بموافقة الطبقة الحاكمة، فالحل في مصر يبنى على ركيزة رئيسية ألا وهي ضرورة تفكيك وإزاحة الطبقة الحاكمة في مصر بشكل نهائي وحاسم.

  • ثانياً: العصيان المدني الشعبي الشامل: يبقى أحد الحلول المهمة والسلمية المحتملة في الضغط على النظام الحاكم وإجباره على الخضوع، إن العصيان المدني هو منع التعامل بشكل كامل بقدر المستطاع مع كافة مؤسسات الدولة، ويتطلب ذلك أن يستطيع المجتمع بناء مؤسساته الخاصة ونظم تعامله البعيدة عن منظومة الدولة، وكذلك التكاتف الجغرافي أو الفئوي بقوة، ويحتاج ذلك إلى تنظيمات مجتمع مدني قوية يمكنها ترويج الفكرة في الشارع وبين الجماهير، وكذلك درجة عالية من الوعي في نطاقات جغرافية واسعة، ويعترض فكرة العصيان المدني عدة عقبات، ومن أهمها اعتماد قطاع كبير من الجماهير على رواتب وإعانات من الدولة، مما يصعب وبشدة من الضغوط على الموظفين ورغبتهم وقدرتهم على الاستمرار في هذا العمل لفترات طويلة مؤثرة، ولهذا يعتبر قطاع العمال والطلبة القطاعان الأكثر قدرة على إدارة ملف العصيان المدني، وهم قادران على شل حركة الدولة بكاملها وإخضاعها لرغبات الشعب، ولهذا تعتبر النقابات المهنية والعمالية وكذلك اتحادات الطلاب أحد أهم وسائل التحضير للعصيان المدني الشامل، ويقاتل النظام لتظل هذه التجمعات الجماهيرية تحت سيطرته الأمنية.
  • ثالثاً: الانفجار الجماهيري : وهو تحرك غاضب عشوائي للجماهير ينتج عنه فوضى جزئية أو شاملة حسب حجم التحرك واتساع نطاقه الجغرافي ومدى خروج الأمر عن سيطرة النظام الأمني والعسكري، ولنعيد تأكيد أن القوى الأمنية والعسكرية عاجزة تماما عن السيطرة على مساحات جغرافية واسعة وأنها تفقد القدرة على التحرك أو الاتصال أو الإمداد في لحظات المد الجماهيري العالي، وأن لحظة الفوضى في الشارع هي الكابوس المرعب للأجهزة الأمنية والعسكرية، ولذلك تقاتل تلك الأنظمة بكل وسائل الرعب وزراعة الخوف في الجماهير لمنعها للوصول لتلك اللحظة.
    ويبدو أن الشعب المصري تحت هذا الضغط الشديد ربما تنفجر الأمور في أي لحظة لتخرج عن سيطرة الجميع، إلا أن هذا السيناريو يحمل الكثير من الخطورة، فالجماهير في الغالب تعبر عن غضبها ولا تستطيع إكمال الفعل الثوري ليحقق نتائج ليصل للسلطة، وفي حالة غياب تنظيم ثوري متماسك يعود النظام القديم بشكل مختلف لرأس السلطة بمجرد خفوت الغضب الشعبي وخروجه من الشارع.
  • رابعاً: الثورة الشاملة: وهي شبيهة بالانفجار الشعبي ولكن في وجود تنظيم ثوري قادر على توجيه الجماهير وقادر على إزاحة النظام من رأس السلطة وأن يحل محله، والتنظيم الثوري المبني من الشارع هو القادر على تحويل أي غضب شعبي إلى ثورة شعبية حقيقية تنتج التغيير الحقيقي، ولابد أن تكون من قلب الشارع والجماهير.
  • خامساً: السيناريو الأسوأ؛ الحرب الأهلية: يشير بعض الباحثين والدراسات المرتبطة بالثورات أن الحرب الاهلية ربما تكون أحد مراحل الثورات الكبرى الحتمية، وكاتب هذا المقال أشار في 2015 أن مصر تعاني فعلا من حرب أهلية بين الطبقة الحاكمة بمؤسساتها العسكرية من جهة وبين الشعب المصري من جهة أخرى، وأن حجم القتلى من الطرفين يمكننا من توصيفها كحرب أهلية، إلا أن ما يشغلنا الآن هو إمكانية دخول البلاد في حرب أهلية أكثر دموية واتساعا، ويبدو أن الكثيرين لا يقبلون احتمالية دخول مصر في حرب أهلية، إلا أن حجم الفارق الطبقي الحاد والظلم الاجتماعي والاقتصادي الكبير يؤهل مصر للدخول في حرب أهلية طبقية إن صح التعبير؛ ربما تدعم لاحقا بشكل طائفي، وأرى أن استبعاد هذا الاحتمال من قائمة احتمالات مسارات التغيير في مصر هو خطأ بالغ.

في المقال التالي نستعرض أي المسارات أقرب للحالة المصرية وكيفية الدفع في أحد هذه المسارات لحماية مصر من السيناريوهات الأسوأ وإنقاذها من براثن القراصنة المسيطرين على مصر الآن.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *