By / 29 يناير، 2019

ولو كانوا آباءهم

محمد سلطان، المصاب في رابعة، ابن الأسير الدكتور صلاح سلطان، صاحب القضية المشهورة والإضراب الأطول في تاريخ السجون (نحو 500 يوم)، والذي كان من أهم أسباب خروجه جنسيته الأمريكية، والناشط المعروف..

تفاجأ محمد أن خاله لواء الشرطة المصرية لم يسع في الإفراج عنه ولا عن أبيه، بل ولم يحاول زيارتهم في محبسهم.. صبَّ عليه جام غضبه، وقاطعه عندما خرج من السجن!

خاله، لواء الشرطة، فيما بعد أصيب في سيناء بعاهة دائمة، أخرجته من الخدمة في الشرطة.. مع إلحاح الأم استجاب الابن واتصل بخاله أخيرا، استقبل خاله الاتصال فرحا، وانزاح ما بينهما من سخط قديم، ويختم محمد سلطان مقاله بدعوة عامة لتغليب الحب والأمل على الكراهية والبغضاء..

هنا أود أن أعلق على فكرة المقال، بغض النظر الآن عن هذه الواقعة تحديدا وعن شخص الكاتب كي لا يتحول الأمر إلى شخصنة والموضوع أهم من هذا:

1. هذا ليس الموقف الأول ولن يكون الأخير الذي أقتنع فيه بأن الفكرة لها الهيمنة على كل شيء، وأن الفكرة أقوى من الظروف والأحداث والوقائع، الفكرة هي تفسير الحدث وتفسير الواقعة، وهو التفسير الذي يصالح بينها وبين مجمل الأفكار الأخرى المترسبة كقناعات وعقائد في قلب المرء.

والسيطرة على التفكير هي السيطرة الكاملة على الإنسان.. والذي ينجح في السيطرة على تفكير أحد ينجح في توظيفه وتوجيهه واستعماله بغض النظر الآن عن طريقة التعامل الحقيقي معه!

أبسط مثال يمكن ضربه هنا: الجندية

يمكن للقائد إهانة الجندي وإذلاله وضربه وتعذيبه وحبسه، لكن لكي تتحطم روح الرفض والمقاومة يجب على القائد أن يغرس في جنوده فكرة تقول: هذه هي الجندية، هذه هي طريقة صناعة الرجال، هذا هو الانضباط، هذه هي القوة والفتوة والبطولة، هنا تظهر قوة التحمل، أنت جندي لست كالمدني الرخو الناعم المرفه المترف … إلى آخر هذا كله!

هذه يسميها بعض الفلاسفة “إنتاج المعنى”.. لا بد لكي يترسخ تصرف ما أن يغطى بمعنى يبرره ويشرعنه ويؤصله ويحطم روح المقاومة.. التسمية القرآنية لهذا هي “زخرف القول”، وهي تسمية أدق وأوضح وأظهر للفكرة.

والفارق بين جندي يتمرد وجندي لا يتمرد هو الفارق بين تشربهما للفكرة التي تبرر و تشرعن وتؤصل لهذه الإجراءات..

الموضوع طويل، ولكن هذه مجرد نبذة عنه..

2. مناسبة هذا أني رأيت كثيرا قبل الثورة وبعدها وقبل الانقلاب وبعده من لم يؤثر فيهم شيء من هذا كله وبقيت قناعاتهم كما هي.. ومع كل هذه الأحداث المهولة لم يتزحزحوا عن مواقف أصيلة سابقة لهم.. كانت قناعاتهم أقوى من الأحداث، أو بعبارة أخرى كانت قناعاتهم تعمل على تفسير الأحداث تفسيرا لا يتصادم مع منظومة الأفكار والعقائد الراسخة من قبل.

أعرف مثلا من جميع أسرته بين شهيد وأسير وطريد، وهو مع ذلك يرى أنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان..

أعرف مثلا من بذل مهجة نفسه -وهو الأستاذ الجامعي المحترم- وأيام عمره -وهو الناجح عمليا الذي تحسب دقائقه بالأموال- في تسول التوافق الوطني مع النخبة السياسية قبل وبعد الثورة بسنوات وبعدها بسنوات.. وقد أخفق في كل هذه المساعي، وصار الآن طريدا.. ثم هو سائر في نفس هذا الطريق لا يريد أن يفكر مجرد تفكير أنه طريق مسدود، مع أنه في لحظت أخرى يروي عجائب من الصدود والنكران و المخادعات التي تعرض لها.. وقد تركته قبل أيام مشغولا في محاولة أخرى.

إن المذابح التي جرت في مصر لم نشاهدها في التلفاز، لقد كنا ضحاياها، لا تزال آثار الإصابات في أجسادنا، ولا تزال راسخة في بيوتنا عذابا ومرارة ومعاناة، وإذا كان لدينا مائة ألف معتقل فنحن نتحدث على الأقل عن نصف مليون حالة معاناة وبؤس في بلد يعاني فيه الإنسان بالضرورة.

لهذا، فإن الدعوة إلى الحب والأمل وتغلبها على الكراهية ليست دعوة صادرة عمن شاهد المذابح من بعيد، أو قرأها في كتاب، بل عن الضحية نفسها..

شيء يشبه -مثلا- أن تتصور بلال بن رباح وسمية وعمار بن ياسر وهم يغلبون طاقة الحب والأمل على طاقة الكراهية تجاه أمية بن خلف وأبي جهل.. لكنهم يغلبونها وهم ما زالوا تحت أيديهم في العذاب..

نحن لسنا في لحظة فتح مكة مثلا، لنقول “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.. ساعتئذ ربما نغلب طاقة الحب والأمل على طاقة الكراهية التي لم تنبعث في نفوسنا لأنها نفوس شريرة، بل انبعثت من واقع العذاب والمرار والقتل والمعاناة، فانبعاثها هو الشيء الطبيعي ورد الفعل الفطري التلقائي..

(هذا مع أن فتح مكة نفسه شهد نداء من النبي بقتل عشرة ولو تعلقوا بأستار الكعبة، بل وحديث “اذهبوا فأنتم الطلقاء” ضعيف، والعلماء مختلفون ما إن كانت مكة فتحت صلحا أم حربا.. وهذا أمر خارج سياقنا الآن)

بل إن بلالا حين أتيحت له الفرصة للانتقام من أمية بن خلف لم يتركها تفلت، وقد كاد أمية أن يؤسر لولا أن رآه بلال فلم يسمح بأسره بل سارع فقتله.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اشتد عليه القوم نهرهم وزجرهم وهددهم، وذات يوم بلغوا من آذاه مبلغا فقال لهم في صحن الكعبة “لقد جئتكم بالذبح”! وقد حارب النبي قومه، وتوعد عمه بالعذاب “تبت يدا أبي لهب وتب”، وحارب الصحابة آباءهم وأبناءهم، وهذا أمين الأمة أبو عبيدة بن عامر بن الجراح قتل أباه في غزوة بدر، وكاد أبو بكر يقتل ابنه في بدر، ورأى أبو حذيفة مصرع أبيه عتبة بن ربيعة في بدر، ورأى مصعب بن عمير أسر أخيه في بدر، وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول إلى النبي يستطلعه في أبيه في الحادثة المشهورة.

نعم نعم نعم.. أعرف أن بعض الناس يحيك في صدره هذا الكلام، وأعرف أيضا لماذا؟

لأن الإسلام الذي تلقيناه من دعاة مدجنين مخنثين (هذه حقيقة لا تمحو فضلهم وإخلاص كثير منهم) حذف كل هذا أو ضيقه حتى يخرجنا مواطنين صالحين، صالحين بمعنى صالحين بالمعنى الوطني السلطوي لا بالمعنى الديني، صالحين بمعنى الاستسلام للقانون ولو كان ظالما لا مكافحته ومقاومته، فإذا فكرنا في مقاومته فلنسلك المسالك التي رسمها لنا نفس هذا القانون لتعديله!!

على كل حال، سيظل هذا هو الدين.. والحمد لله على نعمته العظمى بأن حفظ الدين وجعله غير قابل للتحريف، وهيأ لكتابه وسنة نبيه من حفظهما حتى لم يعد لتحريفهما سبيل.

3. هل معنى هذا أن العلاقة التي بيننا وبين السيسي وأجهزته هي نفس العلاقة التي بين النبي وأصحابه وبين كفار مكة؟

لنبتعد الآن عن قضية كفرهم كنظام، أو قضية كفر السيسي وكبار أعوانه كأفراد.. لنغلق هذا الملف كله الآن، ولنبحث في الحد الأدني

إذا كان المرء لا يزال يرى في حكم السيسي حكما مجرما سفاحا ارتكب المذابح، وهو ينشط لفضحه وتعريته في كل ناد.. فيجب بالضرورة أن يسحب هذا الحكم على أعوانه الذين ينفذون سياسته..

ترى لو اطلعنا على الغيب، فكم يتيم وكم أرملة وكم قتيل وكم معذب وكم بيت مهدوم كان للواء الشرطة هذا نصيب في صناعة مآسيهم؟!

إذا كنا سننحاز للحق (الذي نراه ونعمل له) فسيكون الموقف واضحا.. وإذا كنا سننحاز للقرابة ونجعلها فوق الحق، فسيكون الموقف واضحا..

لكن هذا الموقف غير مفهوم، موقف أن أغلب طاقة الكراهية والبغضاء تجاه السيسي، ثم أغلب الحب والأمل تجاه ذراع السيسي التنفيذية التي تصنع المآسي بشكل مباشر!

هذا إن كان الموقف صادرا عن قناعة فكرية..

أما لو استسلمنا للمواقف العاطفية فلن نستطيع تحديد أي موقف أخلاقي تجاه أي شيء!

4. المأساة الأكبر هنا أنه يُطلب منا نحن أن نتخذ هذا الموقف.. نحن المقتولين المسحوقين المعذبين المطرودين..

يعني هذا الخال قد اتخذ موقفه بغير تردد، استمر في النظام، نسي صلة الدم وصلة المصاهرة، خاض معركة فض رابعة، وربما لو جاء ابن أخته أمامه فلربما قتله ولم يبالي، لم يفكر في الإفراج عن رحمه وصهره، لم يفكر في زيارتهم، عمل ضمن المنظومة التي تستبيح سيناء، وفي ظل هذا كله جاءته إصابة من رد فعل لا يمثل واحدا على مليون من الإجرام الذي يحصل هناك فأخرجته من الخدمة!

الواقع أن هذا الرجل خاض معركته كما ينبغي لمن كان في موقفه، الحق الذي يراه (بفرض أنه مقتنع به) كان فوق صلة الدم والصهر والصحبة القديمة، وكان فوق الإنسانية نفسها.. الدولة والنظام فوق البشر، الضبط والربط فوق الحرية والفوضى، السلطة فوق الشعب، إرادة العسكر فوق إرادة الناس.. وقد أداه كل هذا إلى أن يتخذ موقعه في المعركة، وقد وقف فيها بكل ما ينبغي لجندي في معركة أن يقف!

لقد خاض معركته حتى آخر ما في يده.. حتى سقط!

أحيانا والله يعجبني ثبات أبي جهل وعتبة بن ربيعة وحيي بن أخطب.. نعم والله، مثلما يعجبني بحق أن العسكر يخوضون المعركة بجد لا هزل فيه، مهما كانت التكاليف والخسائر، إن شعروا بإدانات أوروبية هددوهم باللاجئين، إن شعروا بحراك هددوا بتحويل البلد إلى سوريا والعراق (سوريا والعراق نفسها دليل على جدية أهل الباطل في خوض معركتهم حتى النفس الأخير بلا أي اعتبار)

مثلما يعجبني عمرو أديب وهو يقول: انتوا فاكرين انكم هترجعوا تاني، والله أبدا، هنجيب عاليها واطيها.. ويكررها للتأكيد!

ولقد كنت أتمنى والله أن يكون لنا نفس هذا الإصرار، بل وهذا الإصرار شرط في أي محارب يرجو النصر..

لكن الذي حدث أن طاقة الحب والأمل لدينا حولتنا إلى كائنات أليفة لطيفة مسالمة رخوة ناعمة، لا يخشى الذي يفترسها شيئا، وهو ما جعل دماءنا وأموالنا غنيمة سهلة باردة، وهو ما جعل الانقلاب علينا أسهل وأغرب انقلاب في التاريخ (انقلاب لم يُصَب فيه عسكري واحد بخدش) وخرج معهم الرئيس مسالما إلى حيث زنزانته، والجموع تعرف وتهتف “سلميتنا أقوى من الرصاص” حتى ذبح الرصاص آلافا منهم!

لئن كان ثمة من يُنادى عليه بتغليب طاقة الحب والأمل على الكراهية والعداء فنحن آخر من يُقال لهم هذا.. نحن آخر من يقال لهم هذا لأنه لم يسحقهم إلا طاقة الحب والأمل التي تضخمت حتى صارت طاقة الزيف والوهم، ثم نحن آخر من يُقال لهم هذا لأننا لا نملك أصلا أن نغلب شيئا على شيء فنحن المسحوقين الذين لا يملكون قرارهم.. وسواء أكان المسحوق يحمل طاقة حب أو طاقة كره فلن يؤثر هذا في نفس سجانه وجلاده ومستبيح ماله وعرضه ودمه!

5. يحتاج الأمر دراسة نفسية معمقة..

لماذا تهيمن علينا الأحلام الوردية عن السعادة والهناء والتلاحم الإنساني حتى في ظل النهش والافتراس الذي يأكل لحمنا ويشرب دماءنا؟

لماذا تهيمن علينا أحلام التوافق الوطني العابر للأفكار حتى في ظل المذبحة التي توافق فيها الجميع ضدنا، وكان لكل منهم نصيب وافر من لحمنا ودمنا؟

لماذا تهيمن علينا أفكار السلام ونحن المنهزمين في الحرب، أحسن من فينا من تمكن من الفرار بنفسه؟

هل هذا من كثرة تعرضنا للمسلسلات والأفلام والروايات ذات النهايات السعيدة.. فتشكلت الحياة في وعينا على هذه الصورة، فنحن نستعجل النهاية السعيدة في الواقع رغم أنها لم تأت ولا يبدو أنها ستأتي قريبا؟

لماذا يخوض عدونا معركته جادا حاسما قاطعا، لا يتهاون ولا يتكاسل ولا يسأل نفسه عن طاقة حب وأمل، ولا يفكر في غرسها في أحد.. ونحن منذ أول مسيرتنا حتى الآن نتهرب حتى من التفكير في الأسئلة الجادة الحقيقية المفصلية الفارقة التي تضعنا في مواجهة الواقع؟

يحتاج الأمر حقا دراسة نفسية.. والله المستعان!

أحتاج أن أعيد التأكيد والتنبيه في نهاية هذا المنشور على أنه وإن كُتِب بمناسبة خاصة إلا أن المقصود به عام، وهو أوسع من أن يكون ردا على حالة بعينها، والموضوع أهم وأكبر من أن يكون شخصيا.


Comments
  • ملخص المقال فى قول قيادات حماس والمجاهد إسماعيل هنية ( تفاوضنا مع الصهاينة تكون يد على الزناد ويد تسلم )
    الصهاينة هنا فكرة سواء يهودى او مسيحى او مسلم
    الحق يحتاج إلى قوة بجانبه لغة العواطف ليس وقتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *