By / 18 مايو، 2020

وظيفة الدولة بين الفكر الغربي والفقه الإسلامي (2)

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لقد أحسن أحد الأئمة عندما تأول في الدولة ودورها في تحقيق هذا التوازن قول الله تعالى: ” ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ” قال: ” وَقد امتن الله على عباده بنصبه السُّلْطَان فِي الأَرْض ليدفع الظُّلم عَن الْمَظْلُوم قَالَ الله تَعَالَى {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض} يَعْنِي لَوْلَا أَن الله أَقَامَ السُّلْطَان فِي الأَرْض يدْفع الْقوي عَن الضَّعِيف وينصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم لأهْلك الْقوي الضَّعِيف وتواثب الْخلق بَعضهم على بعض فَلَا يَنْتَظِم لَهُم حَال فتفسد الأَرْض وَمن عَلَيْهَا”(1).  

الملكية المزدوجة:

وإذا أردنا ألا نخطئ الطريق ونحن نتحدث عن دور الدولة في النظام الإسلامي في الاقتصاد وفي أنشطة الأفراد فيجب ألا ننسى موقف الشريعة الإسلامية من الملكية الخاصة والملكية العامة، فالإسلام يقر الملكية الخاصة ويقر كذلك الملكية العامة، وكلتاهما أصل لا استثناء، وعلى كل منهما قيود بريئة من الأهواء، وهذا ما يخالفه الاتجاهان السائدان الآن في النظم العالمية شرقاً غرباً، حتى بعد  دخول التعديلات على كلا النظامين المتنافسين: الاشتراكي والرأسمالي، ” ففي الاقتصاد الرأسمالي: الأصل هو حرية الأفراد في ممارسة نشاطهم الاقتصادي، والاستثناء هو تدخل الدولة وقيامها ببعض أوجه النشاط الاقتصادي إذا استلزمته الضرورة، ويترتب على ذلك أنّ الأصل هو الملكية الخاصة إذ هي في نظره مقدسة باعتبارها الباعث على النشاط الاقتصادي وجوهر الحياة، والاستثناء هو الملكية العامة، وفي الاقتصاد الاشتراكي: الأصل هو تدخل الدولة وانفرادها بمباشرة النشاط الاقتصادي، والاستثناء هو ترك الأفراد في ممارسة بعض أوجه هذا النشاط، ويترتب على ذلك أنّ الأصل هو الملكية العامة، والاستثناء هو الملكية الخاصة لبعض وسائل الإنتاج يعترف بها النظام بحكم الضرور، وفي الاقتصاد الإسلامي الحرية الاقتصادية للأفراد وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي كلاهما أصل، إذ لكل منهما مجاله بحيث يكمل كلاهما الآخر، وكلاهما مقيد وليس مطلقاً، ويترتب على ذلك أنّ الاقتصاد الإسلامي يقر الملكية المزدوجة: الخاصة والعامة، وكلاهما كأصل يكمل الآخر، وكلاهما ليس مطلقاً بل هو مقيد بعدة قيود باعتبارهما أمانة واستخلافاً ومسئولية، مما أحال كلاً من الملكية الخاصة والعامة إلى مجرد وظيفة اجتماعية أو شرعية يسأل عنها الفرد أو الدولة” (2).

   فأما الملكية الخاصة فالشريعة الإسلامية ترعاها وتحميها، وتضع الأحكام والتشريعات والعقوبات التي تصل إلى حد قطع يد السارق؛ من أجل الحفاظ عليها، فجميع الأحكام في باب المعاملات، من أحكام تنظم عقود المعاوضات، وأحكام وقواعد تنظم الشركات، وغير ذلك مما لم تتسع له المجلدات الكبار، وأحكام المواريث التي تنظم انتقال الثروة في عصبة المالك المورث وأرحامه، كل هذه الأحكام شاهدة – ليس فقط على إقرار الإسلام للملكية الخاصة – وإنما كذلك على تعظيمه من شأنها ورعايته وحمايته لها.  

   وأما الملكية العامة فتتمثل في بيت المال وما يتدفق إليه من إيرادات، كالزكاة والفئ وخمس الغنيمة والخراج والعشور وغير ذلك، وتتمثل كذلك في مصادر الثروة العامة التي لا يصح أن يهيمن عليها الأفراد فتبقى دولة بين الأغنياء منهم، كالمعادن والنفط والمناجم وغيرها، إضافة إلى ما تحميه الدولة من الأراضي للصالح العام بضوابط وقيود تنفي تهمة الاستحواذ من الدولة.

   ولهذه الملكية العامة أهداف وغايات، أهمها:

  • استحقاق جميع  الناس الثروة العامة ذات المنافع المشتركه سواء من الحاجات  الضرورية أم غيرها،والتوسعة على عامة المسلمين، فالماء  والكلأ والنار والملح من الأشياء التي تقوم حياة البشر عليها؛ فإذا احتكرها أي أحد استطاع  أن يتحكم في مصير الناس . 
  • تأمين نفقات الدولة : فالدولة ترعى الحقوق وتقوم بالواجبات وتسد الثغور وتجهز الجيوش وتقوم بما يسد حاجات الضعفاء واليتامى والمساكين  وكذلك الأمن والتعليم والعلاج وكافة الخدمات العامة ولا يمكن أن تقوم الدولة بهذه الجهود المباركة إلاّ من خلال هذه الأموال العامة.
  • تشجيع الأعمال الخيرية والتوسعة على المحتاجين من المسلمين . فالوقف والزكاة  كانت إسهامة مباركة لسد حاجات المجتمع وتمويل الأعمال الخيرية  كالمساجد والمدارس والمكتبات والمستشفيات  وغيرها . 
  • استغلال الثروات على أحسن وجه لصالح البشرية  ولا سيما المشروعات  التي يعجز الأفراد أو الشركات عن القيام بها إما لعدم تحقق الإمكانيات أو تكاليفها الباهظة،كبناء المواني وإقامة المدن الصناعية  واستغلال الأراضي الشاسعة للزراعة وغيرها ، ولكن عندما يكون لبيت مال الدولة مصادر تثريه تجعله قادراً على القيام بهذه المشاريع العظيمة”(3).
  • تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية في الجيل الواحد ، ثم تحقيق التوازن بين الأجيال الإسلامية، فلا يتحكم جيل في ثروة الأمة بما يهدد مستقبل الأجيال اللاحقة.

قيود الملكية العامة:

وسياسة الدولة في الملكية العامة لها حدود وضوابط، فمصادر هذه الملكية محددة بشكل يمنع الدولة من التوسع فيها على حساب النشاط الفردي والملكيات الخاصة، فمن الغنائم يؤخذ الخمس فقط، والأربعة أخماس الأخرى ملك المجاهدين، أما الفيء فلم يجر المجاهدون عليه خيلاً ولا ركاباً؛ فهو كله ملكية عامة؛ تصرف في بند إحداث التوازن في المجتمع؛ لئلا يكون المال دولة بين الأغنياء، والخراج والعشور والزكوات والجزية، كل ذلك بنسب مقدرة أغلبها منصوصة لا يجوز الزيادة عليها.

   ومما يدل على أن الشريعة تضع حداً للدولة لا تتعداه في امتلاكها للأشياء العامة ما أورده العلماء من أحكام متعلقة بالحمى وما شابهه، فللإمام أن يحمي جزءاً من الأرض للمصالح العامة، لكن ليس له أن يحمي كل الأرض ولا أكثرها، يقول الإمام الماوردي: ” قد حمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة … فأمَّا حمى الأئمة من بعده، فإن حموا به جميع الموات أو أكثره لم يجز؛ وإن حموا أقله لخاص من الناس أو لأغنيائهم لم يجز. وإن حموه لكافَّة المسلمين أو للفقراء والمساكين ففي جوازه قولان”(4).

   وإلى أبعد من هذا في التقييد يذهب الماوردي: ” فأمَّا القسم الأول: وهو ما اختُصَّ بالصحارى والفلوات فكمنازل الأسفار وحلول المياه، وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون لاجتياز السابلة واستراحة المسافرين فيه، فلا نظر للسلطان فيه، والذي يختص السلطان له من ذلك إصلاح عورته وحفظ مياهه، والتخلية بين الناس وبين نزوله. فإن وردوه على سواء وتنازعوا فيه نظر في التعديل بينهم مِمَّا يزيل تنازعهم، وكذلك البادية إذا انتجعوا أرضًا طلبًا للكلأ، وارتفاقًا بالمرعى، وانتقالًا من أرض إلى أخرى، كانوا فيما نزلوه وارتحلوا عنه كالسابلة، لا اعتراض عليهم في تنقلهم ورعيهم.

والضرب الثاني: أن يقصدوا بنزول الأرض الإقامة فيها والاستيطان لها، فللسلطان في نزولهم بها نظر يراعَى فيه الأصلح، فإن كان مضرًّا بالسابلة منعوا منها قبل النزول وبعده، وإن لم يضر بالسابلة راعى الأصلح في نزولهم فيها، أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها”(5).

   والأهم من هذا أن الهدف من هذه الملكية بعيد عن طموحات أصحاب السلطة وعن المحاباة بها لذوي المناصب، فها هو عمر رضي الله عنه عندما حمى من الشرف أرضاً للصالح العام ولى عليه مولًى له يقال له: هني، وقال: يا هني ضمَّ جناحك عن الناس، واتَّقِ دعوة المظلوم فإنَّ دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك، فالكلأ أهون عليَّ من الدينار والدرهم، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا. إليها”(6).

موقف الدولة من الملكية الخاصة والنشاط الاقتصادي للأفراد:

وأما الملكية الخاصة والنشاط الاقتصادي للأفراد فلا دخل للدولة إلا بقدر ما يحفظ الصالح العام من منظور الشرع الحنيف وليس من مجرد الهوى والتشهي، فللدولة أن تمنع نشاطاً محرماً كإنتاج الخمور أو الاتجار فيما هو محرم أكله أو استعماله؛ وهذا واجب من واجبات الدولة، وليس من المعقول أن تقف الدولة متفرجة حيال الأنشطة المحرمة، فلقد صح – مثلاً – أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : “يأتي علي الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ من حلال أم من حرام” . فهل الدولة تتفرج على هؤلاء؟ وجاء عنه عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فأجاب:، الفم والفرج فهل وظيفة الدولة تنتهى عند إيراد هذا الوعيد؟ الواقع أن إقامة حدود الله فى الميدان الاقتصادى هو من صميم عمل الدولة(7).

   ولهذا ما يبرره في أصول هذه الشريعة؛ وهو أن الدولة مخاطبة بأحكام الحلال والحرام كالأفراد، وأن هناك من الأحكام ما لا ينفرد بكلفته الأفراد، يقول الإمام الجويني: ” أقسام الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام في مباغي الشرع ومقاصده ومصادره وموارده يحصرها قسمان ويحويها في متضمن هذا المجموع نوعان : أحدهما ما يكون ارتباطه وانتياطه بالولاة والأئمة وذوى الأمر من قادة الأمة؛ فيكون منهم المبدأ والمنشأ ومن الرعايا الارتسام والتتمة، والثاني: ما يستقل به المكلفون ويستبد به المأمورون المصرفون”(8).

   وإذا أدى الأفراد القادرون – بحسب ما حدده الشرع من أنصبة – ما عليهم من زكاة إذا كانوا مسلمين، أو من جزية أو خراج إذا كانو ذميين أو مستأمنين؛ فليس للدولة أدنى حق في أموالهم، فقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم من أخذ ما يزيد على ذلك ولو كانت الزيادة ليست في العدد وإنما في مجرد التميز؛ فقال لرسوله وعامله على اليمن: ” … فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم …”(9).

   أما الضرائب فالصحيح أنه لا يجوز للدولة أن تحصلها من المواطنين إلا للضرورة الملجئة، وبشروط عادلة، ” فالأصل العام والقاعدة المقررة في الشريعة الإسلامية: أن المسلم إذا ما التزم بدفع الواجبات المالية التي تتعلق بملكية المال الذي بيده ، فإنه لا يجوز بعد ذلك التعرض لما في يده من أموال دون حق، إلا إذا اقتضت ذلك الضرورة والمصلحة ضمن القواعد الشرعية المقررة ؛ لذلك رأينا كثيراً من النصوص الشرعية تتوارد منددة بالمكوس وأخذ الأموال دون حق ، ومن ذلك ما جاء عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (لا يدخل الجنة صاحب مكس) “(10).

    ولعلماء الشريعة كلمات منيرة تبين المنطلقات والضوابط؛ بما يكشف عن عدالة هذه الشريعة وحسن عنايتها وسياستها: فيقول الإمام الغزالي: ” إذا خلت أيدي الجنود من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لَخيف دخول العدو بلاد الإسلام، أو خِيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام – فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ؛ لأنا نعلم أنه: إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام من ذي شوكة ، يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور”(11).

   ويقول الإمام الجويني: ” إذا صفرت يد راعي الرعية عن الأموال ، لحاجات ماسة ، فلا يخلو الحال من ثلاثة أنحاء : الأول : أن يطأ الكفار ديار الإسلام – والعياذ بالله – فقد اتفق حملة الشريعة قاطعة على أنه يتعين على المسلمين أن يخفوا إلى مدافعتهم زرافات ووحداناً .. وإذا كان هذا دين الأمة ومذهب الأئمة ، فأي مقدار للأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال ، لو مست إليها الحاجة ؟ ! وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دم لم تعدلها ، ولم توازنها ، فيجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا فضلات أموالهم ، حتى تنجلي هذه الداهية ، وتنكف الفئة المارقة الطاغية”(12).

   ويقول الأمام الشاطبي: ” إذا قررنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود لسد حاجات الثغور … وحماية الملك المتسع الأقطار ، وخلا بيت المال ، وارتفعت حاجات الجند إلى مالا يكفيهم ، فللإمام – إذا كان عدلاً – أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت مال المسلمين ، ثم إليه ينظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك ، كيلا يؤدي تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب ، وذلك يقع قليلاً من كثير- بحيث لا يجحف بأحد -ويحصل المقصود”(13).

   ويقول الإمام ابن حزم: ” وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، إن لم تقم الزكوات بهم ، ولا في سائر أموال المسلمين ما يقوم بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة”(14).

   ولكن هناك شروط تحد من تسلط الدولة وشططها في هذا الميدان، من هذه الشروط :

  • أن تكون هذه الضرائب أمراً استثنائياً تدعو إليه المصلحة العامة للمجتمع، وتدبيراً مؤقتاً ، حسبما تدعو إليه الضرورة التي تقدر بقدرها ، ينتهي ويزول بزوال العلة والحاجة .
  • أن يكون الحاكم الذي يفرض هذه الضرائب عادلاً ، تجب طاعته، ليكون في هذا ضمان لعدم الظلم والعسف ، ولتحقيق العدل .
  • أن لا يكون هناك في بيت المال والخزينة العامة ما يكفي لسد هذه الحاجات ، ولا ينتظر أو يرجى أن يكون شيء من ذلك ، نظراً للظروف الطارئة، وأن يرد الحاكم وحاشيته ما عندهم من أموال فائضة إلى بيت مال المسلمين.
  • أن يقع التصرف في جباية المال وإنفاقه على الوجه المشروع.
  • كما يشترط أن تكون أحكام الشرع في تلك الحال نافذة كما يجب، وحدوده مقامة كما يرضى ، وأن تكون الوظائف في جهاز الحكم بقدر الحاجة ، لا تزيد عليها”(15).

   لكن يبقى ما هو أروع مما تقدم، وهو ما يمكن أن نسميه بالمحفزات الاقتصادية، فلقد وضعت الشريعة كثيراً من المحفزات للإنتاج ولتنشيط المشاريع الخاصة، من ذلك الإحياء، فلقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم جائزة لمن يحيي أرضاً مواتاً، وهي أن يتملكها، فقال: ” من أحيا أرضاً مواتاً فهي له”(16) ” وصفة الإحياء معتبرة بالعرف فيما يراد له الإحياء؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطلق ذكره إحالة على العرف المعهود فيه”(17).

   وهناك أيضاً ما يسمى بالأقطاع، وهي أن يقطع السلطان أو الإمام أرضاً لمن ينتج فيها، ولذلك شروط وضوابط، يقول الإمام الماوردي: ” إقطاع السلطان مختَصّ بما جاز فيه تصرفه، ونفذت فيه أوامره، ولا يصحّ فيما تعيَّن فيه مالكه وتميَّز مستحقه، وهو ضربان: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال”(18).

   ويقول الإمام ابن جماعة: مَا يقطعهُ السُّلْطَان ثَلَاثَة أَنْوَاع: إقطاع تمْلِيك، وإقطاع استغلال، وإقطاع ارفاق. 

النوع الأول: إقطاع التَّمْلِيك

وَهُوَ ثَلَاثَة أضْرب: أولها: إقطاع الْموَات الَّذِي لم يعمر وَلم يملك قطّ، فللسطان إقطاعه لمن يحييه ويعمره، فَيكون بإحيائه ملكا لَهُ كَسَائِر أملاكه، وَيكون أَحَق بِهِ؛ للحديث، وَيجوز لكل أحد إحْيَاء الْموَات بِغَيْر إِذن الإِمَام 

وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَصح الْإِحْيَاء إِلَّا بِإِذن الإِمَام الضَّرْب. ثانيها: مَا فِيهِ أثر عمَارَة جَاهِلِيَّة، وَصَارَت بطول خرابها مواتاً عاطلاً، فَيجوز للسُّلْطَان إقطاعه إقطاع تمْلِيك، وَحكمه حكم الْموَات. فَإِن كَانَت هَذِه الْعِمَارَة الْقَدِيمَة المعطلة إسلامية وَعرف مَالِكهَا فَهِيَ لَهُ أَو لوَرثَته. وَلَا يجوز إقطاعها وَلَا إحياؤها، فَإِن تعذر معرفَة مَالِكهَا لم تملك بِالْإِحْيَاءِ، بل هِيَ من أَمْوَال بَيت المَال، وَللْإِمَام أَن يقطعهَا. ثالِثها: عَامر فِي بِلَاد الْحَرْب الَّتِي لم يملكهَا الْمُسلمُونَ بعد، ويتوقع فتحهَا فَيجوز للسُّلْطَان أَن يقطعهُ لمن يملكهُ عِنْد فَتحه، فَإِذا فتحت كَانَ أَحَق بهَا من غَيره؛ فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] أقطع تميماً الدَّارِيّ جيرون وَبَيت عينون من أَرض الشَّام قبل فَتحه، وَرُوِيَ أَنه أقطع أَبَا ثَعْلَبه الْخُشَنِي أَرضًا فِي الرّوم، وَهِي فِي أَيْديهم، وَكتب لَهُ بذلك.

وَمَا سوى ذَلِك من الْأَرَاضِي الخراجية وَغَيرهَا من بَيت المَال، فَلَا يجوز إقطاعها إقطاع تمْلِيك؛ لِأَنَّهَا كالوقف المؤبد على مصَالح الْمُسلمين، فَلَا يَصح تمليكها بإقطاع وَلَا غَيره، وَلَكِن السُّلْطَان يسْتَعْمل فِيهَا مَا هُوَ الْأَصْلَح من استغلاله لبيت المَال أَو ضرب خراج عَلَيْهِ لمن يعْمل فِيهِ إن رأى ذَلِك، أَو يقطعهَا إقطاع الاستغلال.

النَّوْع الثَّانِي من الإقطاع: إقطاع الاستغلال، وَهُوَ قِسْمَانِ:

  • أَحدهمَا: أَن يقطع السُّلْطَان بعض الْأَرَاضِي الَّتِي يجوز إقطاعها لمن يستغلها بِنَفسِهِ ونوابه من غير تمْلِيك وَلَا تأبيد، بِمَا يسْتَحقّهُ من الْكِفَايَة، وَهُوَ جَائِز، فعله أَصْحَاب النَّبِي [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ، وَلم يزل ذَلِك مَشْهُورا بَين الْمُسلمين من غير إِنْكَار.
  • الْقسم الثَّانِي: أَن يقطع السُّلْطَان شَيْئا من الْخراج لبَعض الأجناد المرتزقة بِقدر مَا يسْتَحقّهُ لكفايته وَحَاجته، وَهُوَ جَائِز؛ لِأَن لَهُم أرزاقاً مقدرَة بِمَا أرصدوا نُفُوسهم لَهُ من حماية بَيْضَة الإٍ سَلام وَأَهله. 

وإِذا أقطع السُّلْطَان ذَلِك مُدَّة مُعينَة، وَاسْتمرّ المقطع على أَهْلِيَّته واستحقاقه، اسْتمرّ إقطاعه عَلَيْهِ إِلَى انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة، وَإِن مَاتَ فِي أثْنَاء الْمدَّة انحل إقطاعه بِمَوْتِهِ، وَيعود من حِين مَوته إِلَى بَيت المَال. 

ولَا يجوز إقطاع شَيْء من أَرَاضِي الْمُسلمين إقطاعاً مُؤَبَّدًا على رجل ثمَّ على أَوْلَاده وعقبه؛ لِأَن ذَلِك يَجعله كالأموال الموروثة، فَإِن أقطع إنْسَانا مُدَّة حَيَاته خَاصَّة: فقد قيل: لَا يَصح. وَالأَصَح: صِحَّته.

وللسُّلْطَان أَن يسترجع مَا أقطعه بعد تَمام السّنة، وَأما فِي السّنة الَّتِي هُوَ فِيهَا فَإِن حل عَطاء المقطع قبل حُلُول خراجها لم يسترجع الإقطاع، وَإِن حل خراجها قبل حُلُول عطائه جَازَ لَهُ أَن يسترجع الإقطاع، ويعوضه من ديوَان الْعَطاء.

  • النَّوْع الثَّالِث: إقطاع الإرفاق، وَهُوَ ضَرْبَان: أولهما: الْمَعَادِن الْبَاطِنَة فِي الأَرْض الَّتِي لَا يتَوَصَّل إِلَى نيلها إِلَّا بِعَمَل، كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة والنحاس وَالْحَدِيد وَنَحْو ذَلِك، فَيجوز للْإِمَام أَن يقطع مِنْهَا قدرا يَتَأَتَّى للمقطع الْعَمَل فِيهِ وَالْأَخْذ مِنْهُ.

وَإِذا أقطع السُّلْطَان شَيْئا من ذَلِك، فَالْأَصَحّ: إِنَّه إقطاع إرفاق، لَا يملك بِهِ المقطع وَفِيه الْمَعْدن، بل يملك الإرفاق بِهِ مُدَّة عمله فِيهِ ومقامه عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لأحد إزعاجه عَنهُ فَإِن تَركه وَأعْرض عَنهُ، زَالَ حكم الإقطاع، وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.

أما الْمَعَادِن الظَّاهِرَة: وَهِي الَّتِي يكون نيلها ظَاهرا لَا يحْتَاج إِلَى عمل: كالملح، والكحل، والنفط، والقار، والكبريت، والحمر فَهَذَا كُله لَا يجوز للسُّلْطَان إقطاعه، وَلَا يَصح، بل هُوَ مُشْتَرك بَين عَامَّة الْمُسلمين. 

ثانيهما: مَا بَين العمائر من الشوارع، والطرق، والرحاب، ومقاعد الْأَسْوَاق، فَإِذا لم يكن ملك أحد، وَلَا يضر الْمَارَّة، فَالْأَصَحّ: أَنه يجوز للسُّلْطَان أَن يقطعهُ لمن يرتفق بِهِ بِالْجُلُوسِ وَالْبيع وَالشِّرَاء خَاصَّة من غير بِنَاء وَلَا نَحوه، وَيكون المقطع أَحَق بِهِ من غَيره، وَلَيْسَ للسُّلْطَان وَلَا لأحد أَن يَأْخُذ على ذَلِك عوضا، سَوَاء جلس بِإِذن السُّلْطَان أَو بِغَيْر إِذْنه، فَإِن سبق أحد إِلَى مَا لم يقطعهُ السُّلْطَان من ذَلِك جَازَ لَهُ الارتفاق بِمَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن قَامَ عَنهُ بمتاعه كَانَ لغيره أَن يرتفق بِهِ”(19).

وأخيراً .. فإن الدولة والفرد في النظام الإسلامي يتكاملان ولا يتضادان، فليست في شريعتنا ولا في تراثنا الفكري تلك الجدليات والصراعات بين الفرد والجماعة ولا بين السلطة والحرية الشخصية؛ لأن الأصل الذي يحكم الجميع هو الدينونة لله الواحد القهار.

المصادر

  1. حسن السلوك الحافظ دولة الملوك – لابن الموصلي – دار الوطن – الرياض – (ص: 64)
  2. الحرية الاقتصادية وتدخل الدولة – حمدي المزين – موقع: الإسلام دين الحرية
  3. النظـــــام الاقــــتــــصادي في الإســــــلام – د/ مسفر بن علي القحطاني – الأستاذ المساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن ط 1423هــ / 2002م ص 11
  4. الأحكام السلطانية – : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي – دار الحديث – القاهرة – (ص: 275)
  5. الأحكام السلطانية – : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي – دار الحديث – القاهرة – (ص: 279) بتصرف
  6. الأحكام السلطانية – : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي – دار الحديث – القاهرة – (ص: 276)
  7. راجع الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر – محمد الغزالي ص 93 وما بعدها
  8. غياث الأمم في التياث الظلم للإمام الجويني – ط دار الدعوة صــــــــ10-11
  9. متفق عليه، صحيح البخاري (1395) صحيح مسلم (19)
  10. مدى تدخل الدولة في فرض الضرائب وتوظيف الأموال – عثمان جمعة ضميرية – مجلة البيان (13/ 41)
  11. المستصفى من علم الأصول للغزالي 2 /304-305 ، مطبوع مع مسلَّم الثبوت
  12. الغياثي للجويني 256-273
  13. الاعتصام – للإمام الشاطبي  2 /121-123
  14. المحلَّى – ابن حزم  6/224-227 
  15. مدى تدخل الدولة في فرض الضرائب وتوظيف الأموال – عثمان جمعة ضميرية – مجلة البيان (13/ 41) 
  16. رواه البخاري 3/106  وأبو داود (3073) والترمذي (1378) والنسائي (5724) وأحمد (14272)
  17.  الأحكام السلطانية – : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي – دار الحديث – القاهرة –   (ص: 264)
  18.  الأحكام السلطانية – : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي – دار الحديث – القاهرة –  (ص: 283)
  19. تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام – بدر الدين بن جماعة – (ص: 107 – 117 ) بتصرف واختصار

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *