By / 28 أكتوبر، 2020

هكذا تحارب فرنسا الإسلام وتدعم الأنظمة الاستبدادية

تعد فرنسا واحدة من أسوأ الدول الغربية في التعامل مع مواطنيها المسلمين، نتيجة تبنّي نموذج متطرف في العلمانية لا يفصل بين الدولة والدين فحسب بل بين الدين والحياة، وذلك رغم دفاعها المستميت عن سياساتها الديمقراطية التي تضمن حقوق الإنسان والتسامح غير المشروط حيال المعتقدات الدينية للأقليات.

 

وخلال الأسبوع الحالي، تحوّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أحد أكثر المواضيع التي تفاعل معها المسلمون في العالم العربي، بحيث أصبح وسما “ماكرون يسيء للنبي” و”مقاطعة المنتجات الفرنسية” الأكثر تداولا عبر تويتر.

سبب موجة التفاعل كانت تصريحات لماكرون قال فيها “لن نتخلى عن الرسومات والكاريكاتيرات” وذلك أثناء تأبينه للمعلم الفرنسي صاموئيل باتي، والذي أثار مقتله موجة من التعاطف الشعبي معه، وخصوصا بين أوساط الطلاب والمعلمين.

غير أن السلطات الفرنسية وظّفت الحادث لإطلاق حملة أمنية وسياسية ضد المسلمين، ترافقت مع تحريض إعلامي هائل، من اليمين المتطرّف، وحتى من بعض أوساط اليسار، كما سارع وزير الداخلية، جيرالد دارمانان لتقديم مقترح للحكومة لإغلاق مؤسسات، كان من بينها “التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا”.

 

تصريحات معادية

مُنذ أنْ جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، وشُغله الشّاغل دائمًا هو التّطاول على الدين الإسلامي بطريقةٍ استفزازيّةٍ غير مسبوقة، فبعد استخدامه توصيف “الإرهاب الإسلامي”، أكثر من مرّةٍ ها هو اليوم ينحَت توصيفًا أكثر تحريضًا عندما قال “إنّ الإسلام في العالم يعيش أزمة” في فرنسا، وكشف عن خطّة عمل يجري وضعها لمُواجهتها بصرامةٍ

وفي بداية الشهر الحالي أعلن ماكرون عن قانون جديد سيطبق لمحاربة “الانفصالية الإسلامية” يفرض شروطا على الجمعيات والمواطنين لضمان “علمانيتهم”.

وخلال الأشهر الماضية، طالت تصريحات الرئيس الفرنسي مرارا المسلمين، لا سيما قبيل الجولة الأولى من انتخابات البلدية (المحليات) في فبرايرالماضي، ما أثار ردود فعل غاضبة بين الجاليات المسلمة في البلد الأوروبي.

وقال ماكرون، آنذاك، إن “هناك جزءا من المجتمع يرغب في استحداث مشروع سياسي باسم الإسلام”.

كما انتقد في مناسبة انتخابية أخرى “أولياء الأمور الذين يرفضون السماح لبناتهم بالتوجه إلى المسابح”، في إشارة إلى خصوصية المعتقدات الإسلامية.

ورغم مغازلة الشعب الفرنسي بورقة معاداة المسلمين، لقي حزب ماكرون هزيمة كبيرة في الانتخابات المحلية، ما دفعه إلى المغالاة في معاداة الإسلام السياسي بحثا عن شعبية لدى تيارات اليمين المتطرف ووسط اليمين في بلاده، وفق مراقبين.

 

سياسات اضطهاد المسلمين

هذا التّصعيد للكراهية ضدّ الإسلام والمُسلمين الذي يقوده ماكرون شخصيًّا يأتي تمهيدًا لتمرير قوانين وإجراءات ذات طابع عُنصري ضدّ الجِيلَين المُسلِمَين الثّالث الرّابع في فرنسا بعد الاعتِراف بفشل ما يُسمّى بالخطوات الإصلاحيّة لدمجهما في المُجتمع الفرنسي، مُضافًا إلى ذلك أن ماكرون يُحاول يائسًا استِعادة ما فقده من شعبيّةٍ أمام اليمين المُتطرّف، استِعدادًا للانتخابات الرئاسيّة عام 2022.

تدور معظم الإساءات حول تشجيع المنظمات العنصرية التي تعادي وتسيء للإسلام والمسلمين، وعدم تجريم من يسيء للإسلام، سواء بالرسوم الكاريكاتورية أو المقالات أو البرامج والأفلام التلفزيونية، وفي المقابل تجريم كل من يسيء لليهود واتهامه بمعاداة السامية.

وفي أكتوبر الماضي، وافق مجلس الشيوخ على مقترح قانون يمنع الأمهات من ارتداء ملابس مميزة للأديان “الحجاب” أثناء مرافقة أبنائهن في الرحلات المدرسية.

وعلى صعيد الممارسات، طلب النائب جوليان أودول، في أحد اللقاءات، من امرأة مسلمة خلع الحجاب، كما اعتدى عليها شفهيا، ما أثار انتقادات واسعة آنذاك.

وعن سياسات الاضطهاد للأقلية المسلمة يمكن تركيزها في قانون تجريم النقاب في الساحات والميادين والأماكن العامة والأماكن الحكومية بالغرامة المالية والسجن في المرة الثانية، وقانون منع الحجاب من المدارس والجامعات والهيئات الحكومية المختلفة.

كذلك قانون حظر الصلاة في الشوارع والساحات العامة وأمام المساجد، وقانون عدم منح الإقامة أو تجديدها إلا بعد عمل اختبار للمهاجر يتم فيه التأكد من إجادته اللغة الفرنسية واحترام التقاليد الفرنسية وعدم التمسك بالأصول الإسلامية وتغليبها على القواعد الفرنسية.

وصل الحال في العداء ضد الإسلام ومحاربة جوهره المتمثل بالقرآن الكريم حد توقيع عريضة من قبل شخصيات سياسية ومسؤولين سابقين ومشاهير وعلى رأسهم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لإبطال آيات قرآنية بدعوى “المعاداة الجديدة للسامية” والخوف على حياة السكان اليهود

 

إغلاق مساجد

شهدت فرنسا حملة غير مسبوقة ضد الإسلام والمسلمين منذ عام 2015، عقب هجوم شارلي إيبدو وهجمات باريس، في ظل حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة آنذاك التي امتدت حتى نهاية 2017، وحل محلها قانون “الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب” بعد رفعها، وهو ما نجم عنه إغلاق عشرات المساجد وقاعات الصلاة بدعوى ترويجها للتطرف.

وكشفت جمعية “العمل من أجل حماية حقوق المسلمين في فرنسا” في تقرير لها أنه منذ 2017 حتى نهاية 2019 وضع 106 أشخاص تحت الإقامة الجبرية وأجريت 97 زيارة لأفراد، صاحبها ضبط بعض المقتنيات الشخصية، كما صدرت أوامر بإغلاق سبعة أماكن للعبادة.

وذكرت جمعيات فرنسية أن السلطات تعتبر أن مجرد اقتناء كتاب “رياض الصالحين” الذي ألّفه الإمام النووي في القرن الخامس الهجري مؤشر على التطرف يستوجب إخضاع الشخص للإقامة الجبرية أو البحث الإداري أو إغلاق المسجد.

في يناير2019، أسس ماكرون “الجمعية الإسلامية للإسلام في فرنسا” لتكون مسؤولة عن مراقبة جمع التبرعات وجمع مداخيل ضريبة المنتجات الحلال، بالإضافة إلى تدريب الأئمة واستقدامهم، في خطوة كان ينظر إليها على أنها تهدف إلى التحكم بتمويل المساجد، لكنها أيضاً مهدت لإعلان خطة للتضييق على المسلمين، وهي التي قال ماكرون إنها تهدف إلى مواجهة “الانفصال الإسلامي”.

تقوم خطة ماكرون هذه على منع المساجد من تلقِّي تمويل من الخارج وإنهاء برنامج “الأئمة المبتعثين” في فرنسا تدريجياً حتى عام 2024، والاعتماد على الجمعية التي أسسها قبل عام لتقوم بمهمة تزويد المساجد بالأئمة المدربين في فرنسا، بالإضافة إلى إلغاء دروس اللغة الأجنبية، بما في ذلك دروس اللغتين العربية والتركية في جميع مدارس فرنسا.

وتضمنت الخطة كذلك وضع 47 حيّاً تقطنها الجاليات الإسلامية تحت المراقبة الدقيقة بدعوى محاربة التطرف و”الاتجار بالمخدرات”، ومنع المسلمين من الاستفادة من أوقات الاستحمام المنفصلة في حمامات السباحة العامة وساعات الصلاة في النوادي الرياضية.

 

محاربة الإسلام في الخارج

ولا تقتصر سياسة التضييق والإلغاء على مواطني فرنسا المسلمين، فعند النظر في الحروب التي تشارك فيها فرنسا في أماكن مختلفة حول العالم نستنتج أنها تكاد تقتصر على بلدان إسلامية وتحت ذريعة محاربة الإرهاب، كما في مالي ودول الساحل، حيث تشن حرباً على جماعات مسلحة.

وكما في سوريا، إذ تشارك بوصفها عضواً في التحالف الدولي ضد داعش، إلا أنها تساهم على الأرض في دعم مشروع منظمة YPG الإرهابية، القائم على الانفصال والتمييز العنصري والإرهاب العابر للحدود.

وحتى الماضي القريب، كانت فرنسا لا تخجل من إبداء دعمها المطلق لأنظمة قمعية في العالم العربي وظيفتها الأولى محاربة الهوية الإسلامية، كما كان الحال مع نظام الجزائر، سواء خلال حقبة العشرية السوداء التي ارتكبت خلالها فظاعات وشُنت “حرب قذرة” برعاية فرنسية على حد تعبير أحد جنرالات الجزائر.

وكذلك الحال مع النظام التونسي، سواء في عهدَي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، الذي تمسكت به فرنسا حتى بعد سقوطه عام 2011، وصدرت تصريحات عن وزيرة خارجيتها آنذاك ميشيل إليو ماري تؤكد استعداد بلادها لتقديم يد المساعدة لبن علي في قمع الثورة التونسية.

في ما يخص مصر، لم تتوقف باريس عن دعم واحد من أكثر الأنظمة ديكتاتوريةً في تاريخ البلاد، وذلك في مقابل الحصول على صفقات وعقود اقتصادية وعسكرية بمليارات الدولارات، تعهد بها وكلاء الثورة المضادة وحلفاؤها (السعودية والإمارات).

وفي ليبيا، بدا التورّط الفرنسي في دعم خليفة حفتر واضحاً. كما أنها عرقلت التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية، إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر إلى حد الخلاف العلني والتلاسن مع إيطاليا بشأن طرق معالجة الأزمة الليبية. كما تواردت أخبار كثيرة بشأن دعم فرنسا الحملة العسكرية التي أطلقها حفتر خلال الفترة الماضية للاستيلاء على طرابلس.

وفي الملف الجزائري، الوضع أكثر سوءاً، حيث حاولت فرنسا، في البداية، التدخل في مسار الأحداث، حين دعمت خريطة الطريق التي كان قد أعلنها الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، قبل استقالته. وهو ما دفع الجزائريين إلى استنكار هذا التدخل في شؤون بلادهم.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *