By / 23 مارس، 2019

مـاذا إذا غـاب الـقـائـد؟!

جد عدوهم في الكيد لهم .. شخذ آلته الإعلامية وأطلق أبواقه تؤلب عليهم، فحشر الموالين له والمناوئين لهم، ثم حمل عليهم بخيله ورجله، وأخرج النساء، وساق الدهماء والغوغاء ..

حتى إذا ما أزفت المواجهة .. تولت فئة منهم منسحبة؛ قالوا: لم يُؤخذ رأينا، وأطاعوا غيرنا ..

ثم زلت فئة ثانية .. ولهفوة هؤلاء؛ انكشفوا لعدوهم، الذي أجهز عليهم، يروى بدمائهم غليل حقده ..

ولما اضطرم الأمر؛ سرى الخبر بموت القائد الأعلى! ..

فاندلعت موجة من الإرجاف؛ وظهرت فئة ثالثة أهمتهم أنفسهم، ابتغوا اللحاق بالفئة الأولى ..

تأمل المشهد .. الباطل في صولته يتقدم؛ وأهل الحق من حولك يتناقصون، منهم من يسقط في الفتنة، ومنهم من يرتقى إلى ربه شهيدًا!

وسط هذا كله، ينطلق سيدنا “أنس بن النضر” (رضي الله عنه) متقدمًا، فيمر برهط من الصحابة (عليهم رضوان الله)، جلسوا إلى الأرض متهالكين، لا من تعب ولا نصب، ولكن هبط عليهم خبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهبط بهم، وبركوا إلى الأرض، لا تكاد تحملهم أقدامهم، ولا تكاد تحتمل عقولهم؛ فلما سألهم: فيما جلوسهم؟ قالوا: قُتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)!!

فما كان من الصحابي الجليل، إلا أن قال: “قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله” (صلى الله عليه وسلم)!!

لم يستغرق الأمر، ولا استنفد من الوقت، سوى نطق هذه الكلمات، يحرضهم ويستحثهم بها، ثم انطلق ..

تأمل معي مرة أخرى، إنهم ينعون إليه القائد! وأى قائد؟! إنه رسول الله، ومبلغ الوحي عن السماء، لا مجرد بشر يجتهد فيصيب ويخطئ!

ويالفقه سيدنا أنس (رضي الله عنه)، لم تكن دعوته، دعوة للانتحار الجماعي؛ قنوطا من نصر الحق، أو تسليما بغلبة الباطل، أو وضع خاتمة لقصة قصيرة. بل حكمته (رضي الله عنه) قد نظمها في كلمات مختزلة، جزلة، قال: “إن كان محمد قد قُتل فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم”. لأنه (صلى الله عليه وسلم) قد أدى أمانته وبلغ رسالته إليكم؛ فقد حملتموها، فقاتلوا عن دينكم، كما قاتل هو عنه؛ اقتداء، واتباعا، واستمرارا، ومواصلة، ومثابرة.

رضي الله عنه؛ لم يرجع، ويعتذر إلى الله بما صنع القوم؛ بل اعتذر إلى الله عما صنعوا، وتقدم؛ فقال: “اللهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء – يعني أصحابه – وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين -” ثم تقدم، يستقبل العدو!.. بذلك قال فيه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): “إني لأرجو أن يبعثه الله أمة واحدة يوم القيامة”.

يروى أنس بن مالك (رضي الله عنه، وعن عمه أنس بن النضر): “فقاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه، قال: فوُجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع ابنة النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه”!

وما أعظم ثناء الله تعالى عليه، في قرآن يُتلى إلى يوم الدين: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

كما صدَّق جل ثناؤه على قوله، وأنزل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].

القرآن يعلمنا ما فطن إليه “أنس بن النضر” (رضي الله عنه) بصدقه مع نفسه، ومع الله؛ أن الرسول ليس الطريق، فإن مات أو قُتل، انقطع بنا الطريق؛ بل هو الدليل، فإن دلنا وهدانا، لا يكون لنا أن ننقلب أو نرجع، إذا وفي أجله، وذهب إلى لقاء ربه.

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].

ويُعلمنا تعالى أنه كم من نبي قاتل معه مؤمنون مخلصون، حتى إذا قضى أجله، استمسكوا بعهدهم، فما وهنوا (خارت عزيمتهم، وفترت همتهم) لِما أصابهم بموته، وما ضعفوا (قعدوا، وعجزوا، لمّا فقدوا العزيمة والهمة)، وما استكانوا (ركنوا، وسكنوا بقعودهم، فأذعنوا واستذلوا لعدوهم). في تصوير بليغ لتطور الأحوال، وما تؤول إليه: من فتور عزم وهمة، إلى ضعف وقعود، إلى ركون وخضوع وتصاغر واستذلال للأعداء. وهي السلسلة التي يجب أن نتجنب حلقتها الأولى، حتى لا تصل بنا إلى الحلقة الأخيرة، وقد قيدت أعناقنا بقيد الاستذلال للعدو.

هذا ما وصانا الله به، إذا ما فقدنا القائد الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، وهى المصيبة الأعظم التي يُتعزى بها عما دونها من المصائب، فعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):”يا أَيُّها الناسُ! أَيُّما أحدٍ من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبةٍ، فلْيَتَعَزَّ بمصيبتِه بي، عن المصيبةِ التي تُصِيبُه بغيري، فإنَّ أحدًا من أُمَّتي، لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أَشَدَّ عليه من مصيبتي” (أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في “شعب الإيمان”).

على أهمية دور القائد في الجماعة، وضرورة وجوده، إلا أن فقده لا يعنى انحلالها وانفراطها؛ أو يحلها من عهدها، ويبيح تفريطها. فإن كان وانفرطت؛ فلا تفرط. وإن كان وانحلت؛ فلا تحل عهدك مع الله، وكن الجماعة ولو كنت وحدك.


Comments
  • ياليت نساء المؤمنين كلهم مثلك والله, ليت كل ام تعلم اولادها تلك الدروس والله لكان الحال غير الحال ولكن الله يفعل ما يريد والله المستعان.
    أكثري يا أخت فلعل الله عز وجل يشدد بك عزم الرجال والنساء المتخاذلين او الغافلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *