By / 28 نوفمبر، 2018

الانغماسي محمد بن مسلمة.. رجل المهمات الصعبة

«وهو الَّذِي‮ ‬كَفَّ‮ ‬أَيْدِيَهُمْ‮ ‬عَنْكُمْ‮ ‬وَأَيْدِيَكُمْ‮ ‬عَنْهُمْ‮‬بِبَطْنِ‮ ‬مَكَّةَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَعْدِ‮ ‬أَنْ‮ ‬ أَظْفَرَكُمْ‮ ‬عَلَيْهِمْ‮ ‬وَكَانَ‮ ‬اللهُ‮ ‬بِمَا تَعْمَلُونَ‮ ‬بَصِيراً»، (‬الفتح‮:‬ 24).

قبيل توقيع صلح الحديبية بين المسلمين ومشركي‮ ‬مكة في‮ ‬العام السادس للهجرة،‮ ‬كانت قريش قد بدأت تفكر جدياً‮ ‬في‮ ‬الصلح،‮ ‬فأرادت مجموعة من شباب قريش أن‮ ‬يقطعوا كل طريق للصلح،‮ ‬وعملوا على فرض القتال بين المسلمين ومشركي مكة،‮ ‬فتسللت هذه المجموعة وهم حوالي‮ ‬خمسين من المشركين،‮ ‬إلى معسكر المسلمين ليلاً،‮ ‬وكان محمد بن مسلمة رضي‮ ‬الله عنه على رأس مجموعة من المجاهدين في‮ ‬انتظارهم،‮ ‬فاعتقلهم،‮ ‬وساق ذلك الصيد الثمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مكنه الله منهم،‮ ‬فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقهم تأكيداً‮ ‬على نيته في‮ ‬الصلح،‮ ‬ونزل في‮ ‬ذلك قوله تعالى‮: «‬وَهُوَ‮ ‬الَّذِي‮ ‬كَفَّ‮ ‬أَيْدِيَهُمْ‮ ‬عَنْكُمْ‮ ‬وَأَيْدِيَكُمْ‮‬عَنْهُمْ‮ ‬بِبَطْنِ‮ ‬مَكَّةَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَعْدِ‮ ‬أَنْ‮ ‬أَظْفَرَكُمْ‮ ‬عَلَيْهِمْ‮ ‬وَكَانَ‮ ‬اللهُ‮ ‬بِمَا تَعْمَلُونَ‮ ‬بَصِيراً »، (‬الفتح‮:‬ 24).

محمد بن مسلمة بن سلمة هو رجل المهام الصعبة،‮ ‬وقائد سرايا العمليات الخاصة في‮ ‬عهد النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم، ‮لن تفقده عند كل مهمة صعبة،‮ ‬كان دائماً في‮ ‬مقدمة الصفوف المقاتلة في‮ ‬سبيل الله،‮ ‬فقد بعثه صلى الله عليه وسلم على رأس خمس عشرة سرية،‮ كما شهد بدر وأحد والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا غزوة تبوك حيث استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة يومئذ،وفي غزوة بني قينقاع تولى محمد بن مسلمة رضي الله عنه إخراج اليهود من المدينة وجمع الغنائم والأموال والأسلحة التي خلّفوها وراءهم
‬وكان ابن مسلمة‮ ‬يفخر بذلك ويقول‮: «‬يا بني‮ ‬سلوني‮ ‬عن مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني‮ ‬لم أتخلف عنه في‮ ‬غزوة قط،‮ ‬إلا واحدة في‮ ‬تبوك خلّفني‮ ‬على المدينة،‮ ‬وسلوني‮ ‬عن سراياه صلى الله عليه وسلم فإنه ليس منها سرية تخفى علي،‮ ‬إما أن أكون فيها،‮ ‬أو أن أعلمها حين خرجت‮».‬

اغتيال كعب بن الأشرف

من أشهر مواقف محمد بن مسلمة ما كان منه في قتل عدو الله كعب بن الأشرف الذي ساءته نتيجة الحرب بين المشركين والمسلمين في بدر، فنزل مكة وجعل يحرض على المسلمين وينشد الأشعار لسب الرسول (ص)ويبكي أصحاب قتلى بدر، ويؤلب كفار قريش على الثأر، ثم رجع إلى المدينة فأخذ ينظم الأشعار تغزلا وتشببا بأمهات المؤمنين ونساء الصحابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك.

بدأ محمد بن مسلمة في وضع الخطة بعناية لاغتيال كعب بن الأشرف ، فاختار لتنفيذ المهمة نفراً من الأوس لأنهم حلفاء بني قريظة وكان من بينهم رجل يكنى أبو نائلة  كان هو وابن مسلمة رضيعين لكعب بن الأشرف، فكان يهدف هذا التكتيك إلى منع ردود الفعل المحتملة إزاء مقتله في أوساط الأوس، وبعد ذلك أمر محمد بن مسلمة رجاله بالتظاهر أمام كعب بمعارضة النبي والاستياء منه، لما تعرضت له مدينتهم من مشاكل بعد هجرة النبي إليها، ويدخل ذلك في تكتيك الاندساس الهادف للإيقاع بالعدو وحدد أن تكون عملية الاغتيال بالليل حتى يسهل الانسحاب بعد التنفيذ .

ولما بلغوا قلعة كعب ناداه ابن مسلمة وأبو نائلة فنزل إليه فتعرف عليهم  وتمشوا خارج القلعة للتحدث فى الشأن الذي تواعدوا عليه، ولم يطل بهم المسير حين مد ابن مسلمة وصاحبه يده إلى رأس كعب، ثم سحبها ليشمها وهو يقول مداعبا إياه: ما أطيب عطرك. وكان كعب حديث عهد بالزواج من امرأة عرفت بكثرة التعطر، وبعد قليل أعاد المذكور هذه الحركة معبراً مرة أخرى عن إعجابه بعبيره، ثم رجاه أن يسمح لأصحابه أن يشموه ليتمتعوا معه بهذه الرائحة النادرة …

وكانت هذه إشارة متفق عليها فتقدم أفراد المجموعة من كعب بوضعية من يريد أن يشتم شعره المطيب وأهووا عليه بسيوفهم فقتلوه ثم قطعوا رأسه، وقد تمت هذه العملية بسرعة خاطفة لأنها نفذت فى أراضى اليهود الذين انتبهوا على صرخة كعب لحظة ضربه فأشعلوا نيرانهم فوق أسوار القلاع، وعاد المنفذون إلى البقيع ومعهم رأس كعب ووضعوه بين يدي النبي برهانا على نجاح مهمة اغتيال كعب بن الأشرف فى الشهر الثالث من السنة الثانية للهجرة، بعيد معركة بدر..

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في‮ ‬خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه استعان بمحمد بن مسلمة في‮ ‬متابعة الولاة،‮ ‬ومحاسبتهم،‮ ‬والتأكد من الشكاوى التي‮ ‬تأتي‮ ‬ضدهم،‮ ‬فكان موقع محمد بن مسلمة كالمفتش العام في‮ ‬دولة الخلافة‮ ، فأرسله الفاروق إلى سعد بن أبي وقاص في العراق عندما كان واليا عليها وإلى عمرو بن العاص في مصر لاقتسام نصف ثروته .

وعندما قامت الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان، أخذ محمد بن مسلمة سيفه، وذهب إلى صخرة قوية، وأخذ يضرب السيف على الصخرة حتى كسَّر السيف، واتخذ لنفسه سيفًا من خشب، وذهب إلى الربذة وبنى لنفسه بيتًا صغيرًا جلس فيه، فقال له أصحابه: لماذا فعلت ذلك يا محمد؟ فأجابهم قائلا: أعطاني رسول الله سيفًا، وقال لي: (يا محمد بن مسلمة، جاهد بهذا السيف في سبيل الله، حتى إذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضًا، فائت به أُحَدًا (أي: جبل أحد) فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية (يعنى الموت)، وقد فعلت ما أمرني به رسول الله ومات -رضي الله عنه- سنة (43 هـ)، وعمره (77) سنة، وترك من الولد عشرة ذكور وست بنات، وقد روى بعض الأحاديث عن رسول الله.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *