By / 28 فبراير، 2021

نجم الدين أربكان مهندس الحركة الإسلامية في تركيا

يلقّبه البعض بـ”مهندس الحركة الإسلاميّة في تركيا”. هو الوجه الأبرز بين تيار الإسلام السياسي في تركيا، وصاحب تاريخ سياسي مثير ومتشابك، تنقّل فيه من نائب مستقل، إلى زعيم حزب، فأحزاب، فرئيس حكومة… ذاق النفي والسجن، لم ييأس يوماً من تأسيس الأحزاب التي كان يتمّ حلّها الواحد تلو الآخر من قبل السلطة العلمانيّة (وبقوّة الجيش غالباً)، حتّى بات الملهم للكثير من حركات الإسلام السياسي في تركيا والعالم الإسلامي.. فمن هو هذا الرجل؟   

 

ولد نجم الدين أربكان في 29 أكتوبر لعام 1926 في مدينة “سينوب” على ساحل البحر الأسود، وأنهى دراسته الثانوية سنة 1943، ثمّ التحق بكليّة الهندسة الميكانيكيّة في جامعة اسطنبول التقنيّة، وتخرج في عام 1948، وكان متفوّقاً فتمَّ تعيينه معيداً في نفس الكلية. ثمّ أوفد في بعثة إلى ألمانيا في عام 1951، حيث نال في عام 1953 من جامعة آخن شهادة الدكتوراه في هندسة المحركات.

 

بدأ أربكان حياته السياسية بعد تخرجه من كلية الهندسة، وأصبح رئيسا لاتحاد النقابات التجارية ثم انتخب عضوا في مجلس النواب عن مدينة قوينة، لكنه منع من المشاركة في الحكومات المختلفة بسبب نشاطه المعادي للعلمانية، وكان تأسيس حزبه أول اختراق جدي لرفض القوى العلمانية المهيمنة له.

 

لم يصمد حزبه (النظام الوطني) سوى تسعة أشهر حتى تم حله بقرار قضائي من المحكمة الدستورية بعد إنذار من قائد الجيش محسن باتور، فقام أربكان بدعم من التحالف ذاته بتأسيس حزب السلامة الوطني عام 1972، وأفلت هذه المرة من غضب الجيش ليشارك بالانتخابات العامة ويفوز بخمسين مقعدا كانت كافية له ليشارك في مطلع عام 1974 في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية.

 

تولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء وشارك رئيس الحكومة حينها في اتخاذ قرار التدخل في قبرص في نفس العام، واعتبر من دافع عن مشاركة أربكان في الائتلاف أنه حقق مكاسب كبيرة لتيار الإسلام السياسي من أهمها الاعتراف بهذا التيار وأهميته في الساحة السياسية إلى جانب مكاسب اعتبرت تنازلات مؤثرة من قبل حزب الشعب.

 

خلال وجوده في حكومة أجاويد، حاول أربكان فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي، وحاول ضرب بعض من أخطر مراكز النفوذ الداعمة للنهج العلماني، فقدم بعد تشكيل الحكومة بقليل مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، وأسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي، وأظهر أكثر من موقف مؤيد صراحة للشعب الفلسطيني ومعاد لإسرائيل، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان بسبب ما اعتبر سياسته المؤيدة لإسرائيل.

 

وحتى بعد خروجه من الحكومة فقد قدم حزب أربكان مشروع قانون إلى مجلس النواب في صيف عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع إسرائيل، وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس، كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر، الأمر الذي اعتبر استفتاء على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان.

 

بعد بضعة أيام تزعم قائد الجيش كنعان إيفرين انقلابا عسكريا أطاح بالائتلاف الحاكم، وبدأ سلسلة إجراءات كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني ومن ذلك تشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب واعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين.

 

كان أربكان من بين من دخلوا السجن آنذاك، وبعد ثلاث سنوات خرج في إطار موجة انفتاح على الحريات في عهد حكومة أوزال، فأسس في العام 1983 حزب الرفاه الوطني، الذي شارك في انتخابات نفس العام لكنه لم يحصل سوى على 1.5% من الأصوات، لكنه لم ييأس إذ واصل جهوده السياسية حتى أفلح في الفوز بالأغلبية في انتخابات عام 1996 ليترأس أربكان حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر.

 

خلال أقل من عام قضاه رئيسا للحكومة التركية، سعى أربكان إلى الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، حتى بدا وكأنه يريد استعادة دور تركيا الإسلامي القيادي، فبدأ ولايته بزيارة إلى كل من ليبيا وإيران، وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنغلاديش وماليزيا.

 

ولم يكتف أربكان بذلك، بل نشط عبر العالم الإسلامي، وحدد موعدا لمؤتمر عالمي يضم قيادات العمل الإسلامي، وباتت تركيا تتدخل بثقلها لحل مشكلات داخلية في دول إسلامية كما حدث حينما أرسل وفودا لحل خلافات المجاهدين في أفغانستان.

 

وفي عام 1998 تم حظر حزب الرفاه، وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة، منها انتهاك مواثيق علمانية الدولة، ومنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات، لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية، فلجأ إلى المخرج التركي التقليدي ليؤسس حزباً جديداً باسم “حزب الفضيلة” بزعامة أحد معاونيه، وبدأ يديره من خلف الكواليس. لكن هذا الحزب تعرض للحظر أيضاً في عام 2000 . 

 

 ومن جديد يدفع أربكان لتأسيس حزب “السعادة” بزعامة رجائي قوطان، وحينها أيضاً تأسس حزب “العدالة والتنمية” بزعامة تلميذه رجب طيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول. لكن خصوم أربكان من العلمانيين تربصوا به ليجري اعتقاله ومحاكمته في نفس العام بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل، وحكم على الرجل بسنتين سجناً وكان يبلغ من العمر وقتها 77 عاماً.

خرج أربكان من العمل السياسي الفعلي، وربما يكون تقدّمه بالعمر أحد الأسباب، لكنّ الزعيم الإسلامي كان يمكن أن يستمر في العمل السياسي إلى النهاية لولا الضغوط الشديدة والمتكررة التي تعرض لها من قبل التيار العلماني .

 

توفي نجم الدين أربكان في يوم الأحد 27 فبراير 2011، في إحدى مستشفيات أنقرة، عن عمر ناهز 84 عاماً. شيّعه حشدٌ مهيب من الأتراك، وذلك بمشاركة الرئيس التركي عبد الله جول، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وقتها، والذي قطع زيارة رسميّة لأوروبا لحضور جنازة “المعلّم” والمؤسس للحركة الإسلامية الحديثة في تركيا. كما حضر التشييع عدد من الزعماء إسلاميين، منهم المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وقتها محمد مهدي عاكف، وعن حزب النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي، وممثلون عن حركة حماس، وزعماء إسلاميون، والكثير من العلماء والقيادات الإسلامية في العالم


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *