By / 29 يونيو، 2020

(13) النظام العالمي من غزو أفغانستان إلى انهيار الاتحاد السوفيتي (1979-1991)

شهدت فترة نهاية سبعينات القرن العشرين عدة أحداث تركت بصماتها على قلب العالم الإسلامي وخريطة التوازنات الدولية، وصولا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، واندلاع صراعات دينية وطائفية مازال لهيبها مشتعلا حتى اليوم.

بزوغ الصحوة الدينية في قلب العالم الإسلامي

تلى وصول السادات إلى منصب الرئاسة في مصر طرده لآلاف الخبراء العسكريين الروس (21 ألف خبير روسي) من الأراضي المصرية في عام 1972، بالتوازي مع فتحه المجال العام لنشاطات الشباب الجامعي من ذوي الخلفية الإسلامية. ثم أعقب حرب أكتوبر بعدة سنوات  عقد السادات لاتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979.  وهو ما نتج عنه إضعاف موقف الدول العربية أمام إسرائيل. كما أصبح الجيش المصري يتلقى معونة أمريكية سنوية يبلغ مقدارها حاليا 1.3 مليار دولار، وتغير بذلك تسليح الجيش من السلاح الروسي إلى الأميركي، وكذلك تغيرت عقيدة الجيش المصري العسكرية. وتحولت مصر إلى وتد يحمي النفوذ الأميركي بالمنطقة في ظل رفض شعبي لهذا التوجه يتصدره الإسلاميون المتأثرون بأطروحات سيد قطب. تلك الأطروحات التي وصفها هنري كسينجر في كتابه النظام العالمي الجديد بأنها (بيان حرب على النظام العالمي القائم). وبلغت الأحداث ذروتها باغتيال السادات في عام 1981 على يد مجموعة من الإسلاميين العسكريين. 

وبالتوازي مع أحداث مصر، اندلعت في عام 1978 ثورة عارمة في إيران أطاحت بحكم الشاه المقرب من واشنطن، ليحكم طهران نظام ديني يتبنى المعتقدات الشيعية. ولتخسر أميركا بذلك حليفها الوثيق الذي كفل لها استقرار منطقة الخليج العربي. وهو ما عبر عنه كيسنجر قائلا (عندما انقلب النظام الإيراني المقبول في منظومة وستفاليا إلى نظام إسلامي راديكالي بعد ثورة الخميني، انقلب نظام الشرق الأوسط رأسا على عقب).

اشتعال الصراع الطائفي:

مع وصول الخميني للحكم في إيران، وتبنيه لخطاب تصدير الثورة للخارج ورفعه لشعارات مناصرة المستضعفين ورفض الاستكبار العالمي، واستخدامه لتشكيلات غير رسمية ترتبط به عقديا لتقويض الأوضاع الداخلية لجيرانه (مثل تجربة حزب الله بلبنان والبحرين والكويت). تأججت المخاوف لدى الدول العربية التي لديها أقليات شيعية ضمن مواطني، وبالأخص العراق الذي كان يحكمه آنذاك نظام بعثي يتغنى بالقومية العربية، والسعودية التي تمترست خلف خطاب ديني سلفي مناهض للشيعة. وسرعان ما اندلعت حرب ضروس بين إيران والعراق في عام 1980، واستمرت إلى عام 1988. اصطف خلالها النظام السوري العلوي إلى جانب إيران، بينما دعمت دول الخليج النظام العراقي. وأعقب انتهاء تلك الحرب نزاع النظام العراقي مع الكويت بخصوص حقول النفط على الحدود بين البلدين. وأعقب ذلك اجتياح الجيش العراقي للكويت في أغسطس عام 1990. مما دفع السعودية إلى الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية التي قادت تحالفا دوليا هزم القوات العراقية وأجبرها على الخروج من الكويت. ومن ثم بقيت القوات الأميركية بعد انتهاء حرب الخليج الثانية في قواعد عسكرية داخل السعودية والكويت ومعظم الخليج العربي. وبذلك وضعت أميركا يدها على منابع النفط بالجزيرة العربية، والتي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي.

غزو أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفيتي

ازدادت حدة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأميركا في نهاية السبعينات إثر حدوث مجموعة من التطورات. ففي اليمن الجنوبي فرض الشيوعيين سيطرتهم على مقاليد الحكم في عام 1978، ثم غزت فيتنام كمبوديا في عام 1979 لسحق الخمير الحمر، ونصبت نظاما شيوعيا مقربا من الاتحاد السوفيتي. ثم بادر الأخير في عام 1979 بإجراء أول توسع له خارج القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية إثر غزوه لأفغانستان 1979 دعما لانقلاب عسكري نفذه الشيوعيون الأفغان مما جعل روسيا تقترب من منطقة الخليج العربي لأول مرة.

وسبق تلك الأحداث وصول العلاقات السوفيتية الصينية إلى الحضيض عقب الاشتباكات الحدودية المسلحة بين البلدين في عام 1969، ما دفع الجيش السوفيتي خلال السبعينات إلى تكثيف تواجده على الحدود مع الصين فضلا عن قواته المنتشرة بأوروبا الشرقية.

تلك الأنشطة العسكرية للاتحاد السوفيتي واكبها تراجع في الأداء الاقتصادي، فانخفض معدل النمو من 10% في الخمسينات إلى 3-4% في نهاية السبعينات. وواكب ذلك تردي في الأوضاع الاجتماعية في الداخل السوفيتي، وتنامي حركات القوى المناهضة للشيوعية في أوروبا الشرقية مثل حركة التضامن في بولندا. وتدفق المتطوعين الإسلاميين على أفغانستان لمواجهة الغزو السوفيتي، بدعم خليجي باكستاني، وضوء أخضر أميركي. وبذلك دخل الإسلاميون ساحة الصراع العالمي بشكل مباشر، وبدأ تشكل تنظيمات عابرة للقوميات استفادت من تصاعد الزخم الديني في المنطقة مثل تنظيم القاعدة. 

من جانبها أعلنت أميركا في عام 1983 عن تدشينها لمبادرة بعنوان (مباردة الدفاع الاستراتيجي) والتي تدور حول إقامة محطات فضائية تعمل على تدمير الصواريخ عابرة القارات بأشعة الليزر قبل وصولها إلى أهدافها. وهو ما أطلق سباق تسلح أرهق كاهل الاتحاد السوفيتي. وكذلك تدخلت أميركا عسكريا في عدة دول أمريكية لاتينية مثل جرينادا وجواتيمالا والسلفادور لإسقاط الأنظمة الشيوعية.

وفي عام 1985 صار جورباتشوف أمينا عاما للحزب الشيوعي، وعمل على إجراء إصلاحات داخلية في روسيا تحت عنوان المصارحة (البروسترويكا) وإعادة البناء (الجلاسنوست)، وتخفيف حدة التوتر مع الغرب. وكذلك انسحب من أفغانستان في مطلع عام 1989. وتخلى جورباتشوف عن دعم الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا مما سرع من سقوطها، حيث أعدم الرئيس الروماني شاوشيسكو على يد الثوار في عام 1989. كما فقد الحزب الشيوعي البولندي دفة الحكم في عام 1990. وفي عام 1989 أيضا حطمت الجماهير جدار برلين الفاصل بين الألمانيتين. ووافق جورباتشوف على توحيد ألمانيا في عام 1990 بعد تعهد الألمان بعدم حيازة أو تصنيع أسلحة دمار شامل، وبأن لا يتجاوز تعداد الجيش الألماني 370 ألف عنصر.

وفي عام 1991 جرى الإعلان عن تكفيك حلف وارسو، ثم في نهاية ذلك العام أعلن جورباتشوف تفكيك الاتحاد السوفيتي، لتنشأ بدلا منه 15 دولة من أبرزهم روسيا. وبذلك اختفى القطب السوفيتي من الوجود، لتنفرد أميركا بالنفوذ والهيمنة، ولتنطلق صيحات النصر معلنة نهاية التاريخ وسيادة النهج الرأسمالي الليبرالي مثلما زعم فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ). ولتعلن أميركا عن ميلاد نظام عالمي جديد، وسط تصاعد المزاعم بأن القرن الحادي والعشرين سيصبح قرنا أمريكيا. وحدثت خلال ذلك تطورات هامة ستستعرضها الحلقة القادمة بإذن الله.

المصادر:

  1. (النظام العالمي- تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ) هنري كيسنجر – دار الكتاب العربي، 2015. 
  2. (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 2002.
  3. (نشوء وسقوط القوى العظمى)، بول كينيدي، ط3. الأهلية للنشر والتوزيع، 2007.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *