By / 23 مارس، 2020

نشأة الدولة 3- أصل نشأة الدولة في الإسلام

ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصٌّ يخبرنا – بشكل مباشر – عن نشأة الدولة، وليس في تراثنا السياسي ما يدل – من قريب أو بعيد – على أن علماءنا تناولوا هذه المسألة بالبحث والدراسة؛ ربما لأن صورة نظام الحكم كانت واضحة مستقرة؛ ومن ثمَّ فلم يكن على الساحة الفكرية أو السياسية  ما يستدعي البحث عمَّا يدعم وجهة نظر للباحث في تصوره لنظام الحكم الذي يرتضيه.

 ولكنَّ عدم النص على ذلك لا يعني أنَّ البحث والاستدلال على الأصل لنشأة الدولة من جهة النظر في الكتاب والسنة غير وارد؛ وعدم تناول المسألة لدى العلماء السابقين لا يعني أنها خارجة عن إطار البحث الشرعي؛ فهاتان مسلمتان ليستا في حاجة إلى التدليل عليهما؛ لفرط ظهورهما. 

   فلننظر في نصوص الكتاب والسنة، ولنقم بعملية استقراء للنصوص والأحكام، في ضوء المقاصد الكلية والقواعد العامة والثوابت المتقررة، ونحن على يقين من أن الله تعالى أكمل دينه وأتم نعمته، فلن تخذلنا آيات الكتاب العزيز الذي قال الله عنه: ” ما فرطنا في الكتاب من شيء “.

   لكن ينبغي علينا أن نتجرد أولاً من الخضوع لهيمنة الثقافة الغربية، وأن نتخلص من ضغطها ووسوستها، وأن نكون على يقين من أن كل ما يتعلق بالإنسان وبالمجتمع الإنسانيِّ لن يستطيع أحد أن يأتي فيه بمثل ما جاء به القرآن الكريم، ولن تستطيع ثقافة أو حضارة أن تقدم بشأنه للبشرية عشر معشار ما قدمه الإسلام العظيم؛ ذلك لأن القرآن موضوعه هذا الإنسان؛ هدايته وإرشاده، وإصلاحه وتقويمه، وتنظيم شئون حياته كلها على نحو يتفق مع ما فطره الله عليه، ويحقق له مصالح دنياه وآخرته.

   ولنبدأ بتقرير الحقائق التي تعَدُّ مقدمات ضرورية بالغة التأثير في الوصول إلى المطلوب، الحقائق التي ثبتت بنصوص الوحيين، والتي تعتبر من المسلمات في شريعة الإسلام، ومنها ننطلق إلى المراد تقريره في هذه المسألة.

   أول هذه الحقائق الكبرى أن الإنسان مخلوق لغايتين، أولاهما تشتمل على الثانية  وتحتويها، وهما: عبادة الله وعمارة الأرض، أمَّا الأولى فهي أن الإنســان مخـلوق لعبـادة الله تعالى؛ قـال الله عزَّ وجــلَّ: ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “، وأمَّا الثانية فهي أن الأنسان مكلف بعمارة الأرض على وفق منهج الله تعالى؛ قال الله عزَّ وجلّ: ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون “.

   ولأجل هاتين الغايتين سُلط الإنسان على هذه الأرض، وذُللت له أكنافها، وسُخِّرَ له ما في بطنها وما فوق ظهرها، قال تعالى: ” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ” وقال: ” هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ” وقال: ” ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ” .

  الحقيقة الثانية: أن الله تعالى فطر الإنسان فطرة تحقق هاتين الغايتين، فطره على الدين القيم الحنيف الذي اشتمل على كل ما يهدي خطاه لتحقيق غايتيه: عبادة الله وعمارة الأرض، قال الله تبارك وتعالى: ” فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”، ومن مؤهلات هذه الفطرة العقل والعلم: ” وعلم آدم الأسماء كلها ” ومن سماتها التكريم: ” ولقد كرمنا بني آدم “، وكل انحراف هبط بالإنسان عن هذه المنزلة أو خرج به عن هذا الســـياق فإنما هو طارئ لا يصـح حمل الوجـود الإنســــاني عليه: ” وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَـالَتْهُمْ عَنْ دِينِـهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ “.()

   الحقيقة الثالثة: أنَّ الله تعالى تكفل للإنسان بالمنهج الذي يقيم حياته بالقسط، ويضمن لمن اتبعه الحياة الكريمة الطيبة في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة، المنهج الذي على وفقه يحقق الغاية من وجوده ويقوم بوظيفتيه الأساسيتين: عبادة الله وعمارة الأرض، وقد جاءنا القرآن بما يدل على أن هذا المنهج صحب الإنسان منذ  اللحظة الأولى لوجوده على ظهر هذا الكوكب، وأنه استمر معه لا يفارقه في أيِّ مرحلة من مراحل حياته؛ قال تعالى: ” قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم منِّي هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ” ” كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ” ” وإن من أمة إلا خلا فيها نذير “.

    أمام هذه الحقائق الكبرى تتساقط كل الأعمدة التي بنى عليها الفلاسفة نظرياتهم – على اختلافها – فالإنسان لم يكن في طوره الأول على حالة من السذاجة المضادة لمؤهلات المدنية، ولم يكن الأصل في نشأته وحياته على الأرض حالة الوحشية والهمجية، ولم يكن متروكاً وحده على هذا الكوكب يخبط خبط عشواء؛ حتى تهديه خطاه – تحت وطأة الظروف وتنازع الدوافع – إلى إجراء تعاقديِّ أو إلى غير ذلك من التصرفات التي تخيلها أولائك المتكلفون.

   هذه الحقائق المتكاملة مصدر لجملة من النتائج المتعانقة؛ تؤدي متضامنة إلى ما نروم تقريره، فأمَّا الحقيقة الأولى فهي مصدر للاعتقاد بأن الإنسان له وظيفة مرتبطة بمركزه في هذا الكون، وداخلة في إطار عبوديته لربه ودينونته لمولاه، هذه الوظيفة هي عمارة الأرض على مقتضى منهج الله تعالى؛ على وجه النيابة والوكالة من الله عزَّ وجلَّ، وهذا هو ما فهمه كثير من العلماء والمفسرين من قول الله تعالى: ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة “، فقالوا: إن معنى قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” أي: خليفة عنِّي يخلفني في إجراء أحكامي في أرضي وبين خلقي.()    

   وفهموا أن استخلاف الله للإنسان ليس لحاجةٍ به تعالى إلى ذلك، وعلل بعضهم ذلك بأنه وقع ” لقصور استعدادِ المستخلَف عليهم وعدمِ لياقتِهم لقبول الفيضِ بالذات “(، وفهموا  – كذلك – أن نزوله من الجنة إلى الأرض كان للغاية التي أعلن الله تعالى عنها قبل أن يخلقه؛ ” لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله ســــــببًا في نزوله للخلافة والرســــالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسًـــــا، ورفعـة معنى”()    

    وكما أنَّ عمارة الأرض على وفق منهج الله وظيفة مرتبطة بالاستخلاف المنصوص عليه في قوله تعالى ” إني جاعل في الأرض خليفة “؛ فهي كذلك مرتبطة بالأمانة التي حملها الإنسان وتصدى لمسئوليتها من بين خلق الله عزَّ وجلَّ؛ ” إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً “، وكلام المفسرين بأجمعهم في تفسيرهم للأمانة  – على اختلاف عباراتهم – لا يخرج عن كونها الحكم الشرعي، هذه الأمانة هي التي يترتب على ضياعها انتهاء وظيفة الخليفة؛ فإذا ضيعت ضياعاً لا درك له ذهب مبرر وجود الإنسان ذهاباً لا قفول بعده؛ ” إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة .. إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”.()      

    وأما الحقيقة الثانية فهي مصدر للقول بأن الإنسان يحمل طبيعة تؤهله لحمل الأمانة التي تصدى لها (أمانة الحكم الشرعي والمنهج الرباني )، وللقيام بالوظيفة التي كلف بها ( عمارة الأرض على وفق المنهج الرباني )، وللنهوض بواجبات الخلافة ومقتضى الاستخلاف، ومن مؤهلات هذه الطبيعة التي فطر الإنسان عليها أنه مدني سياسي بطبعه، وأن المجتمع السياسي في حيز الإمكان منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان وجوداً جماعياً على ظهر هذا الكوكب؛ لذلك ” يردُّ علماء السياسة التجريبيون المعاصرون ظاهرة المجتمع السياسي إلى الطبع الإنسانيِّ، وعلى أساس أن السياسة جوهر في الإنسان، مضمونه استعداد الإنسان بطبعه للطاعة ورغبته بفطرته في السيطرة، فلقد ثبت بالتحليل العلمي أنه ما من إنسان إلا ولديه – بطبعه – درجة من الاستعداد للطاعة، ودرجة من الرغبة في السيطرة على الآخرين؛ وإذ يعيش الإنسان في جماعة يعبر ذلك الجوهر عن ذاته في الحياة الاجتماعية بظاهرة اجتماعية قوامها انقسام المجتمع إلى حاكمين ومحكومين تلك الظاهرة التي بها  يوصف المجتمع بأنه سياسي … وهكذا فإن كل مجتمع إنساني هو بالضرورة سياسي؛ فالسياسة لا تأتي متراكمة على المجتمع لاحقة لوجوده .. فلا المجتمع سابق على السياسة ولا السياسة لاحقة لقيام المجتمع؛ ومن هذا كله تأتي الحقيقة العلمية: إن الإنسان والمجتمع والسياسة ظواهر متلازمة “.()         

   وأما الحقيقة الثالثة فهي مصدر للقول بأن الإنسان وهو يمارس وظيفته ليس متروكاً لهواه، ولا موكولاً للعقل وحده، وإنما هو محكوم في سعيه بالهدى والميزان الذي جاءه في كتب الله عزَّ وجلَّ التي أنزلها على رسله، تماماً مثلما حكم هذا الكون بما أودع الله فيه من قوانين؛ لكن القانون الذي يحكم الكون صادر عن أمر الله وحكمه الكوني، أما القانون الذي يحكم الإنسان فهو صادر عن أمر الله وحكمه الشرعي، لذا كان الفرق الذي يتميز به الإنسان عن سائر الموجودات في هذا الكون هو أنه ليس مجبراً؛ ومن هنا كان هذا القانون ( الحكم الشرعي ) أمانة كبرى، تحملها الإنسان وحده.

   إذاً .. فها هنا عناصر ثلاثة: وظيفة لها علاقة بمركز الإنسان على هذه الأرض، وتأهيل للإنسان للقيام بهذه الوظيفة، ومنهجٌ على وفقه تؤدَّى هذه الوظيفة، وإلى جانب هذه العناصر الثلاثة يقوم الاستخلاف من الله للإنسان مسوغاً ومفسراً وأصلاً لقيام الإنسان بوظيفته هذه على أرض الله تعالى.

   ولا ريب أن قيام المجتمع وتعاون أفراده، وقيام المجتمع السياسي في جميع صوره، وقيام الدولة بما لها من سلطة وبما فيها من ضبط قانوني؛ جزء لا يتجزأ من قيام الإنسان بوظيفته التي هي عمارة الأرض على وفق منهج الله وبما يتناسب مع ما وهبه الله من استعدادات.

   فالاستخلاف – إذاً – هو الأصل لقيام الدولة، وهو المسوغ لنشوء المجتمع السياسي بكافة صوره وأشكاله، الاستخلاف الذي بموجبه يقوم الإنسان – نيابة – عن رب العالمين بإمضاء حكمه في الأرض، وبعمارتها على وفق منهجه، وبتحمل أمانة الحكم الشرعي الذي لا صلاح للحياة إلا بتعانقه وتوافقه مع الأمر الكوني، أجل .. إنه الاستخلاف، الذي به – قبل كل شئ – كُرِّم هذا المخلوق، ولأجله سخر الله له ما فوقه وما تحت قدمه.

   ولا يظنّنَّ ظانٌّ أن هذا من قبيل التفسير الثيوقراطيٌّ لنشأة الدولة؛ لأننا لا نقول بأن الله تعالى فوض ملكاً أو ملوكاً بحكم عباده؛ أو استخلف طبقة على خلقه، أو أعطى الحق لفئة أو جهة أن تحكم باسم السماء، وإنما نقول إن الله استخلف الإنسان، وحمله أمانة الحكم الشرعي، وجعل لخلقه غاية داخلة في حضن العبودية وهي عمارة الأرض على وفق منهج الله، ووهبه مؤهلات القيام بذلك، هذا كله للإنسان – جنس الإنسان – وهو بعد ذلك يقيم أمور حياته – بما في ذلك الدولة – على وفق ما يأتيه من الله من شــريعة ومنـهاج: ” لكل جعلنـا منكم شــرعة ومنـهاجــاً “.

   وتبقى بعد ذلك الظواهر السياسية التي سحب المفكرون حكمها على التاريخ الإنساني، تبقى مجرد ظواهر وأحداث لا تخرج دلالاتها عن واقعها الذي نشأت فيه إلا بالقدر المعبر عما يشترك فيه الخلق ولا يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، تبقى أحداثاً يتحدد وزنها بقدر بعدها أو قربها من الأصل الذي لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وهو أصل الاستخلاف، وليس ثمَّ ما يضطرنا إلى إنكار أو استبعاد أن يكون قد وقع في حياة البشرية في زمان ما أو مكان ما قيام للدولة بآلية العقد، أو لغرض إشباع الحاجات، أو بسبب القوة وغلبة فريق على آخر، أو تبعاً لفكر ثيوقراطيّ، أو بغير ذلك من الآليات والأدوات ولغير ذلك من الأهداف والأغراض، لكن الذي لا يمكن تخيله – فضلاً عن تصديقه والبناء علي – هو أن تعمم تجربة من هذه التجارب ويسحب حكمها على التاريخ الإنساني والوجود الحضاري ويفسر في ضوئها قيام الدولة في حياة البشر، ويقال إن البشرية تحولت من اللادولة إلى الدولة بموجب هذه التجربة التي سماها نظرية.

   ومن المعلوم في أحكام الدين الإسلاميّ أن الحكم يقوم بعقد من الأمة للإمام، وأن حكم الخلفاء الراشدين الذين أُمِرنَا باتباع سنتهم كان على هذا النحو، بل إن الدولة نشأت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بموجب عقد أبرم عند العقبة بين النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار؛ لكنَّ هذا لا يعني أن الأصل لنشأة الدولة في الإسلام هو العقد الاجتماعي؛ لأن عقد العقبة لم يكن عقداً اجتماعياً؛ وإلا لآلت بموجبه السيادة إلى الشعب، وإنما كان عقداً شرعياً لإقامة الحكم وإنشاء الدولة، أما الأصل لنشأتها فهو الاستخلاف، فمن أجل أن الله استخلف الإنسان قامت الدولة، وطريقة إقامتها في شريعة الإسلام هي العقد من الأمة للإمام، وبهذا يستقيم التصور ويبرز في صورة النظرية العامة أصلان من أصول الحكم في الإسلام، وهما: سيادة الشرع وسلطان الأمة؛ فسيادة الشرع ولدت من رحم الاستخلاف، وسلطان الأمة قام بموجب الطريقة التي رضيها الله لإقامة الدولة وهي العقد من الأمة للحاكم.

   ولا يؤثر سلباً في هذه النتيجة أن يكون العلماء قد اختلفوا في تفسير الخلافة في الآية الكريمة: أهي خلافة عن الله أم عمَّن سبق الإنسان في عمارة الأرض؛ لأسباب، أهمها أنَّ الراجح الصحيح من التفسيرين هو أنها خلافة عن الله، ونيابة ووكالة عنه سبحانه وتعالى؛ لأنَّ السياق كله في اتجاه اختصاص الإنسان بوظيفة عالية، واحتكاره لوضع كريم له اتصال بهذه الوظيفة، فالآية التي سبقتها تقرر أن الله تعالى خلق للإنسان ما في الأرض جميعاً ” هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً” فإذا كان هناك من سبق الإنسان على هذه الأرض فلا يمكن أن يكون وجوده وتمكينه فيها على النحو الذي جعله الله للإنسان؛ ومن ثم فالإنسان – حتى وإن سبقه غيره – له شأن أصيلٌ مبتدأ؛ وخلافته لمن سبقه أمر ثانويَّ بجانب هذا الابتداء الأصيل الهام، ثم جاءت هذه الآية وفيها طمع الملائكة الكرام وتمنيهم هذه الوظيفة لأنفسهم: ” قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ” بما يعني أنَّ الخلافة هذه أمر أعلى من خلافة قوم لقوم أو خلق لخلق، وبعدها تأتي الآية التي تذكر مؤهلاً من المؤهلات التي اختص بها الإنسان لاختصاصه بوظيفة تمنَّاها الملائكة فلم يظفروا بها ولا بالمؤهل الذي اختص به الإنسان: ” وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين “.

    ثم إنَّ الأمر الذي حمل بعض المفسرين على العدول عن هذا التفسير إلى تكلف القول بأن الخلافة هنا عمَّن سبق الإنسان هو التحفظ من إطلاق هذا اللفظ؛ بدعوى أنه لا يستخلف إلا من يموت أو يغيب، وهذا تحفظ ينم عن ورع، لكنه في غير موضعه؛ لأن الله تعالى ليس كالإنسان، فهو يستخلف في الشهاده على وجه التكليف والابتلاء، ليس عن احتياج، وإنما لحكمة يعلمها؛ لعل منها ما سبق إيراده عن بعض المفسرين، ولعل منها ابتلاء الإنسان بما تحمل من الأمانة.

  ولقد اضطربوا في تحديد من سبق الإنسان، فتارة قالوا الجنّ، ومن المعلوم أن الجن لا يزالون في الأرض مكلفين مثلنا، فكيف خلفهم آدم وهم مزاحمون له في الوجود على الأرض، وتارة قالوا الملائكة، لكن ما الذي قصَّر فيه الملائكة الكرام البررة ليستخلف الله بعدهم من يعمر الأرض ؟! 

   وقد يكون التشويش قد دخل على البعض بسبب الخلط بين معنى هذه الآية ومعنى آيات أخرى تتحدث عن ظاهرة كونية، وعن آية من آيات قدرة الله تعالى وفعله في كونه، وهي آية تتابع الخلق جيلاً بعد جيل، مثل قول الله تعالى: ” هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ” فهذه الآية وغيرها تتحدث عن ظاهرة تدل على قدرة الله وحكمته وهي أن الله عز وجل جعل الناس يخلف بعضهم بعضاً، كلما هلك جيل خلفه جيل، أما آية الخلافة في البقرة فتتحدث عن أمر آخر، عن الإنسان ومركزه في هذا الوجود، فلا يصح أن يجرنا تشابه الألفاظ إلى التسوية بين أمور مختلفة جد الاختلاف.

   يضاف لذلك أنَّه لو سلمنا – على سبيل التنزل – بأن المقصود أن الله جعل الإنسان خليفة لمن سبقه؛ فإن هذا لا يضر بما قررناه من أن الله تعالى استخلف هذا الإنسان؛ وبموجب هذا الاستخلاف كان تعميره للأرض، وإقامته لما يلزم لهذا التعمير كالدولة والمجتمع وغير ذلك؛ لأن الخلافة لها موضوع هو محلَّ التكليف لا يتأثر بمن جعل الله الإنسان خليفة له، وهو عمارة الأرض بمنهج الله. 

   وحتى لو – جدلاً – أخرجنا الآية كلية من سياق الاستدلال فلن يتأثر الدليل؛ لأنه لا خلاف في أن الإنسان مكلف من الله تعالى بعمارة الأرض على وفق منهجه وعلى نور من شريعته، وهذا التكليف وثيق الصلة بالأمانة التي تحملها، والتي لا تخرج عن الأمر الشرعي الواجب تطبيقه في الأرض، فيثبت التكليف والتفويض ويبقى النزاع على التسمية، وعندئذ إن استمسكت بلفظ الاستخلاف يكون المخالف منازعاً في لفظ؛ ويكون له الحق في استبداله بما يؤدي معناه. 

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *