By / 25 أكتوبر، 2021

التلاعب برغيف العيش.. أحد طعنات نظام الانقلاب في ظهر الفقراء

الخبز هو أحد المفردات التي شكلت شعار ثورة يناير وهتف به المتظاهرون، نظرا لأهميته لدى الفقراء، إلا أنه في الوقت نفسه وأكثر سلعة تعرضت للتلاعب؛ نظرا لحجم إنتاجها الضخم، وحجم العمالة بها، ما أدى إلى بناء شبكة عنكبوتية من الفساد والمحسوبية، والتلاعب بالدقيق والوزن والمكونات، وآليات الصرف، وغيرها.

وزاد على ذلك أن يخرج قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح السيسي، في يوليو الماضي، بحديث جديد يمس لقمة عيشهم، حيث أعلن عزمه رفع ثمن رغيف الخبز المُدعم، في إجراء هو الأول من نوعه منذ عقود.

فساد نظام السيسي

 فقد رغيف الخبز البلدي في مصر الكثير من وزنه منذ الانقلاب العسكري، وخسر 40 جراما على دفعتين، أي نحو 30 بالمئة من وزنه، حيث كان الوزن القياسي لرغيف الخبز 130 جراما في عام 2014، وتم تخفيضه في 2017 إلى 110 جرامات، وأخيرا في 2020  خفضت حكومة الانقلاب وزن رغيف الخبز المدعم من 110 جرامات إلى 90 جراما للرغيف. وهي زيادة غير مباشرة في سعر الخبز، وهي حيلة تنطوي على جبن النظام عن زيادة السعر بطريقة مباشرة، وخداع المواطن.

بمعنى أن المواطن كان يدفع 25 قرشا للحصول على حصته التي تبلغ خمسة أرغفة وتزن 550 جراما، ولكن بعد الزيادة الجديدة سوف يدفع نفس السعر ليحصل على نفس عدد الأرغفة ولكن بوزن أقل، وهو 450 جراما، وبذلك خسر المواطن رغيفا كاملا من حصته بما يوازي 18%.

من أجل تشجيع المستهلكين على التقليل من استهلاك الخبز، تصرف الحكومة المصرية دعما نقديا يبلغ 10 قروش مقابل كل رغيف لا يستخدمه، ما شجع الفقراء على تقليص حصتهم للحصول على بضعة جنيهات نهاية كل شهر.

وزعم رئيس سلطة الانقلاب في أكثر من مناسبة أن سعر رغيف العيش لن يمس، في محاولة لطمأنة المواطنين، كما جرت العادة في أكثر مرة، ولكن لا يتم الالتزام بما يقطعه من وعود بعدم زيادة الأسعار كما في الدولار سابقا.

انتفاضة الخبز

لم يستطع رؤساء مصر على مر العقود مجرد الاقتراب من ملف زيادة أسعار الخبز، ولم يرتفع سعر الخبز في مصر منذ عام 1988، حين رُفع حينها إلى 5 قروش، رغم أن قرارات الدعم الحكومي خلال تلك السنوات قد طالت جميع السلع الحيوية في مصر عدا الخبز.

في عام 1977 ، انتفض المصريون ضد رفع سعر الخبز في ما يُعرف بـ”انتفاضة الخبز”، إذ اندلعت اشتباكات عنيفة بين المواطنين وقوات الشرطة، وأضرم المحتجون وقتها النيران في عديد من المرافق ومراكز الشرطة، وراح ضحية الأحداث عشرات القتلى، وآلاف من المصابين والمعتقلين.

وكان سبب انتفاضة المصريين، عندما أقدم الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على رفع سعر الخبز بنسبة 50%، عام 1977، وظلّت “انتفاضة الخبز” شبحاً يلوح أمام السلطات المصرية كلما فكّرت في رفع دعمها عن الخبز.

 إلا أنه خلال السنوات الأولى في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، تم رفع أسعار الخبز مرتين، حيث يرى مراقبون أنه استغل شعبيته خلال العقد الأول من حكمه وأقدم على تلك الخطوة.

وتم رفع سعر رغيف الخبز عام 1984 إلى قرشين، وتلا ذلك زيادة أخيرة عام 1988 حينما ارتفع سعره إلى 5 قروش، وفقاً لبيانات سابقة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.

إلا أنه فيما بعد في عام 2007، كانت وزارة التضامن الاجتماعي، كانت تنتوي عدد البطاقات التموينية، لكن أزمة نقص الخبز التي زادت حدتها ما بين عامي 2006 و2007 وأسفرت خلال عام 2008 عن تظاهرات في عدة محافظات وسقوط قتلى في طوابير الخبز خلال التدافع أمام منافذ بيعه، وما أعقبها من دعوة للإضراب العام يوم 6 أبريل وحدوث تظاهرات، أدى ذلك إلى تراجع مبارك عما كان ينويه.

بل إنه قام بخطوة غير متوقعة حين قام بإلغاء البطاقات التموينية التي كانت تحصل على دعم جزئي وتأخذ لونا أحمر، بعد 25 عاما من نفاذها لتصبح كل البطاقات خضراء للتمييز والتي تحصل على دعم كلي، حيث قام بإلغاء البطاقات التموينية الحمراء.

ومنذ ذلك الحين ظلّ سعر الخبز خطّاً أحمر لم يجرؤ أي من الحكومات المصرية المتعاقبة على المساس به، رغم رفع اسعار جميع السلع، حتى أن السيسي نفسه أقرّ بعدم المساس بسعر الخبز، حينما صرّح عام 2016 قائلاً: “سعر رغيف الخبز لم ولن يُمَسّ”.

كما استفاد نظام الانقلاب من تلك التجربة التاريخية أيضا في مارس 2017، حين قامت مظاهرات في سبع محافظات، نتيجة لتقليص حصة الكارت الذهبي لتسليم الخبز لمن ليس لديهم كروت ذكية، الأمر الذي دفع وزارة التموين إلى زيادة حصة الكارت الذهبي من الخبز وإتاحة مهلة زمنية لاستخراج البطاقات الذكية لمن لديهم بطاقات ورقية.

وتجنباً لـ”انتفاضة خبز” جديدة، أقدم نظام الانقلاب في أغسطس من العام الماضي على خطوة تخفيض وزن رغيف الخبز بدلاً من رفع سعره، إذ خُفِّض وزن الرغيف الواحد من 110 جرامات ليصل إلى 90 جراماً.

 

في عهد مرسي

في 21 يوليو 2012 رفض الرئيس الراحل محمد مرسي، اتجاه رئيس الوزراء، الدكتور كمال الجنزوري،  إلى البدء بدراسة توحيد سعر رغيف الخبز من 5 قروش إلى 10 قروش، حيث نشرت صحيفة المصري اليوم الخبر، إلا أنه بعد ساعتين ونصف نفاه الرئيس مرسي بغضب، وقال “إن أسعار رغيف الخبز ستظل كما هي، وستبقى بـ 5 قروش”، ووجه كلاما حادا إلى الجنزوري المدعوم من المجلس العسكري، وبعد ثلاثة أيام فقط من الواقعة أعلن عن تكليف الدكتور هشام قنديل بدلًا منه.

وفي منتصف أغسطس 2012، كشف المهندس أبو زيد محمد أبو زيد، وزير التموين في حكومة هشام قنديل عن إنتاج رغيف خبز مدعم بسعر 10 قروش ويزن 170 جرامًا بجانب الرغيف فئة 5 قروش، ولكن الرئيس مرسي رفض الفكرة حتى لا يظن الناس أنه تمهيد لإلغاء الرغيف فئة 5 قروش، وهي سياسة اتبعها الرئيس المخلوع حسني مبارك تقوم على ايجاد البديل الحسن بجانب الرديء وبمرور الوقت يتم إلغاء القديم بعد تنفير المواطن منه.

إلا أن وسائل الإعلام وقتها ركزت على خبر زيادة سعر الرغيف، وتعمدت التعتيم على رفض الرئيس للفكرة، ولم تسلط الضوء على نجاح حكومته في حل أزمة عمرها يزيد عن ثلاثة عقود في 100 يوم، وأنه صان كرامة المواطن المهدورة في طوابير الخبز، ووفر وقته الذي كان يقضيه بالساعات وحياته التي ربما فقدها وهو يحاول الحصول على بعض الأرغفة. وكذلك رفض الرئيس مرسي تحديد حصة الفرد بعدد معين من الأرغفة.

ولم يسلط الإعلام الضوء أيضا على منظومة الخبز ومشروع تغليف وتوصيل الخبز للمنزل لحفظ كرامة المواطن وإنسانيته، حتى وصل الأمر إلى أن السلال كانت تتدلى من النوافذ بالحبال ليحصل المواطن على خبزه دون عناء. وانتهى الأمر بحملة اعلامية ضد جماعة الإخوان بحجة استغلال المشروع في الدعاية الانتخابية وكسب الشعبية، رغم مشاركة حزب النور وغيره من الجمعيات في المشروع.

وطالب أعضاء جبهة الإنقاذ بإقالة الوزير باسم عودة الذي طبق المنظومة بنجاح. واتضح بعد ذلك أن المخابرات العسكرية هي التي كانت تحرك هذه الحملة لطمس نجاح الرئيس وحكومته، وإثارة الشكوك حول كل المشروعات الواعدة، كما اتهمت مرسي ببيع قناة السويس لقطر، للتشكيك في جدوى مشروع تنمية محور القناة.

باسم عودة

بعد ثورة 2011، حدث تحسن في جودة رغيف الخبز بشكل نسبي، ولكن ظل الفساد في منظومة الخبز المليارية مستمرا حتى منتصف 2012، لما جاء الدكتور محمد مرسي استمر التحسن في جودة رغيف الخبز، وحلت مشكلة الطوابير في أول 100 يوم، ولكن ظلت المنظومة قاصرة، واستمر تسرب القمح بالمخابز إلى السوق السوداء؛ نتيجة انخفاض سعر الدقيق، وتهريبه، وعجز الوزير عن تطبيق منظومة الخبز الجديدة.

في يناير 2013، جاء الدكتور باسم عودة وزيرا للتموين في حكومة الدكتور هشام قنديل، وكان من ضمن أولوياته تطبيق منظومة الخبز الجديدة، والارتقاء بجودته، وتوفيره، نجح في أن يطبق المنظومة في أسابيع قليلة، رغم ما لاقاه من إضرابات ومعارضات من المخابز.

نجح عودة خلال مدة وزارته 6 شهور في تحرير سعر القمح للمطاحن والدقيق للمخابز، والتأكيد على وزن الرغيف 130 جراما، بجودة عالية، وتمكن من توفير 2 مليون طن قمح، نتيجة توقف الفساد في المنظومة، كما أنه أوقف إضافة دقيق الذرة الساري الذي استمر منذ منتصف التسعينات، وكان يضر بصحة المصريين؛ ويسبب السرطان، رغم معارضة أصحاب المصالح من أصحاب المخابز والمطاحن.

خلال وزارة عودة كانت حصة الأسر من الخبز تصلهم حتى باب المنزل، دون عناء الذهاب الوقوف في طوابير، من خلال توفير خدمة التوصيل مقابل 5 جنيهات شهريا فقط، وكان يحصل المواطن على الكمية التي يريدها، لا خمسة أرغفة كما هو الحال الآن،

وبعد الانقلاب تم إلغاء المنظومة الجديدة، وتم تخفيض وزن رغيف الخبز، ولم يحصل المواطن على الرغيف بالجودة العالية، وعادت طوابير الخبز، ورأينا فساد أول وزير تموين بعد الانقلاب، الوزير خالد حنفي، الذي أعاد منظومة سلفه باسم عودة، ولكن استمر الفساد، وتورط في عمليات فساد، وتم إقالة الوزير لاحقا.

كما تم تحديد 5 أرغفة فقط لكل مواطن، على عكس ما كان معمولا به في عهد الدكتور مرسي، بل كان هناك اتجاه لتقليص حصة الفرد إلى ثلاثة، ولكن تراجعت الدولة، بعد أن وجدت رفضا شعبيا، وأخيرا قلل وزن رغيف الخبز إلى 90 جراما بدلا من 110 جرامات، وهو تخفيض الدعم بشكل ملتو، فأصبح المواطن يحصل على 4 أرغفة بدلا من خمسة، وفق الوزن الحقيقي لحصته.

وزير “شهداء الخبز”

في مارس 2017   عاد الشعب للتظاهر مرة أخرى بعدد من المحافظات من أجل الحصول على الخبز المدعم، بعد التصريحات التي أصدرت عن وزير تموين الانقلاب على مصيلحي؛ والتي كانت بشأنها تخفيض حصة المواطن من الخبز، وصلت إلى قطع عدد من الطرق الرئيسية بالإضافة الى شل حركة القطارات، في مشهد غضب شعبي دون تدخل للقوى السياسية.

لم يكن القرار الذي اتخذه المصيلحي بتخفيض حصة المواطن والذي أشعل الأزمة الأول من نوعه، فمنذ أن تولى وزارة التموين بدأ في تنفيذ خطة عاجلة لإلغاء الدعم بدأت بالتعسف فى قيد المواطنين والمواليد الجدد فى البطاقات، والحذف العشوائى لملايين المقيدين، وإلغاء التعامل ببطاقات التموين الورقية، وتخفيض حصص المخابز لما يتراوح بين النصف والثلث، وما ترتب على ذلك من توقف المخابز عن صرف الخبز للمواطنين .

تلك القرارات جاءت منذ توقيع مصر اتفاقية قرض صندوق النقد الدولي وتوابعه من تعويم الجنيه المصري، وخفض الدعم عن محدودي الدخل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، بينما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مؤخرًا عن وصول معدلات التضخم والغلاء إلى 30% في يناير الماضي فقط.

وتعتبر تلك المرة هي الأولى من نوعها التي يضطر فيها مسؤول بحكومة السيسي أن يتراجع في قرار أصدره، نتيجة للاحتجاجات التي كانت سيدة المشهد في كل وسائل الإعلام.

لم تكن أزمة الخبز هي الوحيدة في عهد المصيلحي، لكن لحق بها أزمة أنابيب البوتاجاز ليصل سعرها في عام 2010 لما يتراوح بين 30 و50 جنيهًا مقارنة بـ3 جنيهات سعرها الرسمي، مما أدى إلى اشتعال غضب الأهالي وقيامهم بالاستيلاء على سيارات نقل الأنابيب.

الجدير بالذكر أن المصيلحي كان وزيرًا للتموين خلال عهد مبارك، كما كان أول رجال مبارك استطاع أن يعود إلى منصبه مرة أخرى في عهد السيسي، وهناك العديد من الاخفاقات التي حدثت أثناء توليه بعهد مبارك، حيث شهد عهده أكبر وأشد أزمات الخبز، سقط خلالها العشرات ما بين قتيل وجريح، أطلق عليهم “شهداء الخبز”، في مشاجرات بين المواطنين أثناء وقوفهم في الطوابير التي كان يصل طولها أحيانًا إلى عشرات الأمتار.

ووصلت حدة الأزمة في عهد المصيلحي لدرجة دفعت الرئيس المخلوع إلى مخاطبة جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة‏ ووزارة الداخلية،‏ في مارس 2008 للتدخل في مجال إنتاج الخبز لسد حاجات المواطنين.‏

هل تتكرر انتفاضة الخبز

إلا أنه بعد تصريحات السيسي الأخيرة عن رفع سعر رغيف الخبز، يبقى السؤال هل يمكن أن ينتفض الشعب المصري مجددا؟ في حالة إقدام النظام على رفع سعر الخبز المدعم؟

البعض يرى أن الظروف اختلفت، حيث كانت حينذاك حركة عمالية وطلابية نشطة، شاركت في التظاهرات، بينما المشهد الآن مختلف في ظل إجهاض كافة الحركات الشعبية وتجريم التظاهر ووجود عشرت الآلاف بالسجون، والقبضة الأمنية الشديدة.

لقد فعل السيسي أكثر كثيرا مما فعل السادات من زيادات، وأعلن على الملأ أنه هو صاحب هذه القرارات، ورفض أن يحملها لوزير التموين أو رئيس الوزراء كما كان يفعل سابقوه، كما أنه انتقد تراجع السادات عن قرارات يناير 1977، متهما إياه بالتسبب في تأخير الإصلاح الاقتصادي بسبب خوفه من الشعب، بينما يفاخر السيسي بأنه لا يخاف مثل السادات، حتى أنه أعلن أنه سيبيع كل سلعة بسعرها الحقيقي، دون دعم.

وتعكس تصريحات السيسي ثقته بأن الشعب لم يعد بمقدوره الاعتراض والتظاهر، لكن رغم كل هذه الإجراءات القمعية غير المسبوقة، إلا أن قطاعات من الشعب المصري تظاهرت عدة مرات، حيث خرجت مظاهرات أنصار الشرعية عقب الانقلاب ولمدة ثلاث سنوات رغم القمع، ثم خرجت مظاهرة كبرى ضد بيع تيران وصنافير، ثم خرجت مظاهرات في 20 سبتمبر عامي 2019 و2020، وليس مستبعدا تكرار ذلك، خاصة أن الأمر هنا يمس حق الحياة، ولقمة العيش ذاتها.

لكن هناك عوامل أخرى يمكن أن تساهم في تكرار أحداث 1977؛ أبرزها زيادة عدد الفقراء والحد الأدنى الرسمي لعددهم 30 مليونا، وهؤلاء ليس لديهم ما يخافون عليه، ويعد رغيف الخبز السند الأساسي لسد الجوع لديهم.

كما أن الانفاق على مشروعات ليست ذات أولوية، مثل بناء عاصمة إدارية وقصور رئاسية ومقرات جديدة لمجلس النواب والوزراء بالعلمين ، بينما يقوم بخفض دعم الفقراء، كل هذا يساعد في في تأجيج الغضب الشعبي، حيث يظهر ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *