By / 16 نوفمبر، 2020

معركة القادسية العظمى

في مثل هذه الأيام تمر علينا ذكرى معركة القادسية التي تعد واحدة من أعظم معارك الإسلام إن لم تكن أعظمها فيما بعد الحقبة النبوية، ولا نجد لها وصفاً أصدق ولا أدق من مقولة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله – رضي الله عنه -: «والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة».

أما عن سبب هذه المعركة العظمى فيرجع في الأساس لرغبة الفرس في تحقيق نصر حاسم وكبير على المسلمين، ينهي وجودهم بالعراق، ويرفع الروح المعنوية للجيوش الفارسية التي نالت هزائم كثيرة ومتتالية من المسلمين، لذلك توحد الفرقاء والخصوم من قادة الفرس، وأزالوا كل أسباب الخلاف بينهم، وانتخبوا «يزدجرد» زعيماً للبلاط الفارسي، وفوضوا أمهر القادة الفرس وهو «رستم» في التحضير لمعركة فاصلة مع المسلمين([1]).

وما إن سمع أهل السواد بالعراق عن أخبار الحملة الفارسية الضخمة حتى خلعوا طاعة المسلمين، ونقضوا عهدهم، فأرسل «المثنى بن حارثة» قائد المسلمين بالعراق برسالة للخليفة عمر بن الخطاب يخبره بصورة الحال، وأن جيش الفرس يتجاوز مائتي ألف مقاتل، فأعلن الخليفة النفير العام للمسلمين، ولأول مرة يعلن خليفة مسلم التجنيد الإلزامي للمسلمين في قبائل معينة وهي قبائل «ربيعة»، و«بجيلة»، و«النخع»، وسمح لأهل الردة الذين تابوا بالاشتراك في المعركة، حيث كان الخليفة أبو بكر قد فرض عليهم حظراً تأديبياً لهم، وبعد أن اجتمعت الجيوش الإسلامية عزم الخليفة «عمر» أن يخرج بنفسه لقيادة الجيوش، ولكن كبار الصحابة أثنوه عن ذلك لحاجة الأمة له، وأشاروا عليه بتولية رجل من كبار الصحابة من السابقين الأولين فاختار لهذه المهمة «سعد بن أبي وقاص».

اجتمع عند سعد بن أبي وقاص بالقادسية قرابة الستة والثلاثين ألفاً في صفر سنة 14هـ، وظل هذا الجيش مرابطاً بالقادسية بناءً على أوامر الخليفة «عمر» بعدم تعجل الصدام مع الفرس، وواجه المسلمون مشكلة كبيرة في الإمدادات والغذاء بسبب غدر أهل السواد الذين خلعوا طاعة المسلمين، وفرضوا حصاراً اقتصادياً، ولكن كرامة هائلة حدثت عندما تكلم الحيوان البهيم، و دل المسلمين على مكان قطعان الماشية المخبأة، فانتفع بها المسلمون، وتقووا على عدوهم.

دارت مراسلات عديدة بين المسلمين والفرسº حيث حرص المسلمون على توضيح رسالتهم، والهدف من جهادهم، فأرسل سعد بن أبي وقاص سفارة لكسرى الفرس «يزدجرد» فاستهان بهم، وأساء معهم الأدب والتعامل، ثم طلب «رستم» من «سعد» أن يرسل إليه سفراء يتناقش معهم فأرسل إليه «سعد» ثلاثة رجال من عنده الواحد تلو الآخر وهم «ربعي بن عامر»، ثم «حذيفة بن محصن»، ثم «المغيرة بن شعبة»، وكان لرستم هدف شرير من هذه السفارات، حيث كان يرمي لإصابة المسلمين بالهزيمة النفسية عندما يرى السفراء مدى القوة و الأبهة والعظمة التي عليها الجيوش الفارسية، ولكن المسلمين الثلاثة الذين تربوا في مدرسة النبوة العليا أظهروا نفس رد الفعل من الاستعلاء بالإيمان، واحتقار مباهج الدنيا وزخارفها، والعزة بالدين، فبطل كيد رستم، وحبط سعيه، وكان رستم يهدف أيضاً من هذه المراسلات تطويل المدة، وتأخير الصدام الوشيك مع المسلمين، لأنه كان رجلاً حكيماً عاقلاً بصيراً بالحروب، وقد داخله الخوف، وغلب عليه الظن أن النصر سيكون حليف المسلمين.

وربما لا يعرف الكثيرون أن معركة القادسية كانت عدة أيام وليست يوماً واحداً، وقد تغيرت فيها كفة القتال من طرف لآخر، وهي كالتالي:

اليوم الأول: يوم أرماث:

كان جيش المسلمين يقدر بستة وثلاثين ألفاً يقودهم الأسد «سعد بن أبي وقاص»، ويقدر جيش الفرس بمائتين وأربعين ألفاً يقودهم «رستم»، ومعهم سلاح المدرعات المكون من ثلاثة وثلاثين فيلاً ضخماً، ووقع الصدام الهائل في أول يوم عندما هجم الفرس بكل قوتهم وركزوا هجومهم الكاسح على قبيلة «بجيلة» حيث كانت تمثل خمس الجيش تقريباً، وكان السر وراء ذلك التركيز الهجومي من جانب الفرس هو أن رجلاً من ثقيف خان المسلمين في أحرج ساعاتهم، وارتد عن دين الإسلام، والتحق بالعدو، ودلهم على مكمن القوة في جيش المسلمين.

أصدر «سعد» قراراً سريعاً لإنقاذ «بجيلة» فأمر قبيلة «أسد» وقبيلة «بني تميم» برد الهجوم الفارسي الضاري على «بجيلة»، وكان لسلاح الفيلة الفارسي أثر بالغ في المسلمين ذلك لأن خيل المسلمين لم تكن قد رأت من قبل الأفيال، فنفرت منها بشدة، وقد أصدر «سعد» توجيهاً لكتيبة خاصة من أمهر الفرسان بهدف تحطيم السروج الخشبية المقامة على ظهور الفيلة، وبالفعل نجح «عاصم بن عمرو» في مهمته، وخرج سلاح الفيلة من القتال مؤقتاً، وانتهى يوم أرماث وكان لصالح الفرس تقريباً بسبب الخيانة، وكذلك الفيلة.

اليوم الثاني: يوم أغواث:

أصدق وصف لهذا اليوم أنه يوم الخدع الحربية، فلقد أرسل عمر بن الخطاب إمدادات من الشام إلى المسلمين بالعراق يقدر بستة آلاف مقاتل، وكان في مقدمة هذه الإمدادات البطل الشهيد «القعقاع بن عمرو» الذي قام بإدخال الإمدادات إلى أرض المعركة على مراحل، مع إثارة أكبر قدر من الضوضاء والغبار ليظن الفرس أن المسلمين قد جاءهم إمدادات ضخمة.

وكان لقدوم «القعقاع بن عمرو» مفعول السحر في نفوس المسلمين، فقد كان بطلاً شجاعاً ماهراً في شحذ الهمم، وإثارة العزائم، فكان يوم أغواث هو يوم البطولات ويوم القعقاع كله، وفيه كان قتال أبي محجن الثقفي البطولي بعد أن خرج من محبسه، وفيه كان استشهاد أبناء الخنساء الأربعة، وفيه كان مقتل أكبر قادة الجيش الفارسي بعد «رستم» وهو «بهمن جاذويه»، وفيه كانت الخدعة الحربية التي قام بها «القعقاع» عندما ألبس جمال المسلمين خرقاً، وبرقعها بالبراقع، فصار لها منظر مخيف عندما رأتها خيل الفرس نفرت وفرت هاربة، وكان هذا اليوم كله لصالح المسلمين.

اليوم الثالث: يوم عماس:

في هذا اليوم قام القعقاع بخدعة حربية جديدة عندما لاحظ تقدم الفرس بعد أن نزل سلاح الفيلة ميدان القتال مرة أخرى، فأرسل مجموعة من الجيش تسللت خارجة من المعسكر، ثم عادت كأنها إمدادات جديدة، فزادت حماسة باقي الجيش الإسلامي، وكان «سعد» القائد العام للمسلمين قد كلف مجموعة منتقاة من خلاصة أبطال المسلمين للقيام بعملية في غاية الخطورة ألا وهي قتل الفيل القائد لكل الفيلة وهو فيل سابور الأبيض، والفيل الآخر وهو «الأجرب»، وانتدب لهذه المهمة أربعة نفر «القعقاع بن عمرو»، وأخاه «عاصم بن عمرو» وهما لقتل الأبيض، و«حمّال بن مالك»، و«الربيل بن عمرو» وهما لقتل الأجرب، ونجح الأبطال الأربعة في المهمة، وقد توقف القتال بعد أن قام «طليحة الأسدي» باختراق صفوف الفرس.

ليلة الهرير:

في هذه الليلة اشتعل القتال بين المسلمين والفرس، وتصافح الناس بالسيوف، واشتد القتال بصورة لم ير الناس مثلها من قبل ولا في التاريخ كله، ولم يسمع ليلتها سوى هرير الناس، وصليل السيوف، وقاتل المسلمون والفرس قتالاً صار مضرباً للأمثال بعدها، ومقياساً لشدة الحروب، وشد المسلمون بكل ضراوة على قلب الجيش الفارسي، ومما يدل على شدة القتال في هذه الليلة أن المسلمين قد استشهد منهم قبل ليلة الهرير 2500 شهيد، وفي ليلة الهرير وحدها استشهد 6000 مسلم.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة في هذه المعركة الخالدة وذلك عندما قام البطل المسلم «هلال بن علفة» بقتل القائد العام للفرس «رستم»، وبعدها انهارت معنويات الجيش الفارسي، ووقعت عليهم الهزيمة الساحقةº حتى إن الشاب اليافع من المسلمين كان يسوق ثمانين رجلاً من الفرس أسرى، ويشير المسلم إلى الفارسي فيأتيه فيقتله، وربما يأخذ سلاحه الذي عليه فيقتله به، وربما أمر رجلين من الفرس فيقتل أحدهما صاحبه.

وهذه المعركة قضت على معظم قوة الدولة الفارسية، وكانت إيذاناً بزوال شمس إمبراطورية المجوس، وكان الناس من العرب والعجم والرومان ينتظرون ما تنجلي عنه هذه الوقعة الهائلة حتى قيل: إن الجن قد حملوا بشارات النصر في أرجاء المعمورة


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *