By / 23 أغسطس، 2020

يسجن معارضي التطبيع.. هل يخطط ابن سلمان لمصافحة نتنياهو؟

منذ خروج العلاقة بين إسرائيل والإمارات للعلن في 13 أغسطس 2020، والأنظار كلها تتجه إلى الرياض حيث يجلس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والسؤال المحتوم يتردد بقوة، متى يعلن القصر الملكي تطبيع العلاقات مع تل أبيب بشكل علني مثلما فعلت أبوظبي؟.

الجميع أصبح موقنا بأن المسألة مجرد وقت، قد تتأخر الخطوة قليلا، لكنها حتما قادمة، لأن المقدمات تفضي إلى نتائج، وكل المؤشرات منذ صعود ابن سلمان لسدة الحكم في الرياض تؤكد ذلك، فما هو سر منذ سنوات لا بد له أن يخرج للعلن يوما ما.

عقب تسلمه منصب ولي العهد في يونيو/حزيران 2017، شن محمد بن سلمان حملة أمنية على دعاة ومشايخ وناشطين حقوقيين وإعلاميين كان صوتهم عاليا ضد التطبيع مع إسرائيل، فغيبتهم معتقلات النظام السعودي.

عدد من أولئك الدعاة أصدروا فتاوى عارضوا فيها التطبيع بشكل قاطع، وحذروا منه، وانتقدوا بقوة الداعين إليه، ورغم اعتقالهم على يد ابن سلمان إلا أن آراءهم وفتاواهم بقيت موثقة على شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

مسخ العقلية

أبرز من حذر من التطبيع، الشيخ الدكتور سلمان العودة، قائلا في إحدى محاضراته: “التطبيع، في الحقيقة، الهدف الأساسي من عملية السلام، وإذا كان الأصوليون والفقهاء يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن من السذاجة أن يحكم أحد على عملية السلام مع إسرائيل أو مع اليهود، إنها هدنة بين طرفين متحاربين، كما يتكلم الفقهاء عادة عن موضوع الحرب والسلام”.

وأضاف العودة الذي تعتقله السلطات السعودية منذ 2017: “السلام الذي يتكلمون عنه هو عبارة عن مسخ وتغيير للعقلية العربية والإسلامية أولا، ثم عبارة عن ترسيخ لدعائم الوجود الإسرائيلي الموجود في هذه الأرض حتى يكون منطلقا للعلم، والحضارة، والتقدم والصناعة، والاقتصاد، بل والأمن في المنطقة العربية، بل في المنطقة الإسلامية بأسرها… هذا هو التطبيع الذي  يتحدثون عنه”.

وتابع: “إسرائيل ومن ورائها العالم الغربي تسعى بكل إمكانياتها وقواها إلى تطبيع علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية، من الناحية العقلية، والعقدية، والفكرية، ثم من الناحية السياسية والاقتصادية والحضارية، والسياحية، والعلمية… وقد يقول قائل بعد سنة أو سنوات: ما كنتم تقولونه لم يجر، فنقول: هذا ما يخططونه ويسعون له بكل وسيلة”.

تغيير القناعات

تحدث الشيخ العودة في محاضرته عن مجالات  التطبيع قائلا: “يشمل التطبيع مجالات عدة كما هو ظاهر، وهو بالدرجة الأولى يشمل المجال الديني، والثقافي، والفني، أي مجال تغيير العقليات العربية والإسلامية للقبول بـإسرائيل كواقع لا بد من الاعتراف به، وإزالة خلفيات الصراع العقلية لدى المواطن العربي المسلم”.

ثم عرج للحديث عن آلات وأدوات التطبيع ودورها في تغيير القناعات، بقوله: “الآلة المباشرة للتواصل بين الشعوب هي المجالات الثقافية، والفنية، والإعلامية، ولا بد من تغيير قناعاتها ضد إسرائيل، والصراع من المعروف أنه يوجد في وعي الشعوب قبل أن ينتقل إلى الواقع، والمطلوب ببساطة في نظر اليهود هو نـزع العداء من العقل المسلم استكمالا لنزع السلاح من اليد المسلمة، وهذه عند اليهود ليست مهمة مستحيلة، بل هي مهمة ممكنة وإن كانت صعبة”.

واسترسل العودة: “فإذا كان العداء الموجود في عقل المسلم يأتي عن طريق التعليم فيجب تغيير مناهج التعليم وإزالة كل الأسباب التي تغرس العداء في عقل المسلم عن اليهود، وإذا كان هذا العداء يأتي عن طريق الإعلام، فيجب صياغة الإعلام ورسم سياساته بما يضمن وجود قدر من التفاهم بين شعوب المنطقة، وقدر من الإيمان والقناعة لدى المواطن والفرد العادي بإسرائيل وحقها بالعيش بسلام ضمن دول المنطقة”.

مرتزقة!

العودة يتحسر على أولئك الذين دعوا للتطبيع فيقول: “لا يؤسفنا أن يتهالك على امتداح السلام وأطرافه ورموزه، بعض المنافقين والمرتزقة، فهم هكذا دائما، لكننا لا نخفي أسفنا من بعض المنسوبين أو المحسوبين على الدعوة الإسلامية الذين تورطوا من قبل في تأييد خطوات السادات الخيانية حينما ذهب إلى القدس للزيارة التي ظنوها مفاجئة، ولم يدركوا ما أبعادها وما وراءها من خطط ومراحل، وهم الآن يرفعون عقيرتهم لتأييد مؤتمر مدريد للسلام، وقد كان لهؤلاء في الصمت مندوحة إذا قصرت بهم أفهامهم عن إدراك أبعاد المؤامرة ومراميها”.

الصنف الذي ألمح إليه العودة ينتمي له الداعية الأردني الذي يحمل الجنسية الإماراتية وسيم يوسف الذي نشر عدة مقاطع مصورة وتغريدات على حسابه بتويتر عقب إعلان الإمارات التطبيع مع إسرائيل.

يوسف دعا إلى التطبيع واعتبره مشروعا بل واجبا في بعض الأحيان إذا اقتضت المصلحة التي يقررها ولي الأمر، مستدلا بأن النبي عقد صلحا مع اليهود في المدينة، كما نشر تغريدة باللغة الإنجليزية هنأ فيها الشعبين الإماراتي والإسرائيلي بالتطبيع.

هذا الصنف من علماء السلطان يضم أيضا الشيخ السلفي اليمني المدعوم من الإمارات هاني بن بريك الذي أشاد بقرار التطبيع واعتبره إنجازا عظيما، وكتب سلسلة تغريدات على حسابه بتويتر.

ابن بريك قال: “اتفاق وضع خارطة طريق نحو تعاون مشترك مع إسرائيل وصولا لعلاقات ثنائية قرار شجاع من قائد حكيم سيخدم خيار العرب في حل الدولتين، وخدمة الشعب العربي الفلسطيني وإنهاء المتاجرة بالقضية”، كما توجه بالتحية لنتنياهو “وعليكم السلام وعلينا”.

نجل العودة

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أعلن الأكاديمي السعودي عبد الله نجل سلمان العودة اعتقال السلطات السعودية لشقيقه عبد العزيز، على خلفية كتابات أيد فيها القضية الفلسطينية.

وقال عبد الله في تغريدة على تويتر: “عائلة العودة فُجعت بخبر اعتقال ابنها عبد العزيز، وقد كان هذا الاعتقال على خلفية تغريدات يدافع فيها عن القضية الفلسطينية”.

من جانبه، علق الناشط السياسي السعودي عمر عبد العزيز، في تغريدة قال فيها: “اعتقال عبد العزيز العودة وهو الحريص على عدم انتقاد الحكومة دليل على أن مجرد الحديث عن تجريم التطبيع والقضية الفلسطينية سيقودك للسجن والاعتقال، وهذه جريمة عبد العزيز الوحيدة”.

الباحث السعودي عبد الله المالكي هو الآخر اعتقله النظام السعودي بعد هجومه على التطبيع مع إسرائيل إثر الحملة الإلكترونية التي أطلقها سعوديون في يونيو/حزيران 2017 ودعوا فيها إلى التطبيع، واعتقلت الرياض المالكي في 12 سبتمبر/أيلول 2017 وأخفته قسريا منذ لحظة اعتقاله.

الهدف مكة!

الشيخ الدكتور عوض القرني كان  هو الآخر ممن عارض التطبيع بشكل قاطع، وحذر منه، قائلا: “الصهاينة يهدفون إلى الوصول إلى مكة والمدينة، ومن كان يعتقد أنه مسلم فلا يعذر إلا أن يبذل جهده من موقعه وحسب قدراته وإمكاناته في نصرة هذه القضية (فلسطين)”. 

القرني (معتقل حاليا في سجون ابن سلمان) هاجم إسرائيل المحتلة، وبث حساب معتقلي الرأي على تويتر مقطعا مصورا للشيخ قال فيه: “تأكدوا أيها المسلمون أن هدف الصهاينة بعد الأقصى هو المدينة ومكة.. هذه القضية لا يخفونها.. خرائطهم.. أدبياتهم.. عقيدتهم..عملتهم.. مفكروهم”.

وأضاف: “فإن سمحتم لهم بخطوة، رغبا أو رهبا أو خديعة أو جهلا أو خوفا منهم أو من القوى المتصهينة التي وراءهم في الغرب فاعلموا أنه يجب أن تنتظروهم في الخطوة التي بعدها.

من جانبه، قال الشيخ عبد العزيز الطريفي المعتقل في سجون المملكة في مقابلة سابقة على قناة الرسالة الفضائية: “من يدعو إلى حوار ومسالمة مع اليهود والدماء في كل عام تزيد فإن تلك دعوة خذلان وبعدٍ عن القصد الفطري، فالله عز وجل قد فطر الحيوان أنه إذا بُغيَ عليه ان ينتصر لنفسه فكيف وهو إنسان”.

تغييب النخبة

حسب الباحث والأكاديمي السعودي سعيد بن ناصر الغامدي، فإن من الأسباب الرئيسية التي دعت السلطات السعودية لسجن الدعاة والعلماء رغبتها في تخفيف الطابع الديني، إضافة إلى مناهضة أولئك العلماء للتطبيع مع إسرائيل.

وكشف الغامدي في برنامج “الخلية” الذي يقدمه الناشط السعودي عمر بن عبد العزيز على مواقع التواصل، أن من الأسباب الرئيسية أيضا معارضة تلك النخب للتطبيع مع الصهاينة، مشيرا إلى أن كل فئات الشعب السعودي رافضة للتطبيع إلا ما أسماها “المليشيات الإلكترونية”.

مضيفا: “التطبيع لا يقتصر فقط على العلاقات مع الإسرائيليين، وإنما يمتد إلى تجريم المقاومة وسجن الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في المملكة لسنوات طويلة من الداعمين للمقاومة”.

وانطلقت المؤشرات الأولى للتطبيع عقب تعيين محمد بن سلمان وليا للعهد، حيث أطلق الذباب الإلكتروني السعودي في يونيو 2017 هاشتاج “سعوديون مع التطبيع”.

حملة الاعتقالات لم تقتصر على المشايخ ورجال الدين فقط، بل طالت إعلاميين وناشطين حقوقيين عارضوا التطبيع ودعوا إلى نصرة القضية الفلسطينية، من بينهم الناشط الحقوقي محمد البجادي، والإعلامي مساعد الكثيري، بالإضافة إلى الإعلامي البارز فهد السنيدي، وكذلك الإعلامي عبد الله الدحيلان.

اعتقال ثلاثي! 

الكاتب السعودي ورجل الأعمال ورئيس لجنة الذهب والمجوهرات في جدة جميل فارسي كان هو الآخر ممن اعتقلته السلطات السعودية على خلفية تصريحات رفض فيها التطبيع، ودعا إلى التعامل مع إسرائيل ككيان محتل وعدو وليس كدولة.

وقال فارسي في مقابلته على قناة المجد الفضائية: “لا يمكن تقبل فكرة التعامل مع إسرائيل، في حال العجز عن مواجهتها عسكريا، فلا أقل من مواجهتها دبلوماسيا. على الدول العربية استغلال العلاقة الجيدة مع واشنطن من أجل الضغط على إسرائيل في القضية الفلسطينية”.

تجدر الإشارة إلى أن فارسي كان قد ظهر بمعية أستاذ السياسة الشرعية الدكتور سعد العتيبي، وحلا ضيفين في القناة على مقدم الحلقة الدكتور فهد السنيدي، وقامت السلطات باعتقال الثلاثة.

المصدر: صحيفة الاستقلال


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *