By / 1 يناير، 2019

وهنًا على وهن (قوة استثنائية)..

الكاتبة : يسرا جلال

تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، تأخذ نَفْسًا عميقًا ثم تتابع التلاوة :”هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملًا خفيفًا فمرت به فلما أثقلت ….”توقفت ثانية لتنظر في عيني قائلة:”آه والله أثقلت … سبحانه أدرى بِنَا .والله إنه كما قال”وهنًا على وهن”….

تستأنف التلاوة بينما يتحرك صغيرها ضاغطًا على رئتيها .. طالما تحدثت عن رغبتها في إنهاء سورة الأعراف قبل أن تضع صغيرها… رغبة تشهد عليها أنفاسها المتلاحقة وتغلبها على وهنها.

وكأن الله وهبها مع حملها (قوة استثنائية) تمكنها من الاضطلاع بمسؤوليتها الجديدة.

قد تبدو المرأة أثناء حملها أكثر ضعفًا، ولكنه ضعف تستمد منه قوة… قوة تعينها على المضي قدمًا في الحياة بينما تتخلق داخل رحمها حياة جديدة.

أربعة كيلو مترات قطعتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها لثلاث ليالٍ طوال بين مكة وجبل ثور أثناء حملها بعبدالله بن الزبير، تسير في حذّر معتمدة على أخيها عبدالله ، تلف نطاقها حول بطنها المنتفخ بينما تغوص قدماها في رمال الصحراء الناعمة، من يشك في حامل تتهادى في مشيتها ؟ لن تحملها رجلها المثقلة إلى جبل ثور. أما أسماء فلم تكتف بقطع كل تلك المسافة بل كانت تتحامل على نفسها وتصعد الجبل لا تعيقها الصخور الملساء المنزلقة عن الاطمئنان على الحبيبين؛ محمدٍ وصاحبه. كانت الهجرة النبوية بعثًا وحياة جديدة وكان لأسماء صاحبة القوةا لاستثنائية فيها دور البطولة.

وأعجب من ابنة الصديق أم سُليم بنت ملحان التي شاركت بخنجرها في غزوة حنين أثناء حملها في ابنها عبدالله وذكرت أنها ستبقر به بطن من يدنو منها من المشركين.

وليس بعيدًا عن ميادين الجهاد لم تنتظر فاطمة ابنة الحافظ البرزالي استقرار حالتها الصحية بل شرعت في نسخ صحيح البخاري أثناء حملها وأنهت مايقارب نصفه بخط جميل في زمن اعتمد على ما يخطه النساخون قبل اختراع الطباعة، وأثناء انشغالها بالنسخ وضعت وليدها ويبدو أنها مرضت أثناء نفاسها وشارفت على الموت مرات خشيت فاطمة أن يسبقها الموت قبل إنهاء نسخ الصحيح فكانت كلما تشافت عادت لتكمله، حتى فرغت منه وشرعت في كتابة صحيح مسلم ولكن الموت عاجلها.

همة عالية، يحدوها يقينها أن الأرض لن تتوقف عن الدوران في انتظارها، يقينها أنها تملك يومها الذي أشرقت شمسه فلا تنتظر مساءه.

وأثناء حملها كانت المناضلة التونسية الشابة مجيدة بوليلة تداوم على حضور اجتماعات الاتحاد النسائي الإسلامي وتشارك في الأنشطة التطوعية واعتقلتها القوات الفرنسية وتوفيت في محتشد تبرسق عقب تعرضها لنزيف أثناء الولادة.

وفِي زماننا الذي تعددت فيه مهام المرأة داخل وخارج البيت نعرف كثيرات قدمن لاختبار الثانوية أثناء حملهن، مع ما يرافق الحمل من تعكر للمزاج و إرهاق بدني وفقدان للشهية -في الوقت الذي يحرص فيه أي طالب على تهيئة جو نفسي مناسب للمذاكرة وتصفية ذهنه وقطع شواغله.

يمنح الله الأم أثناء حملها قوة استثنائية…تدير بها شؤون يومها…تتعبد لخالقها… تمارس عملها…..تدرس ….تجاهد.

قوة استثنائية منشؤها الأمل…تلك الحياة الجديدة المتخلقة في رحمها تذكرها أنها قادرة على مواصلة العطاء، بل والبدء في عطاء من نوع جديد، وحساب خطواتها الجديدة في الحياة تمامًاكما تحسب الأيام المتبقية على ولادة طفلها.

لذا فالحياة لا تتوقف أثناء الحمل، ولكنها تتشكل بصيغة جديدة تلائم الحياة الجديدة المنتظرة.

تدفع الأم الأيام دفعًا. تمر عليها أيام الحمل ثقيلة، لا يهون ثقلها إلا التطلع من سجاف الغيب إلى تلك الأيام التي تحمل فيها وليدها… تعرف أن العناية بالصغير قد تشغلها وتأخذ من ساعات يومها، فتجتهد أيام حملها اجتهادًا تحسب أنها لا تجيده بعد الوضع، ويفتح الله عليها من بركات علمه ورحمته ما يعينها على مواصلة الطريق…

طالبتي…؟ وضعت صغيرها بالفعل…

تحمله الآن بين ذراعيها، وفيما تبدو عيناها ذابلتان إثر سهر طويل مع المولودة الجديدة، بدأ صوتها أكثر تمكنًا بينما تقرأ من سورة النحل: “والله أخرجكم من بُطُون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”

 


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *