By / 28 فبراير، 2019

وقفة مع آية (1) {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}

في خضم الانشغال بالثورات وطرائق التغيير ومواجهة الأنظمة الإجرامية حصل ابتعاد ظاهر وملموس عن كتاب الله جل وعلا!! وهو ما أصاب جسد الحركة الإسلامية نفسها، ناهيك عن موجة الانتكاسات والبعد عن الطريق نفسه، ولا أخفي سرًّا حينما أقول إنني تأثرت بذلك على المستوى الشخصي، ولم تعد علاقتي بالقرآن كما كانت، لذلك أحببت أن يكون لي وقفات حول آيات من كتاب الله سبحانه، بحيث نقف مع الآية الواحدة دقائق معدودة، نستخرج منها فوائد وعبرًا وعِظات، محتسبين ذلك من الجهاد الذي قال الله عز وجل عنه: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}؛ قال ابن كثير: يعني بالقرآن، قاله ابن عباس. اهـ

ورحم الله صاحب متن الشاطبية حيث قال:

وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ ...  وَأَغْنَى غَنَاءٍ وَاهِباً مُتَفَضِّلَا
وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ ...  وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً

وآثرت أن أبدأ هذه السلسلة بجزء من آية في سورة الإسراء، وهي قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، عسى أن تكون هذه البداية خير حافز لاستكمال هذه السلسلة والمداومة عليها.

يقول الشنقيطي –رحمه الله- في أضواء البيان: وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. اهـ

ونحاول هنا أن نجمل ونلخص ذلك في نقاط محدودة، بما يتناسب مع هذا المقام كالتالي:-

  • هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في أمر العلاقة بين العبد وبين ربه جل وعلا، وقد أسس القرآن هذه العلاقة على التوحيد، بحيث لا يعبد الإنسانُ إلّا إلهًا واحدًا. ويؤمن بأن الواحد الأحد الذي خلقه ورزقه ودبَّر أموره هو الوحيد المستحق للعبادة، وأن في ذلك راحته وطمأنينته.

وقد قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} يقول السعدي: المشرك فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربّه، قد خلّصه الله من الشَّركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة. اهـ

وهذا بالطبع في الدنيا، أما في الآخرة.. فالموحد في راحة أبدية ونعيم مقيم. وأما المشرك فحياته ضنك في الدنيا، ومآله في الآخرة إلى الجحيم والعذاب الأليم.

قال ابن القيم في الداء والدواء: ولا تحسب أن قوله تعالى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة كذلك، أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل واد منه شعبة؟ وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب.

  • هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في أمر العلاقات الاجتماعية بحيث يُمَثّل المجتمع الملتزم بأحكامه نموذجًا للعِفَّةِ والطهارة والنقاء، فمن جِهة.. جعل الزنا جريمة تستحق العقاب، كما حَرَّم مقدماته وسَدَّ الطرق التي تؤدي إليه، ومن جهة أخرى شرع تيسير أمر الزواج وبيّن أحكامه ومتعلقاته، بداية من أمر الخِطبة إلى أركان وشروط العقد وآداب الزفاف، حتى أدق تفاصيل العلاقة الزوجية وحقوق الزوجين، كما حدّثنا عن بِرّ الوالدين وأوصانا بالأبناء، وأمرنا بصلة الأرحام، إلى غير ذلك مما يستحيل حصره في هذا المقام.

ولم يترك القرآن أمر الفراق بين الزوجين لاجتهاد البشر، بل بيّن طرائقه الشرعية الصحيحة (الطلاق – الخُلع – التفريق)، وما يترتب على كل طريق من حقوق وواجبات، وأرشدنا في سياق ذلك إلى العفو وألا ننسى الفضل بيننا لِئلّا تسوء العلاقات وتتمزق الروابط بين أبناء المجتمع الواحد.

وفَصَّل القرآن أحكام المواريث تفصيلًا بديعًا مُحكمًا بحيث لم يأتِ مثله تشريع قَط، كما بيَّن الحقوق والواجبات بين الجيران والأصدقاء والزملاء، وضوابط وحدود العلاقات بين الذكور والإناث (كالحجاب وغض البصر وغير ذلك)، وذكر أصل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل حتى قواعد وأسس الحكم (كوجوب العدل وتحريم الظلم)، كذلك تفاصيل العلاقة بين المؤمنين والكافرين بناءً على عقيدة الولاء والبراء، إلى آخر ما يتعلق بأمور العلاقات بين البشر.

  • هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في أمور الحكم والتشريع من أجل حفظ ضروريات الحياة الخمس (الدين والنفس والعرض والعقل والمال) فَشُرِع جهاد الطلب من أجل إعلاء راية الدين وإبلاغه للناس كاملًا غير منقوص {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، كما شرع حَدُّ الرّدّة لمنع التلاعب بأمر الدين “مَن بَدَّل دِينَه فاقتلوه” وكذلك الأمر فيما يتعلق ببقية الضرورات، فالنفس بالنفس والجروح قصاص، وبين أن الحياة لا تستقيم بدون ذلك {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، والثيب الزاني يُرجَم حتى الموت (كما في الآية المنسوخة تلاوة الباقية حُكمًا) والبكر يُجلَد علانية أمام الناس {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} والسارق تُقطَع يده {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} وشارب الخمر الذي يُذهب عقلَه ويُتلفه يُجلَد، كما شرع القرآن عقابًا خاصًّا للذين اجتمعوا وتكتلوا للإفساد في الأرض {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} وهكذا من أجل حماية المجتمعات والحفاظ عليها من المجرمين المعتدين.

وليس هذا فقط، بل زاد تفصيل القرآن ليبين لنا ثمرات التحاكم إلى شرع الله جل وعلا، فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}.

  • هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم حتى في أمر الحروب والمعارك والصراع مع الأعداء، حيث أمر بالوفاء بالعهود والالتزام بالمواثيق ومنَعَ الغدر والخيانة، ونهى عن قتل العُبّاد في صوامعهم والنساء والأطفال والعجائز مالم يشاركوا في الحرب، وأمر القادة بفتح المجال للأعداء قبل بدء المعركة بالدخول في الإسلام أو الاستسلام ودفع الجزية وإفساح الطريق أمام حكم الله ليسري على عباد الله. حتى قالت إحدى الباحثات في مجلة ميشيغان للقانون الدولي: “إن القيود المفروضة على المسلمين أثناء إدارتهم للحرب تعطي للجهاد بُعدًا أيدولوجيًّا في موضع أخلاقي، من الواضح أنه كان مفقودًا في ممارسة الحروب في فترة ما قبل الإسلام” وقالت أيضًا: قبل تدوين اتفاقية جنيف بأكثر من ألف عام كانت معظم الفئات الأساسية للحماية التي توفرها هذه الاتفاقيات موجودة بالفعل في شكلها الأساسي في التعاليم الإسلامية”

وقد عجزت الأنظمة العالمية والامبراطوريات العظمى على مدار التاريخ أن تنتج للبشرية نظامًا أقوم أو أهدى من النظام الذي جاء به القرآن خصوصًا والإسلام عمومًا في شتى المجالات. وصدق الله حيث قال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}. وقال الشيخ ناصر العمر (فك الله أسْرَه): إذا تأمّلنا هذا الإطلاق في قاعدة {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} أدركنا أنها آية تتجاوز في هدايتها حدود الزمان والمكان، وتتجاوز كل الأنظمة والقوانين التي كانت قائمة والتي ستقوم بعد ذلك. اهـ

والله من وراء القصد.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *