By / 29 أغسطس، 2019

معركة موهاج

في تاريخ إمبراطورية المَجَر محطة مهمة؛ إنَّها معركة مثيرة في أحداثها تسمَّى “معركة موهاج”، وقعت أحداثُها في 29 أغسطس 1526م، وحتى يومنا هذا يَعتبر المجريُّون هزيمتهم في هذه المعركة عارًا لا يمكن محوه من تاريخهم، على الرغم من انقضاء أكثر من 400 عام على هذه المعركة إلاَّ أن هناك مَثَلاً شائعًا لدى الهنجاريين يقول: “أسوأ من هزيمتنا في موهاكس”، ويُضرب عند التعرُّض لحظٍّ سيئ؛ تأثرًا بأحداث هذه المعركة.

وقعَت هذه المعركة بين السلطان “سليمان القانوني” الذي قاد جيشَ الدولة العثمانيَّة وقتها في مواجهة “لايوش الثاني” (لويس الثاني) مَلِك المجَر.

وقد كان سليمان القانوني من كثرة حملاتِه على أوروبا وإرغام أنفِها في التراب قد اعتبر نفسَه إمبراطور روما الموحَّدة، التي لم يكن ينازعه في سلطانها سوى “شارل كوينت”، والذي جَمع تحت سيطرته حكمَ كثيرٍ من الممالك الأوروبيَّة، على رأسها إسبانيا وألمانيا وفرنسا، وزاد من نفوذه أيضًا زواج أخواته مِن ملوك البرتغال وفرنسا والدنمارك والنرويج والسويد والمجر.

وقرَّر السلطان سليمان أن يقضي على هذه الوحدة الأوروبيَّة التي يتزعَّمها “شارل كوينت”؛ وذلك بضَرْب أبرز أَصهار “شارل الخامس”، وهو الملك “لويس الثاني” ملِك المجر.

وكانت المجَر وقتها إمبراطوريَّة واسعة تضمُّ تحت سلطانها كلاًّ من تشيكوسلوفاكيا السابقة، بالإضافة إلى الأقطار الشماليَّة ليوغسلافيا، مثل: سلوفينيا، وترانسلفانيا التي هي الآن تابعة لرومانيا، وأجزاء من أوكرانيا.

تحرَّك السلطان “سليمان القانوني” بنفسه على رأس جيشه الذي كان مؤلَّفًا من نحو مائة ألف جنديٍّ، وثلاثمائة مدفع، وثمانمائة سفينة.

حيث وصل بلجراد في 9/ 7/ 1526م، وسارع بالاستيلاء على قَلْعة “بترفارادين” بعد مقاومة 13 يومًا، ثمَّ تمكَّن من عبور نهر (الدانوب) بسهولةٍ ويُسْر بفضل الجسور الكبيرة التي تمَّ تشييدها، وبعد أن افتتح الجيشُ العثماني عدَّة قلاعٍ حربيَّة على نهر الدانوب وصل إلى “وادي موهاكس” بعد 128 يومًا من خروج الحملة.

ويقع وادي موهاكس على بُعد 170 كم جنوب بودابست الحاليَّة؛ حيث سارع إليه “لايوش” (لويس) فَوْر علمِه بقدوم الحملة العثمانيَّة بجيشٍ مدعوم من الممالِك الأوروبيَّة يبلغ عدده مائتَي ألف جنديٍّ – ضِعف عدد الجيش الإسلامي – ومِن بين هذا العدد 83000 من القوات المساعدة التي جاءت من ألمانيا.

وقد جعلَت الأمطار المتساقطة بكثرة في تلك الفترة سهلَ “موهاج” مستنقعاتٍ متناثرة، وكان هناك جزء من السَّهل بالفعل مِن قَبلُ مستنقعًا كبيرًا.

قام الصدر الأعظم الوزير “إبراهيم باشا” بإعداد الخطَّة الحربيَّة لِسير المعركة التي تتضمَّن انسحاب مقدمة العثمانيِّين وتراجعها، حتى يندفع المجريُّون نحوهم فتحصدهم المدافعُ والقنَّاصة العثمانيون.

وفي صباح يوم اللِّقاء الموافق (21 من ذي القعدة 932 هـ = 29 من أغسطس 1526 م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجُند بعد صلاة الفجر، وبثَّ فيهم روحَ الحماس والاستشهاد، ثمَّ دخل بين صفوف فِرَق الصَّاعقة – أقوى فرق الجيش العثماني – وألقى فيهم خطابًا خاصًّا، بشَّرهم بالنَّصر على عدوِّهم إن ثبتوا واستَبْسلوا في القتال.

وفي وقت العصر هجم المجريُّون على الجيش العثماني الذي اصطفَّ على ثلاثة صفوف، وكان السلطان ومعه إبراهيم باشا الصدر الأعظم ومعهم مدافعهم الجبَّارة، وجنودهم من الإنكشاريِّين الصاعقة في الصفِّ الثالث، فلمَّا هجم فُرسان المجَر وكانوا مشهورين بالبسالة والإقدام أمر إبراهيم صفوفَه الأولى بالتقَهْقر حتى يندفع المجريُّون إلى الداخل، حتى إذا وصلوا قريبًا من المدافع، أمر الوزير إبراهيم بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا، وقام المسلمون بقَتْل قوات الجيش المجرِي التي انسحبَت مرغمةً؛ حيث اضطرتهم جموعُ الجيش العثماني إلى ناحية المستنقَع الذي سقط فيه جزءٌ كبير من الجيش ليموت غرقًا.

 نتائج المعركة : 

استمرَّت المعركة ساعةً ونصفًا فقط، تمَّ فيها تدمير الخيَّالة المجريَّة المدرَّعة التي تعرضَت لقصف 300 مدفع عثماني دفعةً واحدة، وفي نهاية المعركة غرق الملك لايوش الثاني و7 أساقفة وجميع قَادة الجيش الكِبار في المستنقع؛ حيث لم يَنْج منهم أحد، وأَسر المسلمون بقيَّة الجيش، وهم 25000 جنديٍّ تبقوا فقط من مائتي ألفِ جندي. 

أما عن خسائر الجيش العثماني فقد نتج عن تلك المعركة فقده لحوالي ألف وخمسمائة قتيل وبضعة آلاف جريح ولكنها خسائر قليلة جدًا بالنسبة للهزيمة التي أوقعوها على الجيش المجري .

واحتفل الجيش العثماني بالنصر وقاموا بعمل استعراض أمام السلطان سليمان القانوني وبادله كبار الدولة العثمانية بالتهاني ، وبعدها تحرك الجيش نحو بودابست عاصمة المجر ودخلوها في توقيت عيد الأضحى ، ومكث السلطان في بوادبست حوالى ثلاثة عشر يومًا حيث عمد على تنظيم أمورها وشئونها الداخلية وقام بتعيين زابولي ملكًا على المجر  وكان هو أمير ترانسلفانيا وأصبحت دولة المجر تابعة للخلافة العثمانية وتقلص حجمها ومن ثم عاد السلطان العثماني إلى بلاده .

وقد كانت معركة موهاكس من المعارك القليلة النادرة في التاريخ ، حيث أنها أحرزت الهزيمة البالغة بأحد أطرافها  وكبلته خسائر عظيمة وانتهت في غضون ساعة ونصف فقط ، ومن نتائج تلك المعركة أيضًا أن الجيش العثمانى أطاح باستقلال دولة المجر وذلك بعدما ضاع جيشها وألحقته الهزيمة .

الجدير بالذكر أن دولة المجر لم تنس تلك الهزيمة التي وقعت بهم إلى يومنا هذا ، فقد اعتبروا يوم المعركة هذه هو يوم شؤم وبمثابة النقطة السوداء في تاريخهم ، حتى بعد مرور أكثر من 400 عام على تلك المعركة ، وحتى الآن يضربون بتلك المعركة المثل فى الحظ السيئ ولهذا فأن هناك مثل شهير عند المجر يقول :   “أسوأ من هزيمتنا في موهاكس


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *