By / 21 ديسمبر، 2021

تراثنا.. والطاعنون في التاريخ

ثمة نتيجة توصلتُ إليها وتراوحني منذ مدة؛ وكلما ازددت بحثا في التاريخ الإسلامي ازددتُ إليها اطمئنانا.

إن تراثنا نُقِل إلينا بكل أمانة، والروايات التي يتمسك بها الطاعنون في تاريخنا وفي الصحابة وفي الصالحين هي نفسها منقولة في كتبنا.. وضعها المحدثون والمؤرخون والأدباء، بأسانيدها!

فقاموا -في عملهم هذا- بجمع المادة العلمية، بتكوين الأرشيف،

بنقل صورة الحياة كما كانت متداولة في عصورهم.. حتى وإن استنكروا هم أشياء في الروايات التي وضعوها.

ونحن لا نحتاج إلى تنقيح تراث أو إلى تنقيته.. نحن نحتاج إلى تحرير المسائل وفحصها والعمل عليها!.. نحن لدينا أرشيف ضخم يمثل ثروة نفيسة لا تقدر بثمن..

وهذا الأرشيف يعطينا تصورا وافر التفاصيل عن الأمور، ويبقى دور التحرير والبحث والفحص لاستخلاص الحقائق.

إن الذين يندبون باكين يشَنِّعون على أئمتنا أنهم أوردوا في كتبهم ما هو ضعيف ومنكر وغير معقول، معظمهم في رأيي ينطلق من واقع الهزيمة..

ربما يكون معذورا لأنه يخوض معركة الإسلام في واقع ثقيل عليه!
لقد نسي أن هذا التراث كتبته الأمة وهي في مراحل قوتها واستقلالها.. لم يكن لدى من كتبوا إحساس بثقل الهزيمة المعاصرة،

ولم يشعروا بالعار الذي يمكن أن يشعر به المعاصرون المهزومون في معركتهم! فكتبوا وسجلوا وأرخوا ولم يتحفظوا.

يودّ المعاصر المهزوم لو كفاه المؤرخون القدامى جانبا من معركته المعاصرة، فلم يكتب ما يحتاج المعاصر إلى تفنيده والتبرؤ منه..

لا سيما وكثير من أولئك المعاصرين لم تكن لديه آلة الفحص والبحث والتحقيق ليفرق بها بين ما صحَّ وما لم يصحّ.. وبعضهم يكسل عن ذلك!

أحيانا حين أخوض سجالا يلوح لي أن أجدادنا لو كتموا هذا لكان أولى،

لكن بمجرد أن أكتب بحثا وأحتاج إلى مراجعة المصادر وتأملها أرفض هذه الفكرة تماما..

إن تراثنا بما فيه من الضعيف والمنكر والمنقطع والكذب يحمل لنا صورة الحياة في ذلك الزمن!

فلو أنهم كتموا ما لا يعجبنا الآن، كيف كان لنا أن نعرف الكذابين والضعفاء وأصحاب المناكير؟..

وكيف لنا أن نعرف دوافع كذبهم؟ وكيف لنا أن نعرف الرؤى السادة في المناطق والبلدان المختلفة؟ كيف لنا أن نعرف وجهات النظر المختلفة للموضوع الواحد؟

بل أخيرا:
كيف لنا أن نطمئن إلى صدق أجدادنا وأمانة نقلهم إن كتم كل واحد منهم ما يراه ضعيفا؟..

إن وجود هذا كله في تراثنا هو ما يطمئننا إلى أمانة أجدادنا في نقله وروايته!!

إن هذا التراث الوافر يُمَكِّننا حتى الآن من بحث مسائل كانت قبل 1400 سنة وتحقيقها وإعادة النظر فيها..

بغير هذا الأرشيف الضخم الذي يحتوي كل شيء ما كنا سنتمكن من إعادة النظر في أي مسألة!

الخلاصة:
لا تلوموا الأجداد لأنهم نقلوا ما كان يروج في عصرهم بكل أمانة.. بل لوموا أنفسكم إذا تكاسلتم عن فحص هذا التراث وبحثه وتحرير مسائله.

والخلاصة:
تذكروا أن هؤلاء كتبوا ما كتبوا وهم أقوياء منتصرون، لم يكن يدور بأذهانهم أن يساعدوا أحفادهم بعد مئات السنين حين يحرجهم خصمٌ برواية لا يملك أحدهما معرفة رجال سندها ولا قيمتهم من الضبط والديانة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *