By / 10 أبريل، 2021

2-تطبيع الإمارات والبحرين.. المراحل الدوافع وتأثيره على القضية الفلسطينية

 

 

في أغسطس 2020، فاجأت الإمارات ودولة الكيان الصهيوني، العالم بالإعلان عن اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما والارتقاء بها إلى مستوى تبادل السفراء والتعاون والتنسيق في مجالات جمة أبرزها السياسية والعسكرية. 

فبعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 ومعاهدة مماثلة مع الأردن عام 1994، أصبحت الإمارات الدولة العربية الثالثة التي تطبع العلاقات مع إسرائيل، وهي أيضا الدولة الأولى بين دول مجلس التعاون الخليجي التي تفعل ذلك.

وبحسب مسؤولون بارزون بالبيت الأبيض، فإنه بموجب الاتفاق، وافقت إسرائيل على تعليق بسط سيادتها على مناطق من الضفة الغربية كانت تدرس ضمها، كما اتفق البلدان ائيل على وضع خارطة طريق نحو تدشين التعاون المشترك وصولا الى علاقات ثنائية.

ويبدو أن الأمريكيين مهدوا لإبرام الصفقة عبر تقديم وعود بأسلحة متطورة كانت الإمارات العربية المتحدة بالكاد قادرة على التفرج عليها في الماضي. وهي تشمل مقاتلة اف 35 وطائرة الحرب الإلكترونية “إي ايه-18جي غرولر”.

ولم يكن ذلك ليحدث من دون موافقة السعودية التي طرحت خطة السلام العربية التي طالبت بدولة فلسطينية، وبحسب مراقبون، فأنّ مكانة الملك سلمان بصفته خادم الحرمين الشريفين تمنحه سلطة هائلة. ومن غير المحتمل أن يعترف بإسرائيل فجأة،لكن قد يكون ابنه ووريثه، محمد بن سلمان، أقل ترددا.

 

افتتاح السفارة 

وفي 29 يونيو الماضي، زار وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، الإمارات، وتم خلال الزيارة افتتاح السفارة الإسرائيلية في أبوظبي، وهي أول سفارة لإسرائيل في بلد خليجي، ثم افتتح رسميا مكتب القنصلية في دبي، وتعد الزيارة أول تعامل رسمي بين الجانبين منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة.

وقالت شبكة آي24 نيوز التلفزيونية التي تتخذ من إسرائيل مقرا لها، إنها ستفتح مكتباً لها في دبي، في سابقة هي الأولى من نوعها لوسائل إعلامية مقرها إسرائيل.

وزار وزراء إسرائيليون الإمارات في السابق، لكن لابيد هو أكبر مسؤول إسرائيلي يزورها في رحلة رسمية، خلال افتتاحه السفارة الإسرائلية في أبو ظبي. 

 وتعكس الزيارة تعكس لحظة تاريخية في علاقات إسرائيل والعالم العربي، فعلى الرغم من زيارة وزراء إسرائيليين الإمارات في السابق، إذ أنه أول وزير إسرائيلي يزور الدولة الخليجية بعد توقيع البلدين على اتفاق تاريخي لتطبيع العلاقات قبل تسعة أشهر.

 

أبرز محطات التقارب

التطبيع الإماراتي الإسرائيلي لم يأت بين عشية وضحاها؛ ففي السنوات المنصرمة دلت الشواهد على حدوث ذلك التقارب، وكانت هناك اتصالات سرية بين الإمارات وإسرائيل منذ أعوام، لكن ظلت تفاصيل وتوقيت هذا التطبيع سرا حتى اللحظة الأخيرة.

ولم تكن هناك مشاورات بين وزير خارجية الإمارات ونظرائه في دول الجوار. وكان الأمر برمته مفاجأة للجميع تقريبا، وكانت المفاجأة الأكبر للفلسطينيين الذين وصفوا الاتفاق بأنه “طعنة في الظهر”، إذ لا يزالون بعيدا عن الحصول على دولة خاصة بهم وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم.

 

 وفيما يلي بعض المحطات في تاريخ العلاقات بين الدولتين:

في عام 2012، التقى رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، في نيويورك، وقد كشفت عن ذلك صحيفة “هآرتس” العبرية، عام 2017.

في عام 2015، كشفت تقارير إعلامية عن لقاء أجراه محمد دحلان، المستشار الأمني لوزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، مع وزير دفاع الاحتلال آنذاك، أفيغدور ليبرمان، في باريس عام 2015

في سبتمبر 2016، شارك الجيش الإماراتي في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات الجوية الباكستانية والإسبانية والإسرائيلية في ولاية نيفادا الأمريكية.

وفي مارس 2017، شارك الجيش الإماراتي في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات الجوية الأمريكية واليونانية والإيطالية والإسرائيلية.

في أكتوبر 2018، شارك رياضيون إسرائيليون في بطولة غراند سلام للجودو التي أقيمت في أبوظبي ونظمها الاتحاد الدولي للجودو تحت علم بلادهم، ووزيرة الثقافة والسياحة الإسرائيلية ترافق منتخب بلدها إلى أبوظبي.

في الشهر ذاته أيضا، شارك وزير الاتصالات الإسرائيلي السابق أيوب كرا في مؤتمر “المندوبين المفوضين للاتحاد الدولي للاتصالات”، الذي أقيم تحت رعاية محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ورئيس الحكومة الإماراتية. 

 في يوليو 2019، زار وزير الخارجية والمخابرات الإسرائيلي السابق يسرائيل كاتس،  أبوظبي للمشاركة بمؤتمر المناخ الذي نظمته الأمم المتحدة.

في أغسطس 2019 نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية خبرا عن إبرام دولة الإمارات صفقة ضخمة بقيمة ثلاثة مليارات دولار مع إسرائيل لتزويدها بقدرات استخباراتية متقدمة، تشمل طائرتي تجسس حديثتين.

في اكتوبر 2019، كشفت “هآرتس” عن عرض شركة أمنية إماراتية على ضباط سابقين في الاستخبارات الإسرائيلية العمل لديها برواتب فلكية تصل إلى مليون دولار سنويا.

في ديسمبر 2019، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية تلقي إسرائيل تهنئة رسمية من الإمارات بمناسبة عيد حانوكا اليهودي وتكشف عن إشعال أبناء الجالية اليهودية في إمارة دبي الشمعة الثامنة والأخيرة لهذا العيد.

وفي الشهر نفسه، كشفت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن زيارة سرية قام بها وفد رسمي إسرائيلي، التقى فيها بدبي مسؤولين إماراتيين كبارا ووقع اتفاقا رسميا بشأن مشاركة إسرائيل في معرض “إكسبو 2020” الذي تستضيفه الإمارات.

في ديسمبر2019 ، جمع لقاء سري بين إسرائيل والإمارات بالولايات المتحدة لتوقيع اتفاقية عدم اعتداء بينهما في خطوة وصفها بأنها تمهد لتطبيع العلاقات بين البلدين، وكشف عنه موقع أكسيوس الأمريكي في فبراير2020

في فبراير 2020، أعلن بنيامين نتانياهو يعلن أنه التقى عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في أوغندا من أجل النظر في إمكانية تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، وقال مسؤول سوداني لاحقا إن الإمارات نسقت اللقاء. 

في الشهر ذاته، دعا المدير التنفيذي لشركة مبادلة الإماراتية، أحد صناديق أبوظبي للثروة السيادية، الشركات الإسرائيلية الناشئة إلى العمل في دول الخليج.

في فبراير أيضا، شارك فريق إسرائيلي في طواف دبي للدراجات الهوائية بقمصان تحمل ألوان علم الدولة العبرية وحظى باستقبال مسؤولين إماراتيين.

في أبريل2020، أرسلت الإمارات أنظمة دفاع جوي متطورة إلى ليبيا لدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، اشترتها من إسرائيل.

في مايو2020، أطلقت شركة الاتحاد للطيران الإماراتية، أول رحلة لها إلى إسرائيل بحجة توصيل إمدادات طبية لدعم فلسطين بمكافحة كورونا المستجد، دون تنسيق مع السلطة.

أما في يونيو 2020، فقد وقعت عدة أحداث، حيث أنشأ ما يقرب من ثلاثة آلاف يهودي من دول مختلفة يقيمون بالإمارات حسابا رسميا للجالية اليهودية على موقع تويتر، كما تم افتتاح أول مطعم إسرائيلي بالإمارات.

وحطت طائرة مساعدات إماراتية ثانية للفلسطينيين تحط بمطار بن غوريون الإسرائيلي، الحكومة الفلسطينية رفضت تلك المساعدات لعدم التنسيق المسبق معها، واعتبرتها فصائل فلسطينية تطبيعا مرفوضا.

وفي الشهر ذاته، أعلن نتنياهو أن تل أبيب ستوقع اتفاقا مع الإمارات التي لا تقيم بلاده معها علاقات دبلوماسية، بشأن التعاون لمحاربة فيروس كورونا، بعدها أرسلت الإمارات 100 ألف عبوة تشخيص كورونا إلى إسرائيل، في إطار اتفاقية التعاون.

أيضا نشر السفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة مقالا بصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، يصف فيه علاقات حكومة أبوظبي مع إسرائيل بالحميمة، وأنه بإمكانهما خلق تعاون أمني مشترك وأكثر فعالية.

في يوليو 2020، وزارة الخارجية الإسرائيلية تكشف أن شركة إسرائيلية أرسلت أحد ابتكاراتها في مجال مكافحة كورونا إلى أبوظبي. وشركتان إسرائيليتان توقعان اتفاقية مع عدد من الشركات الإماراتية، لتطوير حلول تكنولوجية للتعامل مع الفيروس.

في أغسطس 2020، التقت عائلة يمنية يهودية ببقية أفرادها بعد فراق 15 عاما في الإمارات التي تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل، ومنحت الجنسية الإماراتية للأسرة اليمنية.

 

طموحات الإمارات من التطبيع

رغم أن عام 2020 شهد توجّه 4 دول عربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فإن الإمارات كانت هي الأسرع في تنفيذ صفقات الشراكة والاندماج الاقتصادي والتجاري مع إسرائيل، وكانت آخر هذه الاتفاقيات  فتح المجال في بورصة دبي للذهب والسلع للإسرائيليين لإمكانية تسجيل شركاتهم فيها، والدخول على منصات التداول بها.

وأعلنت بورصة دبي أعلنت أن “الطريق مفتوح لإطلاق منتجاتها وخدماتها، مثل العقود الآجلة والخيارات التي تغطي قطاعات المعادن النفيسة والطاقة والسلع والعملة، في إسرائيل مع توسعها في تداول المشتقات بالشرق الأوسط”.

وعقب الإعلان عن تطبيع العلاقات بشكل كامل، نشرت رويترز أن واحدا من أكبر تجار الماس الإسرائيليين، وهو تسفي شيمسي، قد توجه في أكتوبر2020 للإمارات لتأسيس شركته لتجارة الماس، وكان الرجل يذهب قبل ذلك للإمارات بجواز سفر ألماني، ولكنه هذه المرة ذهب لتأسيس شركته بجواز سفره الإسرائيلي.

وإذ كان الأمن، من وجهة نظر أبو ظبي هو أول طموحاتها، من خلال تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، فإنها تسعى على المدى الطويل في أن يكون لها دور جيوسياسي مهم على المسرح العالمي.

وبحسب خبراء، فإن الإمارات تراهن من خلال هذا الاتفاق، على رفع مكانتها الأمنية في المنطقة، حيث أنها أثبتت نفسها بوصفها مركزا اقتصاديا مهما ولكنها تسعى الآن إلى أن تكون أحد القادة الرئيسيين في الشرق الأوسط.

وبعد وقت قصير من التوصل إلى الاتفاق، المعروف باسم اتفاقيات أبراهام، وافقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على بيع 50 طائرة مقاتلة متطورة من طراز إف-35 إلى الإمارات، وكان هذا دعما كبيرا لها، لأن حصولها على تلك الطائرات سيعزز قدراتها العسكرية، ويمنحها ميزة استراتيجية في المنطقة.

كما أن هناك جانب التكنولوجيا، ومن بين ذلك التكنولوجيا الحيوية، والرعاية الصحية، والدفاع، والمراقبة الإلكترونية. وهنا تُعد الإمارات خير مثال على ذلك، إذ اشترت من إسرائيل منذ عدة سنوات برامج تجسس لمراقبة مواطنيها. ولدى أبو ظبي أموال طائلة، إذ تمتلك احتياطيات نفطية هائلة مع وصول نصيب الفرد من الدخل الوطني هناك حوالي 40 ألف دولار. كما أن لهذه الدولة الخليجية تطلعات دولية، وما هو أبعد من ذلك، إذ أنها أول دولة عربية ترسل بعثة إلى المريخ.

ومن المعروف أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تقدما في مجال التكنولوجيا في الشرق الأوسط، وهي المكانة التي وصلت إليها اعتمادا على الاختراعات الرائدة التي تقدمها. وحال إتمام اتفاق التطبيع، قد تنتقل الإمارات إلى مستوى جديد من الازدهار والوجاهة الدولية في نفس الوقت الذي توفر فيه المزيد من الوظائف لمواطنيها.

أما من جهة الكيان الصهيوني، فكان المحرك الرئيسي، التعاون الاقتصادي مع الإمارات، وقبول دولة عربية، وقد ازدهرت الشراكة الاقتصادية منذ إبرام الاتفاقات، مع توقيع سلسلة من الصفقات التجارية في قطاعات متعددة، منها الرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي، والدفاع، والسفر.

وفي أبريل الماضي، وقع صندوق الثروة السيادية في أبو ظبي، المعروف باسم “مبادلة للاستثمار”، مذكرة تفاهم لشراء حصة في حقل غاز طبيعي إسرائيلي بمبلغ يصل إلى 1.1 مليار دولار. وإذا نفذت الصفقة فستكون هذه أكبر شراكة بين البلدين حتى الآن.

 

عوائد التطبيع على الكيان الصهيوني

أما من ناحية الكيان الصهيوني، فإن أولى طموحات من التطبيع هو تخفيف عزلتها، حيث أنها ترى في تطبيع العلاقات مع دول الخليج إنجاز حقيقي للإسرائيليين، فهم لا يحبون العزلة في الشرق الأوسط. ولم يكن السلام مع مصر والأردن دافئاً أبداً. وربما لديهم تفاؤل أكبر بشأن العلاقات المستقبلية مع دول الخليج، ويسعون لذلك عن طريق إبراز قوتهم كي يعترف العرب بوجودهم.

وتشير بيانات إلى أن الكيان الصهيوني، بالنظر إلى العلاقات التجارية، هو الرابح الأول، وقد قادت كيانات الدولة في الإمارات الاستثمارات في إسرائيل، حيث بلغ إجمالي قيمة الاستثمارات من الإمارات إلى إسرائيل، وفقا لما تقوله كارين يونغ، مديرة برنامج الاقتصاد والطاقة في معهد الشرق الأوسط، 80 مليون دولار بين سبتمبر2020 ومارس 2021. وخلال الفترة نفسها، لم يتجاوز ما تدفق من رأس مال من إسرائيل إلى الإمارات 25 مليون دولار.

ويقول إن من أغراض هذه المصالحة “تدعيم موقع نتنياهو في الخارطة السياسية الإسرائيلية ودعم الحملة الانتخابية لترامب في الولايات المتحدة حامية إسرائيل في المؤسسات الدولية وفي إقليم الشرق الأوسط. 

ومن بين الأغراض أيضاً الحصول على أسلحة أمريكية، وتعزيز موقع محمد بن زايد في خريطة الحكم في أبو ظبي، وكذلك حاجة الإمارات ذات الديموغرافيا المحدودة، والقلقة دائماً على وحدة أراضيها وحجم ثرواتها المتصاعد، إلى حليف إقليمي بحجم إسرائيل. 

 

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *