By / 13 مايو، 2021

3-تطبيع البحرين صريح مع الكيان الصهيوني

 

في سبتمبر 2020، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليعلن عبر تويتر على اتفاق المنامة وتل أبيب على تطبيع كامل للعلاقات بينهما، لتصبح البحرين ثاني دولة خليجية تعلن اتفاقا لتطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني في غضون أسابيع، بعدما سارت على خطى جارتها الإمارات التي وافقت على اتفاق مماثل وصفه الفلسطينيون بالخيانة لقضيتهم.
ووقع مسؤولون بحرينيون وإسرائيليون “بيانا مشتركا” بشأن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الوثيقة لم تتضمن أي إشارة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وسافر الوفد الإسرائيلي على متن رحلة طيران العال رقم 973 – في إشارة إلى رمز الاتصال الدولي البحريني – ومر فوق الأجواء السعودية بإذن خاص من المملكة.
تم التوقيع على الصفقة -بوساطة أمريكية – في العاصمة البحرينية المنامة، لتصبح البحرين هي رابع دولة عربية في الشرق الأوسط – بعد الإمارات ومصر والأردن – التي تعترف بإسرائيل منذ تأسيسها في عام 1948
وفي الشهور الأخيرة التي سبقت إعلان التطبيع، تسارعت اتصالات البحرين مع دولة الكيان الصهيوني، التي يُعتقد أنها بدأت بشكل سري في التسعينيات من القرن الماضي، في السنوات الأخيرة وصولا إلى اتفاق التطبيع الكامل المعلن.

التطبيع من السر إلى العلن
ويرى مراقبون أن التقارب بين البلدين مر بسنوات من السرية، وظهر للعلن عام 2017 عندما سمح لوفد إسرائيلي بالمشاركة في مسابقة للاتحاد الدولي لكرة القدم في المنامة.
وبالعودة إلى عام 2000، سنجد أن ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الدبلوماسية الرسمية بدأ بمحادثات مع مسؤولين إسرائيليين خلال قمتي المنتدى الاقتصادي العالمي في عامي 2000 و2003
وفي عام 2007، التقى وزيرا خارجية البلدين في الأمم المتحدة، أما في عام 2009، التقى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وملك البحرين في نيويورك على هامش مؤتمر للمنظمة الأممية.
وفي العام نفسه، سافر وفد بحريني رسمي في رحلة غير مسبوقة لاستعادة مجموعة من المواطنين المحتجزين لدى تل أبيب، كانوا ضمن نشطاء مؤيدين للفلسطينيين على متن سفينة احتجزتها البحرية الإسرائيلية أثناء توجهها إلى قطاع غزة في تحد للحصار الإسرائيلي.
وفي أكتوبر 2009، أقرّ البرلمان البحريني، متجاهلا اعتراضات الحكومة، مشروع قانون لحظر أي اتصال مع إسرائيل، لكنه لم يبصر النور.
وفي عام 2011، أبطأت احتجاجات الربيع العربي جهود التطبيع في وقت كانت المنامة تواجه موجة من الاحتجاجات للمطالبة بالإصلاحات.
وفي عام 2016، بدات الخطوات العلنية، ففي سبتمبر من العام نفسه، أشاد وزير خارجية البحرين وقتها بشمعون بيريز بعد وفاته، في بيان مفاجئ أثار انتقادات عربية شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي عام 2017، ظهر التقارب علنا عندما سُمح لوفد إسرائيلي بالمشاركة في مؤتمر للاتحاد الدولي لكرة القدم في المنامة. وظهرت الدبلوماسية الرياضية مرة أخرى عندما سُمح لسائق إسرائيلي بالمشاركة في سباق سيارات.
وفي مايو 2018، أيّد وزير الخارجية البحريني حق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها” بعدما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه قصف عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية في سوريا.
وفي يونيو 2019، فشلت ورشة عمل اقتصادية نظمتها الولايات المتحدة في البحرين في تحقيق نتائج ملموسة بشأن خطة سلام أميركية في الشرق الأوسط، وقال وزير خارجية البحرين على هامش ورشة العمل إن إسرائيل جزء من تاريخ المنطقة.
وبعد شهر أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه التقى بنظيره لبحريني خلال زيارة لواشنطن.
وفي أكتوبر 2019، اجتمع ممثلون من أكثر من 60 دولة بما في ذلك إسرائيل في البحرين، لمناقشة الأمن البحري في أعقاب هجمات على ناقلات نفط في الخليج.
وفي اغسطس 2020، رحبت البحرين باتفاق التطبيع الإماراتي المفاجئ مع تل أبيب، واصفة إياه بالخطوة “التاريخية”، وبعدها أعلنت موافقتها على السماح للرحلات الإماراتية من وإلى تل أبيب بالتحليق في أجوائها، بعد يوم من إعلان السعودية عن قرار مماثل.

دوافع البحرين من التطبيع
ربما يتمثل الدافع الأساسي، الذي يجمع عليه المراقبون وراء الخطوة البحرينية، بتطبيع العلاقات مع تل أبيب، في الضغط الذي مارسه ترامب، على المنامة من أجل الإعلان عن اتفاق السلام، في هذا التوقيت بالتحديد.
وكانت الإذاعة الإسرائيلية، قد قالت في نفس اليوم الذي أعلن فيه ترامب، عن الاتفاق، إن الرئيس الأميركي يمارس ضغوطا على البحرين، وسيعلن اليوم موافقتها على تطبيع العلاقات مع تل أبيب.
ويعتبر مراقبون أن ترامب، الذي كان يواجه ضغوطا داخلية جمة إبان فترة حكمه، وجد في توقيع دول خليجية اتفاقات سلام مع دولة الكيان الصهيوني، ضالته المنشودة لرفع أسهمه كصانع سلام، خلال الانتخابات الرئاسية سعيا للفوز خلالها بفترة رئاسية ثانية.
ويرجح البعض أن البحرين لم تسعَ حقًا إلى التقارب مع الكيان الصهيوني، رغم وجود تعاون وثيق بين الدولتين في المجال الأمنى، حتى لا تصطدم الدولة بشعبها، إلا انه قد فُرِض عليها التطبيع في أعقاب الإعلان الإماراتي تحت ضغط من بن سلمان أيضا.
إلا أن البحرين تلعب دورًا محوريًا في عملية التطبيع، فهي بمثابة قناة اتصال سياسي مباشر بين السعودية وتل أبيب، ويرجع ذلك إلى أن الرياض لا يمكنها القيام بخطوة التطبيع رسميًا خشية قيام حركات مناهضة داخل المملكة.
وقد وضع قرار التطبيع المنامة في موقف حرج، بعد أن استنكره قطاع كبير من الشعب المناصر للقضية الفلسطينية. حيث وقّعت 23 منظمة سياسية عريضة ترفض فيها التطبيع، بالرغم من سياسة تكميم الأفواه التي تتبعها السلطة مع المعارضة.
من بين دوافع البحرين للتطبيع أيضا، لا يختلف عن الدافع الذي أعلنته الإمارات فيما سبق، وهو فوائد التبادل الإقتصادي والأمني والعسكري والتكنولوجي مع دولة الكيان الصهيوني، ولإن كانت البحرين ترى، كما ترى الإمارات أيضا، أن التعاون مع تل أبيب، سيفيدها من حيث التعاون العلمي والتقني.
إلا أن مراقبين يشككون في ذلك، اعتمادا على اختلال الميزان بين الطرفين، إذ أن تل أبيب هي التي تملك الجانب الأكبر، سواء على مستوى المعرفة، أو على مستوى المنتجات، ويعتبرون أن الاتفاق سيصب بشكل رئيسي، في صالح الاقتصاد الإسرائيلي، حيث ستتحول البحرين إلى سوق جديدة، للمنتجات الأمنية والتكنولوجية الإسرائيلية، وهو ما سيعود بفائدة كبيرة، على الناتج الإجمالي لإسرائيل، سواء من حيث ترويج مبيعاتها أو الاستفادة من قطاع السياحة.

موقف السعودية من التطببيع
على مدى عقود، قاطعت معظم الدول العربية دولة الكيان الصهيوني، وأصرت على أنها لن تقيم علاقات معها إلا بعد تسوية النزاع الفلسطيني، لكن من غير المرجح -بحسب مراقبين- أن تقدم البحرين على خطوة التطبيع دون موافقة من السعودية، حليفتها الوثيقة التي يفصلها عنها جسر بحري.
ولم تعقب الرياض على الاتفاق الإسرائيلي البحريني، كما أنها لم تعلق بشكل رسمي على الاتفاق الإماراتي، إلا أن “وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان قال في أغسطس 2020 إن بلاده لن تحذو حذو الإمارات في تطبيع العلاقات ما لم يحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”.
تواتر التقارير حول مواقف السعودية من التطبيع يقرأ فيه البعض مؤشرا على تمسكها بمبادرة السلام العربية التي تدعو “إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها سنة 1967 مقابل السلام”.
ومبادرة السلام العربية أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية بهدف إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967. وقد تم الإعلان عنها في القمة العربية في بيروت عام 2002
في حين أكدت تقارير صحفية عبرية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو سافر إلى السعودية وأجرى محادثات سرية مع ولي العهد محمد بن سلمان، في نهاية العام ذاته الذي وقعت فيه ثلاث دول عربية اتفاقات تطبيع.
وأفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس الاستخبارات (الموساد) يوسي كوهين رافق نتانياهو في زيارته إلى موقع مدينة (نيوم) المستقبلية في شمال غرب المملكة، والتي تعتبر أقرب نقطة إلى إسرائيل، وأنه التقى فيها بن سلمان ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.
ويردد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون، عن وجود دول عربية إضافية مستعدة لإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، مما يثير التساؤلات حول النوايا الحقيقية للسعودية بشأن التطبيع.
قالت مجلة “تايم” الأمريكية، في مقال لها، إن ترامب أشار إلى أن تسع دول أخرى قد تنضم قريباً إلى اتفاقيات “إبراهام”، وقال للصحافيين إنه تحدث مع الملك سلمان معرباً عن اعتقاده بأن السعودية ستعترف بإسرائيل في الوقت المناسب.
وبحسب المقال، الذي نشرته صحيفة “القدس”، فإن قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تعتبر مركزية لشرعية ملوك السعودية، ولكن صعود بن سلمان، يضيف حالة من عدم اليقين على سلوك المملكة المحافظ تقليدياً، إذ أنه قام بتحركات عدوانية متطرفة في السياسة الخارجية، بما في ذلك الحرب في اليمن والحصار على قطر، ويحاول تغيير السياسة باتجاه تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.
وتوقع الكاتب أن تكون هناك فرصة ضئيلة لتوقعات ترامب في أن تمر بخصوص السعودية أثناء تولي الملك سلمان السلطة، مشيراً إلى أن الارتباط الديني المفترض بين آل سعود مع الأماكن المقدسة، ولكنه لاحظ إلى تواصل القنوات الخلفية بين السعودية وإسرائيل لعدة سنوات بحجة مواجهة النفوذ الإيراني إضافة إلى حصول الرياض على برامج تجسس إسرائيلية لاختراق هواتف المعارضة.
وأشار مقال “تايم” إلى أن السعودية قدمت بعض التنازلات إسرائيل بدون مقابل، مثل الموافقة على فتح المجال الجوي أمام الرحلات بين تل أبيب والإمارات، ومنح البحرين الضوء الأخضر للتطبيع مع إسرائيل، كما أكد المقال على أن هناك انقسامات حقيقية داخل العائلة الملكية السعودية بشأن إسرائيل وفلسطين.
وأضافت أن بن سلمان يعتقد أن دولة الكيان الصهيوني ستساعده في الاعتماد على الاستثمار الداخلي وخطط السياحة الداخلية كشريك مثالي، وستساعده أيضا في إصلاح صورته الرديئة جداً في الولايات المتحدة، بسبب جريمة قتل جمال خاشقجي وقمع المعارضة وحرية التعبير وحرب اليمن.

التطبيع والقضية الفلسطينية
شجب الفلسطينيون بشدة الاتفاق لإقامة علاقات رسمية بين الإمارات والبحرين من ناحية والكيان الصهيوني من ناحية أخرى، واعتبرته خيانة للقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، ودعماً لتشريع جرائم الاحتلال البشعة ضد الشعب الفلسطيني.
وتُظهر الاتفاقية الموقَّعة في البيت الأبيض أن القضية الفلسطينية ليست جزءًا رئيسًا من الاتفاق، إذ لم يتضمن هذا الأخير إشارة إلى مبادرة السلام العربية أو قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بحل النزاع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وخلا الاتفاق كذلك من أية إشارة لحل الدولتين أو الثوابت التي يتمسك بها الفلسطينيون للحل.
تأثيرات الاتفاق على القضية الفلسطينية ستكون على الأغلب واسعة وعميقة، فقد ترك الاتفاق تداعيات واسعة على السلطة الفلسطينية ومشروعها السياسي الهادف إلى إقامة دولة فلسطينية على أراضي عام 1967 عاصمتها مدينة القدس الشرقية، وكذلك على الوضع الفلسطيني الداخلي.
وبحسب مراقبون، فإن التطبيع يأتي لاستكمال تنفيذ مخطط الحركة الصهيونية التي عملت منذ نشأتها على تشريد الفلسطينيين لإقامة الدولة اليهودية والاستفراد بالشعب الفلسطيني ضمن مشروع تصفية القضية الفلسطينية من خلال التطبيع مع العرب والضغط على الشعب الفلسطيني وإجباره على الرضوخ والاستسلام.
وأوضحوا أن اتفاق ابراهام لا يلغي مشروع نتنياهو لضم الضفة الغربية، إنما يؤجل الضم بناء على رأي ترامب الذي يرى أن الوقت غير مناسب، كما أنه يثبت أن اللاجئين لن يعودوا وأن حق العودة لن يكون موضع تطبيق، وستعمل الدول العربية على توطين اللاجئين حيث هم.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *