By / 8 سبتمبر، 2021

4 – مهارة اسقاط الخصوم – سلطنة عُمان نموذجاً

في عام 1932م تولى السلطانُ سعيد بن تيمور البوسعيدي مقاليدَ الحُكم في سلطنة عُمان.. وكانتِ الدولةُ تعاني من ازدواجية السُّــلطة بين السلطان في الساحل وإمام الإباضية في الداخل، حيث عرفتْ عُمان  نظام الإمامة منذ القدم، فبعد سقوط الدولة الأموية في عام 132 من هجرة رسول الله  كان ظهور أول إمامة بعمان بتنصيب الجُلندَى بن مسعود الأَزْدي، وعلى امتداد التاريخ كان نظام الإمامة يظهر ويختفي في عمان وكان له الدور الأبرز والأهم على الساحة العُمانية، فتمت مبايعة الأئمة بالشورى من قِبل العلماء اتّباعًا لهدي الخلفاء الراشدين، وفي عام 1919م تم انتخاب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إماماً للإباضية في الداخل، وجاء السلطان سعيد بن تيمور وأراد توحيد السلطة في يده وذلك بالقضاء على الإمامة الإباضية، وضم مناطق نفوذهم إلى حُكم الدولة وسيادتها في مسقط… فكان من خطته (التي دبّرها مع بريطانيا) ما يلي:

1 – عدم مهاجمة الخصم أبان قوته

كان الإمام محمد بن عبد الله الخليلي من زهاد زمانه، لم يُعهد منه التوسع والتنعم في مطعمٍ أو ملبسٍ. يقيم الأشهر العديدة في الحصون يفترش ذراعه في كُوة من كوى الحصن ينام عليها وفيها فراشه الذي اتخذه لدابته إذا ركبها، يجلس على الأرض فوق سجادة وإلى جانبه رجال الدولة، ويأكل ويلبس كواحد من رعيته غير ممتاز عنهم بشيء إثارا للآخرة على الدنيا مع أنه من أهل المال والثروة قد رزقه الله من المال ما يكفيه وعائلته فظلف عنه وانقطع في دولة المسلمين والقيام بشؤونهم، لا يأخذ من بيت مالهم شيئا إلا وقد عوضه أضعافه من ماله، يعترف له بذلك كلُّ  من شاهده، وأثناء الحرب العالمية الثانية عمَّ الغلاء في عمان وصار الأرز مفقوداً، فكان الإمام لا يأكل إلا ما يأكله العسكر والضيوف ولا يزيد عليهم بشيء، وكانت زوجته امرأة ثرية فاشترت من مالها كيس أرز وأخفته عن الأنظار وطبخت له ذات يوم فقربته إليه، فقال الإمام: من أين لكم هذا؟ قالت اشتريته من مالي شفقة عليك؛ لأني أخشى عليك من هذا الأكل الذي تأكله مع سائر الناس، فقال: كلا، لا أزيد عليهم بشيء، ولا آكل إلا ما يأكله العامة، لا حاجة لي به، احمليه أو أطعمي به الجميع، قالت: فما دخل بطوننا شيء غير الموجود للعامة حتى فرج الله وارتفع الغلاء وعاد الناس إلى ما كانوا عليه..   وأمام شخصية مثل شخصية الإمام الخليلي ما كان السلطان سعيد بن تيمور يستطيع أن يفعل شيئاً، ولذلك انتظر حتى وفاة الإمام الخليلي في نهار 29 من شهر شعبان لسنة 1373 هـ الموافق 1955م، ولما تُوفي أمر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود أن يصلى عليه صلاة الغائب في الحرم المكي و الحرم المدني، كما صُلي عليه في كثيرٍ من بلاد المسلمين. وتم تعيين غالب بن علي الهُنائي إماماً للإباضية. وأراد سعيدُ بن تيمور التخلصَ من نفوذ الإمام الجديد لينفردَ بحُكم السلطنة.. وكانت الخطة تسيرُ في اتجاهين معاً:

 

2 – تفكيك نفوذ الإمامة من الداخل، واتخذ السلطان في ذلك عدة وسائل منها: 

أ – تشويه سُـمعةِ الإمام غالب بن علي الهُنائي واتهامُه بتلقي أموالاً من النظام السعودي. حيث لعب السلطان سعيد بن تيمور على وتر الخلافات المذهبية بين حنابلة السعودية وإباضية عمان.

ب – شراءُ ولاء القادة البارزين المقربين من الإمام غالب بواسطة العطايا المالية.

ج – تطمينُهم على مكانتهم عن طريق تعيين أعوان الإمام في مناصب الدولة.

وبهذا الأسلوب اطمئن بعضُ أتباع الإمام على مستقبلهم في ظلّ النظام الجديد، فتخلوا عن ولائهم للإمام غالب بن علي الهُنائي وانحازوا إلى السلطان سعيد بن تيمور.

 

3 – الجمعُ بين سُلطة السلطان وسُلطة الإمام بتعيين نفسَـه سلطاناً وإماماً في ذاتِ الوقت.

واتخذ الإجراءات التالية:

أ – أعلن أن الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد بين رعاياه؛ ليقطعَ الطريق على أنصار الإمامة.

ب – تعمدَ اضفاءَ الصبغة الإسلامية على نفسِـه، فأطلقَ لحيتَه وأظهرَ محافظتَه على صلواته وعبادته. وهكذا تمّ تفكيك نظام الإمامة وهدمها من داخلها، وجاء دورُ العمل المسلح والحسم العسكري. 

بدأت المشاكل سنة 1953 عندما أعطى سلطان عمان امتيازا لشركة النفط البريطانية بالتنقيب عن البترول، وطلبت بريطانيا بالتنقيب في منطقة الفهود داخل حدود الإمامة، حيث تمَّ اكتشاف النفط في هذه المنطقة. واحتجّ الإمام على هذا العدوان ورأى فيه مساساً باستقلال “عُمان الداخلية” وبسيادة الإمامة، فشكلت بريطانيا  جيشاً باسم قوة “مشاة مسقط وعُمان”، وصدرت الأوامر في 23 يوليو 1957 لسلاح الطيران البريطاني بالهجوم على الإباضية ودكّ معاقل قوات الإمام، ونُقلت القوات البريطانية من قبرص وكينيا والبحرين ومستعمرة عدن وقوة ساحل عمان من الشارقة. وبالرغم من عنف القصف إلا أن معنويات الثوار كانت عالية، فتقدمت قوات الإمام واستولت على قلاع “بهلاء” و”نزوى” وعلى منطقة الفهود المتنازع عليها والغنية بالنفط. ولكن أثرت الغارات الجوية المكثفة على سير المعارك، ومُنيت قوات الثورة بخسائر كبيرة في الرجال والممتلكات حتى اضطر الإمام إلى التراجع واللجوء إلى المملكة السعودية، والعيش في مدينة الدمام التي أسس فيها حكومة منفى تروج لقضية عمان في المحافل الدُّولية وتطلب الدعم العربي والعالمي للثوار العمانيين، حتى توفي الإمام في29  نوفمبر  2009م. لتُطوى بوفاته صفحة الإمامة الإباضية في عُمان إِلى أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا. 

فلنتعلمْ إذن: تفكيك أركان الخصم، والتفريق بينهم، ومنع وَحدتهم، وتشويه سمعتهم، ثم اطرحِ البديلَ الذي يُقنعُ الشعبَ، وبعدها واجه خَصـمَك وأنت واثقٌ من النصــر..


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *