By / 19 ديسمبر، 2021

الحلقة الخامسة عشر من مذكرات الملا عبدالحي مطمئن

(طالبان: قراءة نقدية من الداخل)

الخوف من سقوط قندهار والمعركة التاريخية في جريشك

في الأسابيع الأخيرة من أغسطس 1995، تراجع القتال فيالجبهة الغربية من قبل إسماعيل خان وقوات التحالف المدعومين من قوات أحمد شاه مسعود والمليشيات الهاربة من قندهار وهلمند. واستولوا على مركز ولاية فراه من طالبان ثم تقدموا نحو هلمند في غضون أيام قليلة. فقد أفراد طالبان الكثير من روحهم المعنوية عقب استشهاد قائدهم البارز الملا محمد أخوند. ووصلت الحرب إلى منطقة شورا مندا في مقاطعة جيريشك التي أصبحت مهددة بالسقوط. وخطط العدو للتحرك نحو قندهار بعد الاستيلاء على جريشك.

شاهد عيان على الوضع

في ذلك الوقت، كانت هناك 13 مجموعة من حركة طالبان، وكنت أنا قائد مجموعة صغيرة من طالبان في سبين بولداكالتي كانت تعتبر في البداية مركزًا مهمًا لطالبان لأنها تقعبعد مايواند، وكانن مفتاحا رئيسيًا آخر للولاية تمكنت طالبان من خلاله من السيطرة على مدينة قندهار.

أثر استشهاد الملا محمد على المعركة في الجبهة الغربية حيث فقدت طالبان قائدًا قويًا قاد قوات الحركة للسيطرة على نصف أفغانستان، ونجحت طالبان بسبب تكتيكاته الحربية. فالملا محمد تبنى استراتيجيات قتالية جديدة، وراقب باهتمام مناورات الأعداء، مما أدى إلى تحقيق انتصارات مع تكبد خسائر أقل. وكان رحيما في التعامل مع أسرى الحرب، واتبع المبادئ الإسلامية أثناء القتال. وحاول دائمًا التقليل من الخسائر في الأرواح والإصابات في صفوف الخصوم. واشتهر الملا محمد بأنه قائد عسكري مخضرم خلال حقبةالجهاد ضد السوفييت، وكان من أبرز القادة الموثوقين لدى الملا عمر منذ بداية تأسيس حركة طالبان. وكان عزيزًا جدًا على قلب الملا عمر، ولهذا السبب استخدم الملا عمر اسم “المرحومخلال اتصالاته اللاسلكية.

أدت الهزيمة في هذه الحرب، واستشهاد الملا محمد إلى دفعطالبان للتراجع. وبرز تهديد بإمكانية سقوط قندهار وهلمند. وطلب الملا عمر دعم قوات طالبان من مناطق أخرى بما في ذلك بولداك. كان الملا خير الله آنذاك حاكم مديرية بولداك والمتحدث الرسمي باسم حركة طالبان. استعد هو وصديقه القائد الملا دوست محمد للحرب. رافقتهم واخترت قاذف آر بي جي لأحمله. رأيت هذا القاذف مع المجاهدين في الحرب ضد السوفييت خلال طفولتي ولذا بدا الأمر أفضل بالنسبة لي. بدأنا رحلة السفر بعد الظهر، ووصلنا إلى قندهار ليلاً. عندما غادرنا مدينة قندهار ، كانت هناك سيارة ذات نوافذ مظلمة تتحرك بسرعة كبيرة . عندما شاهدنا السائق خفّض السرعة،وتوقفت السيارة. فصعد الملا خير الله والملا دوست محمد إلى السيارة، ورافقنتهم. كان الملا عمر يقود هذه السيارة. تحدث بهدوء قائلا “سأقوم بترتيب جلب المزيد من المسلحين والمعدات العسكرية. سنعد أنفسنا لحرب الغد. وطلب من الذهاب إلى هلمند. هدوءه يمنحني الشجاعة، وكانت أول مشاركة لي في معركة.

تحركنا ببطء، وفي الصباح اقتربت منا سيارات مليئة بعناصر طالبان المنسحبين من القتال خلال الليل. كلما اقتربنا من جريشك، رأينا المزيد من مقاتلي طالبان ينسحبون من جبهات الحرب. عندما وصلنا إلى جريشك، وجدنا الملا خلق داد شقيق الملا دوست محمد يقف رفقة مدافع روسية على طريق مغلقلمنع عناصر طالبان من الهروب من المنطقة. وعندما التقينا بالملا خلق داد كان يبكي على استشهاد الملا محمد. وفي النهاية تمت السيطرة على حركة مقاتلي طالبان الهاربين من القتال. وزار الملا عمر المنطقة عدة مرات، واتخذ ترتيبات للجلب تعزيزات بالأسلحة والمقاتلين للسيطرة على ساحة المعركة.

قصفت طائرات إسماعيل خان بشدة لواء جريشك حتى الظهر. وبعد الظهر تحركنا مسافة كيلومترين باتجاه قندهار ،وأقمنا قاعدة مؤقتة هناك بالقرب من منطقة تشاهال ميل. وأُعلن في فترة ما بعد الظهر أننا سنهاجم قوات العدو بينمال هم يخططون لمهاجمتنا؛ إذ من الأفضل أن نقوم بذلك أولاً.

وبفضل جهود الملا عمر وصلت الدبابات التي تم إصلاحها،وهو الأمر الذي رفع من معنويات مقاتلي طالبان. كان هذا يومًا تاريخيًا لأن العدو كان يحلم بالاستيلاء على القاعدة الرئيسية لحركة طالبان في قندهار. لم يكن هناك سوى 800 من مقاتليطالبان بينما تمتع العدو دعم جوي فضلا عن امتلاكه آلاف المسلحين المجهزين بالدبابات. كان هجومنا بمثابة “هجوم انتحاري”. وُأخذ عهد من كل عناصر طالبان بأنه لن يتراجع أحد، وأنهم سيقاتلون حتى أنفاسهم الأخيرة.

تم تنظيم الهجوم بحيث ترافق الدبابات والمركبات الثقيلة الأخرى القوات الموجودة على الطريق الرئيسي، في حين تتحرك قوة كبيرة في سيارات دفع رباعي مزودة بمدافع رشاشة ثقيلة ومدافع عيار 82 ملم وقذائف آر بي جي ورشاشات خفيفة باتجاه الجانبين الأيمن والأيسر من الطريقبالتزامن مع تغطية المنطقة بأكملها حتى لا يتمكن العدو من محاصرة طالبان.

بدأ القتال قبل صلاة العصر. حيث توجهنا بسرعة نحو الجانب الأيسر من الطريق. ومرت بجوارنا مسرعة سيارة دفع رباعي بيضاء، ونزلت منها عدد من مقاتلي طالبان بين الخصوم،وهاجموا خطوط العدو. فوجئت بمدى سرعة وصولهم إلى العدو الذي لم يستطع استهدافهم. ومن ثم تبعناهم، ورأينا دبابة مصفحة تتقدم نحونا، فأخرجت قذيفة آر بي جي لضرب الدبابة ولكن عندما ضغطت على الزناد، لم تنطلق القذيفة،فأخبرت مرافقي أن القاذف لا يعمل، فأجاب إنه قاذف قديم،وإن الزناد مكسور. انضممت إلى الملا زاهر من بولداك،وشاركت معه في لعبة تقمص الأدوار حيث اشتهر بضرب الأهداف بقذائف الآر بي جي. وتسببت قذيفة آر بي جي الأولى في إتلاف الدبابة لتصبح غير قادرة على العمل.

خاضت طالبان هذه المعركة كحرب حاسمة، واستخدمت كاملقوتها المتاحة آنذاك، وقاتلت بصلابة. وتعرضنا لقصف جوياعتقدنا أنه سيمزقنا أشلاء، ورددنا صيحات ترديد الله أكبر مع توجيه طلقات نارية تجاه الطائرات المغيرة.

استهدف الملا زاهر دبابة أخرى، وأطلق أعيرة نارية على دبابات أخرى أيضا. وسيطرت مجموعتنا الصغيرة المكونة من سبعة إلى ثمانية مقاتلين على مقاتلي العدو. وفي المساء، أصبحت ساحة المعركة مضيئة بالطلقات النارية. ثم توقفنا عن إطلاق النار بسبب نقص الذخيرة إذ صاح أحد زملائنا لا تستخدموا المزيد من الذخيرة لتجنب الوقوع في الحصار. وتواجدت السيارة التي تحمل أسلحة وذخائر على مسافة قصيرة منا، وكانت هناك أرض جافة بيننا وبينها، وخوفًا من نقص الأسلحة، ركضت نحو السيارة دون إذن رفيقي، وتبعني أحدهم. وأطلق مسلحون النار علينا بمن بنادقهم الآلية، لكن لحسن الحظ وصلنا إلى السيارة وأخذنا صندوقا من ذخائرالكلاشينكوف والآر بي جي، وعدنا بنجاح إلى مواقعنا. سعد زملاؤنا بذلك، واستأنفنا الهجوم، وبدأنا في ترديد هتافات النصر، وأخذ العدو في التراجع.

اقتربنا من الدبابات المتضررة، ووجدنا أن السائقين وأطقم التشغيل قد هربت في حين بقي رجل عجوز مصاب بالقرب من إحدى الدبابات، ويحمل علبة مياه كبيرة على ظهره، وكان جيبه ممتلئًا بأموال رباني التي أصدرتها الحكومة. سأله أحد زملاؤنا إذا كان المال هو سبب قدومه إلى الحرب، فأجاب: “اعتقدت أنه سيكون لدي المزيد من الوقت للعيش، ولكن أعتقد أن هذه هي النهاية بالنسبة لي الآن.” وانتهت المعركة وشعرنا بالراحة. وبعد أسبوع تقدمنا ​​مرة أخرى نحو الجانب الآخر ، وزادت خسائر العدو الفادحة من انتصاراتنا.

ذهبت مجموعتنا الصغيرة إلى مدينة جريشك، وزاد عدد الأشخاص في المجموعة، لكن الظروف تغيرت تمامًا إذ وصل الآلاف من الشباب والشيوخ والرجال إلى هناك لدعم طالبان. أراد الجميع الانتقام، لأنه عندما انتشر الخبر في قندهار عن عودة مقاتلي المليشيات إلى المدينة، انتفض الناس ضدهم، وأرادوا حماية مدينتهم وحياتهم وشرفهم وثروتهم، وحملوا السلاح لمحاربة الميليشيات غير الشرعية دون أن يطلب منهمأحد ذلك. في ذلك اليوم لم يتمكن القائد الملا برجان من المشاركة في الحرب بسبب إصابته.

في مسجد خارقاي المركزي بخوست، طُلب من الناس تقديمالدعم. ولم يأت الناس إلى جريشك فحسب، بل أحضروا أيضًا سيارات مليئة بالطعام بما في ذلك العنب الطازج واللحوم المطبوخة والخبز. جلب الناس كل ما لديهم لدعم طالبان. أدى هذا إلى تحويل جريشك لتصبح مركزا قتاليا مملوءا بالعاطفةوالحماس، وقد ساهم هذا المشهد أيضا في تحفيزنا. ولم أر قط مثل هذا الدعم العام والحب من قبل. وفي ظل تعبنا منذ الليلة السابقة تناولنا بعض الطعام، وذهبنا إلى منزل الملا خلق داد. وفي ذلك اليوم لم يقع قتال، وانتشرت أجواء من السلام.

في حوالي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، أعد مولوي عبد المنان حنفي وملا خلق داد وأصدقاء مولوي دوست محمد اللحم والشاي. وبعد تناول الشاي في حوالي الساعة 9:45 صباحًا، قال أحد أصدقائنا إن قائد الحاجز الشهير نادر جان قد اُعتقل وسينُقل إلى قندهار، فأردنا رؤيته، وركضت نحو الطريق، وأوقفت سيارة نقل طراز هينو كانت ممتلئة بمقاتلي طالبان، كان بعضهم جالسًا والبعض الآخر واقفًا، بينما يجلسرجل عجوز ذو لحية بيضاء في المنتصف. لقد فوجئت كيف ارتكب هذا الرجل العجوز الملتحي المدعو نادر جان جرائم كبرى مثل اغتصاب النساء وحوادث قتل.

توجهت السيارات إلى قندهار، ورأينا سيارة الملا عمر تسرع على الطريق، وعندما رأى الملا عمر السيارة طراز هينو أوقف سيارته. وجرى إنزال نادر جان، وأطلق الملا عمر النار على رأسه من مسدسه. وحسب معلوماتي، كان أول وآخر شخص يقتله الملا عمر. نادر خان كان قائدا لديه نقطة تفتيش ذات سمعة سيئة بالقرب من منزل الملا عمر. وانخرط في اختطافالنساء من السيارات لاغتصابهن، ويُعد هذا الحاجز أحد أسباب انتفاضة الملا عمر  وتأسيسه لحركة طالبان.

وفي الليل تحت قيادة الملا رحمة الله، تبع الملا عبد السلام وقادة آخرون قوات العدو. وفي الصباح، عندما وصلنا إلى ديلارام مركز ولاية نيمروز، غادر خصومنا المنطقة بعد فترة وجيزة، وفروا باتجاه وسط ولاية فراه. ووجدنا جثث العدو ملقاة على جانبي الطريق. كسرت تلك الخسائر الفادحة قوة العدوالعسكرية لكن طائرات اسماعيل خان كانت لا تزال تقصف مناطق سيطرتنا بشدة.

المعاملة غير المشروعة للأسرى

عندما انتقلنا من جريشك في اليوم التالي، رأينا جثث الأسرىالذين قُتلوا –دون تعليمات من أي قائد، ولكن من قبل القوات المشتركة لطالبان. كان هناك عدد قليل من عناصر طالبان الذين لم يشاركوا في المعركة، لكنهم قتلوا بعض الأسرى بعد ذلك.

لسوء الحظ، بعد وفاة الملا محمد، لم يركز أي قائد آخر على مسألة منع مقاتلي طالبان من الأعمال غير المشروعة. لم يسمح الملا محمد لأحد بقتل أسرى الحرب. قال العديد من عناصر طالبان إن أعضاء الميليشيات الذين عفا عنهم الملا محمد قاتلوهم مرة أخرى، ولذا لا ينبغي العفو عنهم. وبالفعل كان هناك العديد من المقاتلين المنفيين من قندهار وهلمند قاتلوا مرة أخرى ضد طالبان بعد العفو عنهم.

قام بهذا العمل غير المشروع عدد قليل من عناصر طالبان المتهورين انتقاما لاستشهاد الملا محمد ومقاتلين آخرين من طالبان خلال المعارك. لم يوجد أي قائد قوي ذوا سيادة بعد الملا محمد لديه القدرة على إيقافهم. لكن الملا محمد ربانيلعب دورا في وقت لاحق في السيطرة على الوضع إلى حد ما.

كان الملا رباني على وشك الوقوع ضحية خلال حادث ذات صلةإ إذ أراد حماية أسير من هيرات ذا لحية بيضاء من أحد مقاتلي طالبان، لكن الأخير ركض نحو الأسير ، وأطلق النار بالقرب من الملا رباني، لكن الأسير نجا، وتعرض الطالبالمتهور لعقوبة شديدة من قادة طالبان.

غالبية الأسرى الذين تعرضوا للقتل هم من المسلحين الذين فروا سابقا من وجه طالبان في قندهار وهلمند، ولذلك لم يرحمهم مقاتلو طالبان. وعلى الرغم من أن نسبة الأسرىالقتلى كانت منخفضة، إلا أن هذا أثر سلبيًا على ذهني. حتى أنني أصبحت أشك في شرعية هذه الجهاد المقدس. احتفل زملائي بهذا الانتصار، لكنني شعرت بالضغط والحزن.

قال الملا محمد رباني، الذي قاد الحرب، إن ما حدث عمل غير مشروع وأنه غير مسموح لأحد بقتل الأسرى. لكنه لم يكن قادراً على مراقبة مجموعات طالبان الصغيرة. وكذلك أمر الملا عمر بعدم قتل أي سجين. لكن في هذه العمليات غير المنظمة، قُتل عدد قليل من السجناء على أيدي عناصر طالبان العاديينغير المسؤولين.

لم أر قط حادثة مماثلة حيث يُقتل سجناء دون أن يواجهوا أي عدالة. بدا هذا الجانب من الحرب وحشيًا بالنسبة لي. حتى ذلك الحين كنت متأكدًا من أن هذه كانت حربًا مقدسة بحتة، وأن مشاركة كل طالب في هذه الحرب أمر مقدس تمامًا. لكني أدركت أن قداسة الحرب صعبة للغاية في الواقع في ظل تمكن عدد قليل من أفراد طالبان من الانحراف وارتكابهم لتجاوزات. ماذا سيفعل الآخرون أثناء الحرب؟ لقد قبلت أن البشر يمكن بسهولة أن يعتادوا على جرائم القتل. وقلت لنفسي: يا الله! لا تجعلني معتادا على القتل.

توجه أصدقائي نحو هرات بأمل الاستيلاء عليها. وذهبت إلى جبل خورما، وبعد ذلك علمت أن طالبان لم تتكبد خسائر جديدة، ولم تكن بحاجة إلى المزيد من المقاتلين. ففي هذه المعركة، تجاوز من أردوا الانتقام المقاتلين الفعليين. ولذلك دون استشارة أحد عدت إلى ديلارام بنيمروز مع القائد الحاج بشير. ثم ذهبت إلى قندهار ومكثت في بولداك شهرين. وسلمت أسلحة مجموعتي إلى حاكم منطقة بولداك وودعتالأعمال القتالية، وصرت أكثر ميلا نحو الثقافة والأدوارالسياسية في حركة طالبان.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *