By / 23 يونيو، 2021

1- سلسلة مهارة إسقاط الخصوم

هنا عرض لتجربة ثورة حديثة للإفادة من إجراءاتها فقط مع خلافنا المنهجي العقدي وتبرئنا من طائفتها (موقع البوصلة)


مقال بقلم : محمد عفيفي

1- إيران نموذجاً :

في عام 1979 انتصرتِ الثورةُ الإيرانية على “شرطي الخليج” الشاه محمد رضا بهلوي، انتصرتْ على نظامٍ من أقوى أنظمة المنطقة، حيث النفوذ والمال والسلطة والجاه والنفط والغاز، نظام ترعاه وتُسانده القوى الأمريكية والأوربية والصهيونية. ونريدُ في هذه الكلمات إلقاءَ الضوء على الخطة الثورية التي انتهجها قائدُ الثورة “روح الله الخميني” وكانتْ من أنجح الخطط وأنسب الوسائل للحالة الإيرانية.

1 – حشد الثوار على خطة عملٍ مشتركة وموحدة جمّع وراءها جميعَ فصائل الثورة، حيث انضمّ إلى الثورة الإسلاميون من أتباع الخميني، والإسلاميون من أتباع الحوزات العلمية الأخرى، كما انضم إليها اللبراليون والقوميون في الجبهة القومية تحت قيادة مهدي بازرجان وكريم سنجابي، والشيوعيون من مجاهدي خلق وحزب تودة.. واستطاع الخميني أن يصنعَ من هؤلاء الفرقاء المتشاكسين جبهةً قويةً متماسكة، صمدتْ في وجه النظام ثم انتصرتْ عليه!

 

2 – تأسيس نظام إعلامي يخدم الثورة، حيث قام الخميني بشراء أحدث أدوات الدعاية في عصره مثل: آلات تصوير الوثائق، وآلات تسجيل الكاسيت وعن طريقها أمكنه توزيع خطبَه وتعاليمَه في طول إيران وعرضها، حتى بعد أن طُرد الخميني من مدينة “قُم” واستقرّ في مدينة “النجف” بالعراق كان يرسل لأتباعه ومريديه الدرس الأسبوعي مسجلاً على كاسيت، وكان المريدون يتحلقون لسماعِ خطبه، وسرعان ما تحولت الرسائل المسجلة على الكاسيت لتصبحَ رسائل سياسية تدكُّ أركان النظام، وطُبعت الشرائط وتم توزيعها خارج مدينة “قم” في طهران ثم في سائر أنحاء البلاد.

 

3 – كسب الرأي العام في الداخل والخارج، أما في الداخل فقد استخدم آية الله الخميني الأموالَ التي يتلقاها من مريديه أحسن استخدام، فأنفق بسخاءٍ على المدارس والخدمات الاجتماعية والصحية وحصل بذلك على تأييد شريحةٍ كبيرة من المجتمع، وانضمّ للثورة قطاعاتٌ كبيرة من الشعب كان يُفترض أن مصالحَها مع النظام، فمثلاً حين قام اضرابٌ في معامل تكرير البترول خارج طهران، تولّى رجالُ الدين جمعَ التبرعات للأسـر المتضررة، وكان من أكبر المتبرعين لهذا الاضراب مقاولٌ كبير في طهران، وعندما سُئل عن ذلك، أجاب: “لقد سـئمتُ وأودُّ أن أكون حراً” وقد تبرّع فيما بعد بملايين الريالات إلى الثورة والثوار. أما الرأي العام الخارجي فقد اعتمد روح الله الخميني استراتيجية التواصل مع رؤساء الدول الإسلامية، شارحاً لهم ما يحدث في إيران، طالباً منهم التأييد والعون.

 

4 – استثمار فضائح النظام – وهي كثيرة – وتضخيمها وتقديمها للناس بعد توضيح أثرها على انخفاض معيشتهم وضيق حالهم، مثلاً في إحدى حفلات التتويج أمر الشاه بصنع تيجان جديدة عند محلات “كارتيه” في باريس – رغم تكدس الخزانة الإمبراطورية بالتيجان – ورُصّع التاج الذي وضعَه على رأسه بـ 3380 جوهرةً!! 

وفي أكتوبر 1972 أقام الشاه محمد رضا بهلوي حاكم إيران حفلاً أسطورياً بمناسبة مرور ألفين وخمسمائة عام على قيام الحكم الملكي، وبين أطلال عاصمة الأخمينيين “برسوبولس” كان الحفل الذي حضَرَه ستةٌ وثمانون ملكاً وأميراً ورئيس دولة، منهم: ملوك النرويج والسويد وتايلند والدانمارك وبلجيكا واليونان، والأمير فيليب والأميرة “آن” من بريطانيا، وحضر الإمبراطور هيلاسيلاسي والحبيب بورقيبة والملك حسين وحكام دول الخليج، رؤساء وزراء فرنسا وإيطاليا والبرتغال.

تحولتْ “برسوبوليس” إلى مدينة الخيام، لكل ممثل دولة خيمةٌ خاصة مبطنة بالحرير، بها حجرة معيشة وحجرة نوم ومطبخ، كان مطعم “مكسيم” في باريس مسؤولاً عن تقديم الطعام للضيوف، حيث استهلك المشاركون في الحفل تلالَ الكافيار والأطعمة الشهية الأخرى، أقيمت محطات القوى الكهربائية في الصحراء لتشغيل الثلاجات وأجهزة تكييف الهواء والتليفونات وأجهزة التلفزيون، كلف الحفلُ الذي استمر ثلاثة أيام الخزينة الإيرانية حوالي مئة وعشرين مليون دولار، تمّ هذا الاحتفال على مرمى حجرٍ من أكواخ الإيرانيين في طهران وأصفهان وكرمان وقزوين حيث الفقر والبطالة والمرض والإهمال.

لكن ولذكاء قادة الثورة الإيرانية تمَّ استغلالُ هذا السَّـفه والبذخ في تأليب الرأي العام على حكم الشاه، وأخذتْ مراجلُ الغضب تعملُ في النفوس، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ، هبَّ الشعبُ في غضبتِه فأسقط عرشَ الطاووس وقَالَ له: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا.

5 – المطلوب هو تفكيكُ النظام وليس مواجهته، فأثناء الثورة الإيرانية كان جيش الشاه محمد رضا بهلوي يبلغ 700 ألف جندي وضابط، وكانت الجماعات الإسلامية مثل “مجاهدي خلق” و “فدائي خلق” تقترحُ المقاومة المسلحة، وكان “آية الله الخميني” يتركهم يَعرضون وجهةَ نظرهم ثم يقول: (لا.. لا يمكنكم مواجهةَ الجيش، ولا يُمكنكم محاربةَ سلاحِه بأي سلاحٍ تَحصلون عليه، الطريقة الوحيدة لمحاربة الجيش هي نزعُ سلاحِه).. وكانتْ خطةُ نزع سلاح الجيش غير مفهومة للثوار حتى بدأ الخميني بدايةَ عام 1977م يُوجه رسائلَه الإعلامية إلى ضباط الجيش كـ (أفراد) فيقول: ينبغي عليكم ألا تخدموا الشاه، فالشاه هو الشيطان، وأنتم جنودُ الله “المستضعفين”، ينبغي عليكم ألا تُطلقوا النارَ على إخوانكم المسلمين، لأنّ كلّ رصاصةٍ تُصيبُ قلبَ مسلمٍ هي أيضاً رصاصةٌ تُصيبُ قلبَ القرآن، يجب أن تعودوا إلى قراكم وأسركم وأراضيكم، يجب أن تعودوا إلى المسجد.. إلى الله).. ومن منتصف عام 1977م بدأتِ التقاريرُ تُسجلُ هروبَ الضباط والجنود من الخدمة العسكرية، وبحلول خريف 1977 ضاعفَ الخميني من هجماته الإعلامية الموجه للجيش، وإذا كان قد طلب من الجنود من قبل الهربَ من الخدمة العسكرية، فإنه قد أخذ الآن يحثهم على أخذِ أسلحتهم معهم، “فلتتركوا الجيش بأعداد صغيرة، إما فرادى أو كلّ اثنين أو ثلاثة معاً، فأنتم جنودُ الله، خذوا أسلحتكم معكم فهي أسلحة الله”.. وجاء في إحدى رسائله: “لا تهاجموا الجيش في صدره وإنما هاجموا قلبه، يجب أن تناشدوا قلوب الجنود، حتى وهم يطلقون النار عليكم ويقتلونكم، فلندعهم يقتلون خمسةَ آلاف – عشرة آلاف – عشرين ألفاً، إنهم اخوتنا وسنقابلهم بالترحاب، وسنبرهن على أن الدم أقوى من السيف”.. وهكذا استطاع الخميني الفصل بين الجنود والضباط، فتحول الجيش إلى شبح، وتمكن بالتالي من نزع سلاح الجيش كما قال.

فلنتعلمْ إذن: بناء شبكة تحالفات ثورية قوية، والعمل على تفكيك أركان الخصم، والتفريق بينهم، ومنع وَحدتهم، وتشويه سمعتهم، ثم اطرحِ البديلَ الذي يُقنعُ الشعبَ، وبعدها واجه خَصـمَك وأنت واثقٌ من النصــر.

                                                                                       محمد عفيفي 

منسق الدراسات الاجتماعية بدولة قطر


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *